كل ثورة نجحت حصّنت نفسها، من كل الذين قامت عليهم الثورة على اساس انهم مفسدون، الاّ ثورة تونس، فقد بدأت بأعلى سقف للتحصين، كالسجن والقصاص، الى ان وصلت الى الاكتفاء بطلب الاعتذار والعودة الى الدار وكأن شيئا لم يحدث. وقد ذكّرني هذا الانحدار ‘الثوري’ بسروال جحا، فقد قيل بأن جحا اشترى سروالا، واكتشف بان السروال يفوقه طولا، فالتجأ الى والدته طالبا منها بان تنقص منه بمقدار شبر واحد، فاعتذرت منه والدته لانشغالها، وطلبت منه وضعه في مكان ما، وستقوم بما طلب منها حينما تفرغ من انشغالها، ولكنه كان مستعجلا، فذهبت الى اخواته الثلاث، وطلب منهن نفس الطلب، واعتذرن له لنفس السبب وبنفس الشروط. وبعد ان فرغت النساء الأربع، قامت كل واحدة منهنّ بقصّ شبر من السروال، ولمّا عاد جحا وجد ان السروال قد تحوّل الى تبّان، لا يمكن لبسه لقصره هو ايضا، كذلك يحصل مع قانون تحصين الثورة والعزل السياسي. بعد الثورة مباشرة، كان الكل ثائرا، منطلقا بعفوية صارخة، موجّها صوته للعدو الحقيقي الذي نكّل به وفقّره وقهره على مدى سنوات، وبمرور الوقت، بدأت الحسابات الداخلية والخارجية تدخل على الخط، فتغيّرت المنطلقات وتغيّرت الأهداف والمطامح. وأصبح أغلب ‘الثوّار’ الذين نادوا بهذا التحصين ضدّه، وأصبحوا يتحدثّون على حقوق الإنسان بإطناب، وأصبحوا ينادون بمواجهة التمييز بين التونسيين والتفرقة بينهم، وأصبحوا ينادون بالسلم الاجتماعي بدل اثارة الحرب! وكأن تمرير هذا القانون يعني كلّ الذي سبق. ولعلّ هذا التغيير المفاجئ لدى الكثير كانت له مبرراته، فحسب النائب سمير بن عمر، على احد الفضائيات، فان كتلا بالتأسيسي اصبحت تباع وتشترى لصالح ‘حزب نداء تونس’، وهو التجمع الجديد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لغة التهديد المباشرة للجماعات والأفراد. فقد هدّد الباجي قائد السبسي بإسقاط حكومة الجبالي في حال تمرير قانون تحصين الثورة، وقد اغتيل شكري بلعيد ورحل حمادي الجبالي وحكومته، كما تمّ تهديد النائب بشير النفزي، في رسالة موجهة لشخصه، بالقتل والتنكيل بجثتة. وحركة النهضة، والتي تصرّ على تقديم مشروع القانون، لم تكن بمنأى عن الاحزاب والكتل الأخرى، فقد ظهرت فيها أصوات نشاز على حسب حديث قواعدها، مثل اصوات عبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي وسمير ديلو، التي فاجأت قواعدها باعتراضها على هذا القانون. وفي المحصلّة، لقد انتقلت أزمة هذا قانون تحصين الثورة من حماسة ‘الثوار ‘ جميعا، الى وعي الساسة، فمنهم من بدّل رأيه خوفا، ومنهم من بدّل بمقابل مادّي، ومنهم من بدّل لحسابات انتخابية، ومنهم من بدّل حفاظا على موقعه، ولهذا فقد خرج الشيخ راشد الغنوشي برأيه الاخير، بأن الاعتذار يمنح العفو، في اعتقاد منه بان هذا هو المخرج الوحيد للحفاظ على وعد قدّم للشعب، بعد ان تخلّى الجميع، وبدأ الاختلاف داخل حركته نفسها. اذا ‘من دخل دار الاعتذار فقد سلم’، ولكن ستكون كل المخارج الآتية، بما فيها الاعتذار، مثل سروال جحا، بعد ان فُعل فيه ما فعل، لا يكفي حتى لأن يكون تبانا. د/ محجوب احمد قاهري [email protected]