محمد صالح مجيد في إجراء غير مسبوق يكشف عن سلطة الجيش التي أمست تفوق كلّ السلطات، منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ‘الحرب على الإرهاب’، أقدمت وزارة الدفاع الأمريكيّة، يوم الاثنين 20 ايلول/سبتمبر 2010 على حَرق عشرة آلاف نسخة مِن كتاب نشره أنتوني شافر المقدّم في جيش الاحتياط الأمريكي الذي عمل في أفغانستان قائدا لفرقة عمليات سرّية. وفي هذا الكتاب الذي وُئِدَ، كشف ضابط الاحتياط أسرارا خطيرة عن المهام التي قام بها الجيش الأمريكي في بلد ضعيف مسكين، جعلت منه إدارتا جورج بوش الابن وباراك أوباما، ساحة المعركة الرئيسيّة في مكافحة الإرهاب.
وتبريرا لِما حدث، بيّن الجيش أنّ إتلاف هذا الكمّ الهائل مِن الكتب يعود إلى أنّ المُجَنّد لم يحصل على ترخيص كتابي من رؤسائه العسكريين، مُشدّدا على أنّه حصل على إذن بالنشر من إدارة ‘جيش الاحتياط’ وهي جهة لا تُمثّل وزارة الدفاع التي تبقى الجهة الوحيدة الموكل إليها ‘حماية الأمن القومي الأمريكي’ والمحافظة على سرّيّة العمليات العسكريّة التي يقوم بها الجيش في أنحاء عديدة من العالم، مجهولة ومعلومة.
والغريب أنّ وزارة الدفاع الأمريكيّة، مزهوة بسلطاتها الواسعة، اعترفت علنا بما أقدمت عليه. ووعدت دار النشر بتعويضها عن النسخ المُتلفة هَبَاءً في النار، سامحة في المقابل، بإعادة طبع الكتاب في نسخة جديدة منقّحة، حسبما تمليه شروط ‘حماية الأمن الأمريكي’. وقد تدخّل مقصّ الرقيب العسكريّ ليحذف أسماء الأماكن، ونوعيّة العمليات العسكرية على الأرض، والوسائل المستعملة. إلا أنّ ما جعل عمليّة الحرق بلا معنى هو إعلان عديد المواقع الإلكترونية حصولها على النسخة الأصلية من الكتاب، وشروعها في الترويج لبيعه بأسعار خيالية.
إنّ أمريكا التي تُصدِر كل سنة، عبر وزارة خارجيتها، تقريرا من خلاله تُقيّم وضع حقوق الإنسان في العالم، وتسمح لنفسها بأن تستنكر ما يقع من تضييق على الحريات في أنحاء كثيرة من العالم تُقدم، بإقدامها على حرق كتاب، المثال السيئ. وهي بذلك تعتدي اعتداءً سافرا على حقّ النشر والتعبير الذي يكفله الدستور الأمريكي تأكيدا لانتماء الولايات المتحدة الأمريكية إلى العالم الحرّ أو عالم الخير كما جاء على لسان بوش. ما الفرق بين ما قام به الجيش الأمريكيّ، وبين ما كان ينوي القيام به قسّ متعصّب أراد أن يحرق القرآن في ذكرى 11 ايلول/سبتمبر؟ هل تعلن أمريكا بحرقها لهذا الكتاب ضمنيّا أنّ حربها المزعومة على الإرهاب ما هي في الحقيقة إلا حرب تجسّس على الدول، وغطاء تتستّر وراءه للقيام بعمليات استخباراتية تتكتم على نوعيتها وأهدافها ومواقعها.
سمعنا عن حرق كتب في القديم. ومن أبرز ضحاياها العالم ابن رشد. وقد اعتبر كلّ أحرار العالم، من مسلمين ومسيحيين ويهود، ما حدث لهذا العالم الجليل عملا همجيّا يعكس الجهل والتخلّف. أما أَن تُقدِمَ على حرق كتاب في القرن الواحد والعشرين، دولة تدّعي، في كلّ المنابر، أنها تتزعّم العالم الحرّ فهذا من عجائب الأمور التي تنبئ بعودة الزمن إلى الوراء قرونا.
على أنّ الوقائع تُثبت أنّ أمريكا واحدة لا تتغيّر وإن عمدت أحــــــيانا إلى تلوين خطابها وتليينه استجابة لمتطلبات التوازنات الدوليّة. فالولايات المتحدة الأمريكيّة الحريصة على الأمن في العالم هي التي خرقــــته، وأشعلت النار في العراق مُعتَدية على دولة لم تكن تشكّل خطرا على السّلم والأمن في العالم، ومتجاوزة كلّ الأعراف والقوانين الدوليّة لترتكب أكبر عمليّة إبادة جماعيّة في العالم.
وأمريكا راعية حقوق الإنسان، وحامية القوانين الدوليّة في العالم هي التي استهدف جيشها عمدا الصحافيين في ساحات المعارك طمسا للحقيقة ومنعا للتّسريبات الصحافيّة. وهي التي حرّضت عَمدا على قتلهم في العراق مُدّعية أنّهم وُجِدوا في خطوط النار، ولم يكن بالإمكان تمييزهم عن المقاتلين. خُلاصة القول، في سبيل حماية أمن قوميّ مُحاط بسرّية مطلقة، ولا يُحدّد معالمه إلا ‘البنتاغون’، أمريكا مستعدّة لأن تحرق الكتب والأكباد والنوايا وجاهزة لأن تزيّف التاريخ وتسطو على المستقبل.’ كاتب تونسي