كيف سيذكر نتنياهو في كتب تاريخ إسرائيل؟ هذا السؤال طرح من جديد على خلفية الانتخابات الأخيرة، وفي ضوء الفجوة التي يصفها منتقدوه بين إنجازاته السياسية اللامعة وما يعرفونه كسياسته المحافظة وعديمة الرؤيا، فقد حاول معارضو رئيس الوزراء أن يخلقوا في الرأي العام تمييزاً بين نتنياهو والليكود كحاملي علم الوضع الراهن، وأزرق أبيض بثلاثة جنرالاته، كحاملي بشرى جديدة لإسرائيل. غير أن هذا العرض العابث لنتنياهو كمحافظ ظلامي ولخصومه كمتنورين محبين للتقدم يخطئ الواقع.
عندما سئل مناحم بيغن فور انقلاب 1977 أي رئيس وزراء يعتزم أن يكون، أجاب «رئيس وزراء يهودي». وقصد بيغن البعد الاجتماعي العميق، الكامن في أساسات الوجود الجماعي اليهودي.
فعلى مدى الأجيال كان الشعب اليهودي في تضارب بنيوي بين كونه شعباً مختاراً أي جماعة ذات هوية ثقافية مميزة، وبين واقع وجود جملة الكيانات الجماعية المتناثرة في أماكن مختلفة في العالم والتي تدير علاقات معقدة مع محيطها الخارجي. لقد علم هذا الواقع المعقد الشعب اليهودي على تبني نهج سياسي ـ واقعي، تميز بالمرونة وبقدرة الحركة بين الأطراف. عندما وصف بيغن نموذج الزعامة اليهودية، ألمح بالحاجة إلى استمداد الإلهام من تجربة الوجود اليهودي. هذا النموذج الزعامي لم يكن حصرياً له؛ فقادة حركة العمل التاريخية، ولا سيما دافيد بن غوريون، تصرفوا في ضوئه. والآن يعمل بموجبه بنيامين نتنياهو.
بمناهضة العرب وبالفكر البراغماتي…
عنصران بارزان لنموذج الزعامة اليهودية ميزا العقد الأخير لولاية نتنياهو، وهما اللذان منحاه أيضاً قوته السياسية: الأول هو الحضور الدائم للتضارب. ولاية نتنياهو مليئة في ما يبدو كتضارب داخلي: من جهة أسلوب إصلاحي حازم، وبالمقابل سياسة حذرة ومحسوبة؛ من جهة خطاب يعتبر في دوائر معينة كمناهض للعرب، وبالمقابل استثمارات كبرى اقتصادية في الوسط غير اليهودي؛ من جهة اعتراف بأهمية إقامة أسوار دفاعية حول الـ «فيلا في الغابة»، وبالمقابل تعميق الحضور الاقتصادي ـ الأمني لإسرائيل في الشرق الأوسط. هكذا أفلح في التوازن بين الميول التي سادت في الرأي العام وفي قاعدة الدعم السياسي له، وبين التقدم في حصانة إسرائيل.
أما العنصر الثاني فهو نهج نتنياهو العملي، الذي وإن كان نزع عن إسرائيل أوهام التسعينيات عن السلام مع جيرانها، الليبرالية الحرة والعالمية المطلقة، ولكنه كان مناسباً لها مع التطورات في محيطها الداخلي والخارجي. يدور الحديث عن فكر براغماتي يقوم على أساس السير في الوسط تقريباً في كل مجال، دون الانهيار إلى حلول مطلقة. هكذا، في المجال السياسي قال نتنياهو «لا» للدولة الفلسطينية، ولكن أيضاً للضم الكامل وللتوطين. في المجال الاقتصادي وإن كان لم يدر الظهر لليبرالية الجديدة ولكنه لطف بالتوازي معانيها الاجتماعية.
هذه السياسة، بالأسلوب الـ «يهودي» الذي وصفه مناحم بيغن، رفع إسرائيل إلى مسار النجاح في الواقع المركب والمليء بالتضاربات.
هذا هو السبب الذي لن يجعل إرث نتنياهو يذكر بسبب اتفاق سلام كهذا أو ذاك أو نصوص مليئة بالأبعاد الرومانسية عن الأمل، بل سيذكر أساساً بسبب قدرته على تنفيذ نموذج زعامة يسمح في الوقت الحالي لإسرائيل بأن تستنفد بالشكل الأفضل مصالحها القومية سواء في الداخل أم في الخارج. قد لا يكون هذا استعراضاً طقسياً لامعاً، يملأ القلوب بالمفاجآت، ولكنه أسلوب الزعامة المناسب للتحديات غير البسيطة التي تواجهها إسرائيل في الوقت الحالي.
دورون مصا
د. باحث ومحاضر في كلية أحفا ومسؤول سابق في المخابرات
إسرائيل اليوم 11/4/2019