سرُّ هذا الاهتمام الديمقراطي؟!
جواد البشيتيسرُّ هذا الاهتمام الديمقراطي؟!مَنْ يستمع إلي رايس وهي تتحدث عن أهمية وضرورة نشر الديمقراطية عندنا لا بد له من أن يتساءل عن سر هذا الاهتمام الديمقراطي العظيم بنا مع أن وزيرة خارجية الولايات المتحدة سعت، غير مرة، إلي إظهار الإرهاب العالمي ، أي العربي ـ الإسلامي ، علي أنه العاقبة الحتمية والطبيعية لخضوع شعوبنا ومجتمعاتنا لأنظمة حكم استبدادية وفردية، لا عمل لها تؤديه علي خير وجه سوي تغذية الإرهاب ، بحسب وجهة نظر رايس.رايس، ومن أجل أن نصدِّقها، حرصت علي أن تؤكد لنا أنها، في اهتمامها بنشر الديمقراطية عندنا، لا تمثِّل جمعية خيرية ، لا مصلحة دنيوية لها في إسباغ نعمة الديمقراطية علينا، فإن أحدا في العالم لا يصدِّق أن دولة عظمي كالولايات المتحدة يمكن أن تنزِّه القيم والمبادئ عن المصالح، فنشر الديمقراطية في العالم العربي (والإسلامي) إنما هو جزء لا يتجزأ من الجهود التي تبذلها إدارة الرئيس بوش من أجل القضاء علي الإرهاب . لو قالت رايس إن نشر الديمقراطية عندنا هو هدف في حد ذاته ، أي لا تكمن فيه مصلحة للولايات المتحدة، لتعذَّر عليها أن تجد عربيا يصدِّق زعمها، فعمدت، بالتالي، إلي إظهار الإصلاح السياسي والديمقراطي في العالم العربي علي أنه شيء مفيد للقوة العظمي في العالم في سعيها إلي القضاء علي عدوها الجديد وهو الإرهاب . قد نصدِّق رايس في زعمها أن الإرهاب العربي ـ الإسلامي هو فعلا العدو الجديد للولايات المتحدة، والخطر المحدق بأمنها القومي، وأن احتلال أفغانستان والعراق يأتي في سياق الحرب علي هذا الإرهاب في عقر داره. وقد نصدِّقها، أيضا، في زعمها أن الإرهاب هو منتَج من منتجات أنظمة الحكم الاستبدادية والفردية في عالمنا العربي. ولكن رايس لم تتحدث عن أسباب الإرهاب إلا بما يُظهِر بلادها علي أنها بريئة تماما من كل عمل أو فعل يمكن أن يساهم، ولو مساهمة ضئيلة، في إنتاج، أو تغذية، ما تسميه الإرهاب العربي ـ الإسلامي ، وكأنها ضحية له فحسب.إذا كانت أنظمة الحكم العربية الاستبدادية والفردية هي التي غذَّت الإرهاب ، الذي أصبحت الولايات المتحدة ضحية له، فهل تستطيع رايس إقناعنا بأن بلادها بريئة من تهمة تغذية أنظمة الحكم تلك؟! رايس كان يمكن أن تكون قوية في منطقها وحججها لو أنها قالت إن الولايات المتحدة قد غذَّت، عن وعي وقصد، أنظمة الحكم العربية الاستبدادية والفردية، التي غذَّت، موضوعيا، الإرهاب ، أو العوامل التي أنتجته وصنعته. أما لو أرادت رايس النطق بالحقيقة الموضوعية كاملة، والتي لن ينزل النطق بها بردا وسلاما علي المصالح الإمبريالية لبلادها، لقالت إن العلاقة التي أقامتها الولايات المتحدة، وطورتها، مع العدو القومي الأول للعرب، وهو إسرائيل، هي التي غذَّت أكثر من أي عامل آخر الإرهاب .رايس قدَّست الحرب إذ أظهرتها علي أنها وسيلة لنشر الديمقراطية، فلولا الحرب التي شنتها الولايات المتحدة علي العراق لاستحالت، بحسب زعمها، إطاحة نظام حكم صدام حسين، ونشر الديمقراطية في العراق. هذا يعني أن للحرب في سبيل نشر الديمقراطية في العالم العربي قيمة أخلاقية عظمي ولو لم تحظَ بالشرعية الدولية. ويعني، أيضا، أن الواجب الذي أدته الولايات المتحدة في العراق يمكن ويجب أن تؤديه في دول عربية أخري، فـ المارينز سيطيحون كل نظام حكم عربي استبدادي وفردي يعجز المحكومون عن إطاحته. ولكن رايس لم تحدثنا عن أمور نعتقد بأهميتها مثل عدد أنظمة الحكم العربية الاستبدادية والفردية، وأسماء الدول الخاضعة لها، كما لم تحدد لنا تلك الحكومات العربية التي لا بد لـ المارينز من أن يطيحوها قبل ومن أجل أن ننعم بالديمقراطية. وحتي لا تُتَّهم الولايات المتحدة بنشر ديمقراطية مزعزعة للاستقرار قالت رايس إن الدول التي تحكمها حكومات استبدادية وفردية هي في الأصل غير مستقرة، فلا يمكنكَ، بالتالي، أن تزعزع الاستقرار في دول هي في طبيعتها فاقدة للاستقرار! 9