الجزائر ـ «القدس العربي»: لا يمكن لزائر الهضاب العليا في الجزائر، أن يفلت ولاية سطيف التي تشد إليها الأنظار حتما، بما تكتنزه من تنوع طبيعي وبيئي كبير وما تختزنه من تاريخ عريق بقيت شواهده ماثلة إلى اليوم وما تقدمه من ثقافة شعبية وفلكلور وفن صنع لها شخصيتها المميزة بين كل المدن الجزائرية الكبرى.
تقع سطيف، شمال شرق الجزائر وتبعد عن العاصمة بنحو 300 كيلومتر، قريبة من البحر المتوسط لكنها لا تطل على شواطئه. تعرف هذه المنطقة تضاريسيا في الجزائر بالهضاب العليا، وهي تتميز بالارتفاع عن سطح البحر وشساعة المساحات، لذلك يعتبر موقعها استراتيجيا من ناحية استغلال الأراضي في الزراعة والبناء، ما سمح بتوسعها عمرانيا بشكل كبير، حتى أصبحت الولاية الثانية من حيث عدد السكان بعد الجزائر العاصمة.
والوصول إلى سطيف متاح بالطريق السيار شرق غرب الذي يقطع شمال البلاد، كما أنها بوابة لدخول ولايات الداخل الجزائري، ما يجعلها مركزا رئيسيا للتجارة في البلاد، حيث تشتهر بأسواق الجملة الكبرى التي يفد إليها الجزائريون من كل مكان. وباتت في السنوات الأخيرة، مركزا صناعيا تخصص في إنتاج الأجهزة الكهرومنزلية والأدوية والصناعات الغذائية، لتصبح رقما مهما في بنية الاقتصاد الجزائري.
وليست هذه المكانة التي تحظى بها سطيف اليوم، غريبة عن هذه المنطقة التي عرفت التمدن منذ أزمنة غابرة، حيث يرجع تاريخها إلى نحو ألفي عام. ورغم أن اسمها يبدو عربيا في نطقه، إلا أن ثمة من يقول إنه مشتق من الكلمة الأمازيغية «زديف» بمعنى «الأراضي الخصبة» فالمنطقة تاريخيا كانت مستقرا لحضارات متعاقبة بسبب توفرها على جودة الأراضي ووقوعها ضمن نطاق تساقط مطري معتبر، ما جعلها مطمعا دائما للغزاة.
مدينة جميلة الأثرية
ومن شواهد ذلك، أن سطيف تضم اليوم على بعد 50 كيلومترا من مركز المدينة، واحدًا من أروع المواقع الأثرية الرومانية في العالم. مدينة كويكول خلال العصر الروماني، أو جميلة كما يطلق عليها اليوم، تضم بقايا معمارية مذهلة تعكس عظمة الحضارة الرومانية في تلك الحقبة. يجسد هذا الموقع بحق لزائره، فكرة السفر عبر الزمن والعودة للماضي البعيد بتفاصيله الدقيقة، إذ يمكن رؤية بقايا الأسواق الرومانية والحمامات العامة والمعابد التي كانت تعج بالحياة قبل آلاف السنين.
بنيت كويكول المصنفة منذ أكثر من أربعين سنة تراثا عالميا، على ارتفاع يزيد عن 900 متر فوق سطح البحر، في منطقة جبلية ساحرة تجمع بين الطبيعة الخلابة والموقع الاستراتيجي الذي ساعد في ازدهارها خلال الفترة الرومانية. وتقول المراجع التاريخية، إنها تأسست في نهاية القرن الأول الميلادي، واختير موقعها بالذات لكونه يشكل حصنا طبيعيا، يتيح لسكانها مراقبة المنطقة المحيطة بسهولة، ثم سرعان ما تطورت الحياة بها وازدهرت من الناحية الاقتصادية و العسكرية، لتتحول إلى مركز حضاري كبير وغني، يضم شوارع منظمة وساحات فسيحة محاطة بالأعمدة الرومانية التي تضفي على المكان عظمة وهيبة.
تضم المدينة الأثرية إلى اليوم شواهد عن منازل كانت تحتوي حدائق داخلية وفناءات فسيحة، تعكس الترف الذي كان يتمتع به الأثرياء في تلك الفترة. كما يظهر الحي المسيحي في المدينة كمثال آخر على التعدد الثقافي والديني الذي عرفته جميلة في فترة لاحقة من تاريخها، حيث أصبحت المسيحية الديانة السائدة. ومن الجانب الهندسي، يمثل قوس النصر المخصص للإمبراطور كراكالا والمعبد الكبير المخصص لأسرة سيفيروس أهم المعالم التي تجسد عظمة هذه المدينة، بينما تمنح الزخارف والتفاصيل المعمارية الرائعة إحساسًا بالتناسق والانسجام الذي كان يميز الهندسة الرومانية.
ولعل أكثر ما يبهر في مدينة جميلة هي تلك الحمامات الرومانية، التي تعكس مدى تطور هذه الحضارة. هذه الحمامات تتألف من غرف عديدة، تشمل قاعات التبريد والتسخين وزوايا فاخرة مزينة بفسيفساء وأعمدة من المرمر الوردي. يقدم تصميمها المبهر لمحة عن الحياة اليومية في تلك الفترة، مدللا على حجم الاهتمام بالنظافة والمظهر لدى سكان تلك الحقبة.
ولأن التاريخ يعلمنا أنه لا مدينة عظيمة من دون تجارة، تبرز بوضوح مكانة الأسواق في جميلة الأثرية، والتي كانت دكاكينها تشتهر بوجود الخزف الفاخر والمعروضات الفنية. لم ينس بناة كويكول، أيّا من التفاصيل، فأبدعوا في بناء مدينة متكاملة، كان للثقافة حظ كبير بين أسوارها. يتجلى ذلك في الساحات التي كانت تقام للاستعراض وفي المسرح الروماني الذي كان مخصصا للعروض المسرحية والموسيقية، والذي لا يزال يحتضن إلى اليوم مهرجان جميلة السنوي، مجتذبا الزوار من كل مكان، ليعيشوا تجربة فنية وثقافية ممتعة في نفس المكان الذي كانت تعرض فيه الفنون قبل مئات السنين.
عين الفوارة
خارج التاريخ القديم، لا تزال هناك معالم في سطيف تعيش بين الناس وتشغل يومياتهم، رغم أنها آتية من الماضي. أبرز ما يعبر عن ذلك، تمثال عين الفوارة الشهير الذي لا يمكن للزائر إلا أن يشرب من مائها، حتى يسجل رحلته للمدينة في أعماق ذاكرته. هذه النافورة الشهيرة التي تتوسط ساحة الاستقلال في قلب المدينة، تمثل عينا تعلوها منحوتة لسيدة من الحجر الأبيض والمرمر، بنيت عام 1898 في فترة الاستعمار الفرنسي، وتعود تسميتها إلى عين ماء شهيرة كانت موجودة في المكان.
يلف هذه المنحوتة منذ زمن طويل جدل واسع، كونها تُمثل جسد امرأة نصف عارية، ما يدفع البعض لاعتباره تمثالا خادشا للحياء، إلا أن سكان سطيف غالبًا ما يدافعون عنها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هوية مدينتهم الثقافية والتاريخية. ومع الزمن، لم تعد النافورة مجرد نصب تذكاري، بل مكانا يلتقي فيه الناس، تجمعهم حولها مشاعر الحب والانتماء. وما زاد في التعلق بهذا المعلم، ما كتب عنه في دواوين الشعراء ومقالات الأدباء، فأصبح بذلك جزءًا من ذاكرة المدينة.
وعلى مدار السنوات الماضية، تعرضت المنحوتة لعمليات تخريب، كان أشهرها سنة 2017 عندما اعتلاها شخص بمطرقة وبدأ بتحطيمها، مخلفا صدمة في المدينة ونقاشا وطنيا واسعا وصل إلى قبة البرلمان. وأكدت السلطات حينها أنها لن ترضخ للأصوات المتطرفة التي تريد إزالة هذا المعلم، وقامت بترميم المنحوتة وإعادتها لمكانتها.
طابع محافظ وهوية إسلامية
ورغم روح الانفتاح التي تميزها، تعتز سطيف بطابعها المحافظ وهويتها الإسلامية التي تظهر في العديد من معالم المدينة. ولعل ما يبرز في هذا الجانب، المسجد العتيق الذي يبعد بخطوات عن معلم عين الفوارة ويعود تاريخه إلى منتصف القرن التاسع عشر. يتميز هذا المسجد بطرازه العمراني الفريد، فهو يجمع بين الهندسة العثمانية والزخارف الإسلامية وبه أيضا عناصر من النمط الإغريقي والروماني في البناء، وهو ما يمنحه شكلا فريدا من نوعه. أما مئذنته، فهي لافتة من حيث أنها رباعية الأضلاع، تعبر عن عبقرية المعمار الإسلامي.
يُعتبر هذا المسجد بحق، رمزا للصمود أمام الاستعمار الفرنسي. فقد بُني بفضل تبرعات السكان بعد أن رفضت السلطات الاستعمارية بناء مكان عبادة للمسلمين، وهو ما يعكس تاريخا طويلا للولاية في مقاومة الاستعمار الفرنسي، منذ فترة الثورات الشعبية في القرن التاسع عاشر، إلى نضال الحركة الوطنية في القرن العشرين. وقد سبقت هذه المدينة الثورة التحريرية المسلحة، بتقديمها عشرات الآلاف من الشهداء في مجازر 8 أيار/مايو 1945 التي قتل فيها الاستعمار بدعم بارد الجزائريين المتظاهرين للمطالبة بتنفيذ فرنسا وعدها بالخروج من الجزائر لقاء مساعدتهم لها في دحر النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
ومن الرموز الخالدة للمدينة، الشيخ البشير الإبراهيمي، رفيق مؤسس جمعية العلماء المسلمين عبد الحميد بن باديس، وصاحب المقالات البديعة في الدفاع عن الهوية الإسلامية للجزائر. تميز هذا الشيخ بقوة بلاغته وروعة أسلوبه وقدرته على تكثيف المعنى، ما جعل خطبه ومقالاته وأشعاره مرجعا للطلبة ودارسي علوم لغة الضاد. ورغم أنه مواليد برج بوعريريج الولاية، إلا أن الشيخ اتخذ من مدينة سطيف، مقرا لنشر التعليم الديني في صفوف الأهالي الذين عمل الاستعمار على تجهيلهم، قبل أن يعرض عليه بن باديس تأسيس جمعية العلماء، فرافقه في هذا المشروع الذي كان له إسهام كبير في ترسيخ هوية الجزائريين.
ولدى المدينة كذلك مسحة صوفية، تبرز في التمسك بإرث الولي الصالح سيدي الخيّر الذي عاش في القرن الثامن. تميز هذا الولي منذ صغره بورعه وتقواه، إضافة إلى حكمته ورؤيته الثاقبة، حيث قضى جزءاً كبيراً من حياته في حل النزاعات والسعي للإصلاح بين الناس. وتُعد حياته نموذجاً للزهد والعبادة، إذ عُرف بالكرامات التي نُسبت إليه، حيث يتناقل الناس روايات عن قدرته على التنبؤ بأحداث مستقبلية. يقع ضريحه اليوم على حافة الطريق بعيدا بكيلومترات فقط عن المدينة، وهو مزار شعبي تقام فيه الولائم والأفراح ويقصده طالبو الشفاء والمرضى، وفق المعتقدات السائدة.
الطعام والاستجمام
في المدينة العتيقة لسطيف، تنتشر بين زوايا الشوارع الضيقة المطاعم التي تقدم تجربة فريدة لمدينة تشتهر بتنوع مطبخها الغني. يعد الخبز جزءا أساسيا من الثقافة الاستهلاكية، وهو يتنوع حسب الأطباق، حيث نجد الكسرة التي تقدم عادة مع طبق من الفلفل والحار يعرف محليا بـ«الحميس» وكذلك المطلوع، وخبز الدار ومطلوع الميلي. إلى جانب الخبز، توجد العديد من المعجنات المميزة مثل البربوشة والشخشوخة والمفرمسة والثريدة. كما تُعرف سطيف بحسائها الشهي، مثل شوربة فريك، بالإضافة إلى الحساء السطايفي المعروف باسم الحسوة، الذي يُعد من الأطباق المفضلة لدى السكان. تشمل الأطباق الرئيسية في سطيف العديد من الطواجن الشهية التي يتم إعدادها باللحم والدجاج، دون نسيان الحلويات التقليدية التي تتميز بها المدينة، مثل المبرجة والمقروط والعرايش وغيرها.
تجربة زيارة ولاية سطيف، لا يمكن أن تكتمل إلا بزيارة حمام قرقور الطبيعي المتدفقة مياهه منذ آلاف السنين. يعود تاريخ هذا الحمام إلى العهد الروماني، تحديداً بين القرنين الرابع والخامس، وتشتهر مياهه المعدنية المصنفة عالميا بأنها ذات جودة عالية وفوائد علاجية. مساحة الحمام تقارب 600 متر مربع، وهو قريب من المنبع الحموي الشهير في المنطقة، حيث تندفع المياه المعدنية الساخنة بدرجة حرارة تزيد عن 40 درجة مئوية. ورغم أنه كنز طبيعي في المنطقة، طال هذا الحمام إهمال كبير، قبل أن يعاد ترميمه ودعمه بمركب سياحي يضم غرفا فندقية حديثة، يفد إليها الجزائريون من كل مكان للاستجمام والتطبيب.
قد تكون سطيف من الولايات القليلة التي تجمع كل هذا التنوع الثقافي والحضاري واللساني فهي تضم في مناطقها الشمالية ناطقين باللسان الأمازيغي. زائر الولاية سيتوه بين الآثار الرومانية المدهشة والمناظر الجبلية الخلابة والحمامات الطبيعية، وسيأخذ نصيبه من الحياة العصرية التي توفرها المدينة، حيث يوجد واحد من أكبر مراكز التسوق في الجزائر «بارك مول» الذي شيد في شكل برجين شاهقين ويضم في طوابقه أشهر الماركات والمطابخ العالمية. وما تحتاجه الولاية، وفق مختصين، تثمين إرثها الثقافي الهائل، إذ لا تزال الكثير من المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة مثل البيزنطية، الرومانية والفاطمية، تعاني من إهمال واضح على الرغم من القيمة التاريخية التي تتمتع بها.