حسن مخافي
كان ذلك منذ حوالي سنة تقريبا: كلية الآداب بمكناس (وسط المغرب) تشهد مناقشة أطروحة لنيل الدكتوراه حضرها الطالب الكويتي فهد حسين السليم في موضوع السيميولوجيا وقراءة النص المسرحي وفلسفة الإخراج: دراسة تطبيقية علي المسرح الكويتي التي سجلها بالكلية تحت رقم 121 د. و. 2003 بإشراف الدكتور عبد الرحمان بن زيدان.
مر كل شيء علي ما يرام: كانت مناقشة علمية جدا نال إثرها الطالب شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا.
ولم لا فالرسالة تتكون من حوالي أربعمئة صفحة، وموضوعها ينتمي إلي مجال جديد من مجالات البحث المسرحي بالعالم العربي. والأهم من ذلك أن فهد السليم استطاع أن ينجز مهمته في أقل من الوقت القانوني لإعداد دكتوراه، أي ثلاث سنوات، وهو أمر نادرا ما يحدث في كليات الآداب بالمغرب التي يشتكي طلابها من ضغط الوقت عليهم…. ولكن كل هذه النباهة تجد تفسيرها بكل بساطة في أن الطالب الكويتي قد سطا علي رسالة كانت قد قدمت خلال السنة الجامعية 2000 /2001 لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع الإخراج المسرحي بالمغرب: اتجاهاته وتطوره وسرق منها فصلا كاملا هو الفصل الثاني الذي يحمل عنوان تاريخ الإخراج المسرحي العربي. الرسالة المسروقة هي لباحث مغربي شاب في المسرح، واسمه محمد حميدي. وعند تصفح الرسالتين يتبين بشكل لا غبار عليه أن الأمر يتعلق بفصل كامل يمتد من الصفحة 73 إلي الصفحة 116 من رسالته. أخذه فهد حسين السليم حرفيا وأعاد توزيعه علي باب يحمل في أطروحته عنوان فلسفة الإخراج المسرحي ويبدأ عنده من الصفحة 293 وينتهي بالصفحة 352. وبلغة الأرقام فإن ما تمت سرقته من أطروحة محمد حميدي يستغرق ستين صفحة بالتمام والكمال، وبالحرف والنقطة والفاصلة.
طالب سمح لنفسه أن يقترف سرقة ستين صفحة كاملة، من المرجح أن يكون سرق البحث كله… ومع ذلك فإذا افترضنا أن الأمر يقف عند الأخذ من أطروحة حميدي دون غيرها، وبالنظر إلي أهمية هذا الباب في بناء الرسالة، فإنها بدونه ستصبح لا شيء. نحن إذن أمام سرقة من النوع النادر، لأن صاحبها لم يأخذ من غيره ويحور بأسلوبه الخاص كما يفعل حاطبو الليل، وهم كثر علي طول عالمنا العربي وعرضه، وإنما نقل نقلا حرفيا. بل إنه لم يكلف نفسه عناء البحث عن رسالة أو كتاب يسرق منهما خارج كلية الآداب بمكناس، وإنما مد يده إلي هدف قريب، في أحد رفوف المكتبة، مطمئنا إلي أن اللجنة العلمية التي ستفحص رسالته ثم تناقشها لا تقرأ، وإذا قرأت فإنها غير مطلعة علي كل ما ينجز في مجال المسرح.
ما الذي جعل ذلك الطالب يطمئن إلي أن اللجنة لن تكشف أمره؟ لا نعرف بالتحديد، ولكن الذي نعرفه أن اللجنة التي ناقشت فهد حسين السليم ومنحته درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا، جمعت بين أساتذة متخصصين في المسرح وآخرين غير متخصصين. وهذه أمور من مسؤولية عميد الكلية إذ كيف يسمح أن تناقش رسالة في المسرح من طرف أساتذة لم يسبق لهم أن كتبوا سطرا واحدا عن المسرح.
وإذا نظرنا في أسماء المتخصصين في المسرح و فاتهم أن ينتبهوا إلي هذه السرقة التي اقترفها ذلك الطالب بالجملة، فإن حجم الريبة في الموضوع سيتضخم. فالأستاذ الذي أشرف علي العمل المسروق هو الدكتور عبد الرحمن بن زيدان كما سبقت الإشارة، وقد كان إلي عهد قريب أستاذا بكلية الآداب بمكناس، ومن المفروض أن يكون مطلعا علي رسائل الدكتوراه التي أنجزت في تخصصه وهي قليلة، تعد علي رؤوس الأصابع. أما رئيس لجنة المناقشة الدكتور يونس الوليدي فمن غريب الصدف أنه من أشرف علي أطروحة محمد حميدي، التي سطا عليها الطالب الكويتي. ومع ذلك لم يصدر عنه أثناء المناقشة ولا بعدها ما يشير إلي أنه انتبه إلي شيء غير طبيعي. هي قضية تمس البحث العلمي في الصميم، ولكنها تمس مصداقية الشهادات التي تسلمها الجامعة. فإذا كان أعضاء اللجنة العلمية قد قرأوا الرسالة وتغاضوا عن السرقة فتلك مصيبة، وإذا لم يقرأوها فتلك مصيبتان، وإذا قرأوا ولم يفطنوا لما سرق فتلك أم المصائب.
أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس (المغرب)