سعدية‭ ‬قاضون‭ ‬وشيخ‭ ‬الكار‭: ‬السلطة‭ ‬والسوق‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬العثمانية

تنقل‭ ‬لنا‭ ‬أخبار‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬عن‭ ‬قدومَ‭ ‬الوالي‭ ‬أسعد‭ ‬باشا‭ ‬للمدينة،‭ ‬الذي‭ ‬خلف‭ ‬عمه‭ ‬سليمان‭ ‬باشا‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1743‭. ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬وخلافا،‭ ‬لسياسة‭ ‬عمه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوى‭ ‬العسكرية‭ ‬المحلية‭ (‬اليرلية‭) ‬ومن‭ ‬يدعمهم‭ ‬في‭ ‬سلطة‭ ‬الولاية؛‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬أسعد‭ ‬باشا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حكمه‭ ‬الأولي‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مواجهتهم،‭ ‬أو‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬نفوذهم،‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬رغبة‭ ‬لديه‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬دفتردار‭ ‬الشام‭ ‬آنذاك‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الفلاقنسي‭ (‬ت‭ ‬1749‭) ‬الشهير‭ ‬بفتحي‭ ‬الدفتري،‭ ‬كما‭ ‬شاع‭ ‬لقبه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭. ‬فقد‭ ‬حظي‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬بجاه‭ ‬ونفوذ‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة‭ ‬العثمانية،‭ ‬أو‭ ‬لدى‭ ‬آغا‭ ‬اليرلية،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬مقربا‭ ‬من‭ ‬طوائف‭ ‬الحرف‭ ‬والكنيسة‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬مكّنه‭ ‬حقيقة‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬للمدينة‭ ‬مواز‭ ‬لدور‭ ‬الوالي،‭ ‬حتى‭ ‬يقال‭ ‬إنه‭ ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬تزويج‭ ‬ابنته،‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬الزواج‭ ‬لمدة‭ ‬سبع‭ ‬ليالي،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬لمكانته،‭ ‬وتشبُّها‭ ‬بحفلات‭ ‬الزواج‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يقيمها‭ ‬الولاة‭.‬
ورغم‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬عمه‭ ‬سليمان‭ ‬قام‭ ‬الدفتري‭ ‬بتحريك‭ ‬قوات‭ ‬اليرلية‭ ‬لمهاجمه‭ ‬عسكر‭ ‬الوالي‭ ‬والموالين‭ ‬له،‭ ‬كما‭ ‬قام‭ ‬بالحجز‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬سليمان،‭ ‬وارتكب‭ ‬أمورا‭ ‬مهينة‭ ‬بحق‭ ‬نساء‭ ‬الوالي‭ ‬المتوفى‭ ‬كي‭ ‬يُفصِحن‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬أمواله،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أسعد‭ ‬باشا‭ ‬عند‭ ‬قدومه‭ ‬لم‭ ‬يبدِ‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬حيال‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬مع‭ ‬نساء‭ ‬عمه،‭ ‬وتريث‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬والشبكة‭ ‬المحلية،‭ ‬ما‭ ‬رسم‭ ‬صورة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬مخيال‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة،‭ ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬رسمها‭ ‬لنا‭ ‬بدقة‭ ‬حلاق‭ ‬المدينة‭ ‬البديري،‭ ‬بوصفه‭ ‬حاكما‭ ‬ضعيفا،‭ ‬لا‭ ‬حيلة‭ ‬له‭ ‬أمام‭ ‬انتشار‭ ‬الفساد‭ ‬وتسلط‭ ‬الآغاوات‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬عسكر‭ ‬اليرلية،‭ ‬فسموه‭ ‬وفقا‭ ‬للبديري‭ ‬‮«‬سعدية‭ ‬قاضون،‭ ‬لا‭ ‬يحرك‭ ‬سكون،‭ ‬بل‭ ‬نايم‭ ‬مع‭ ‬النايمون،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬طغيانهم‭ ‬يعمهون،‭ ‬وللمال‭ ‬والعرض‭ ‬يستحلون،‭ ‬لكن‭ ‬البلد‭ ‬ساكنه،‭ ‬ومن‭ ‬المظالم‭ ‬آمنه‮»‬‭.‬
ولكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بالفعل‭ ‬صاحب‭ ‬أعظم‭ ‬خان‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬والذي‭ ‬سمي‭ ‬باسمه،‭ ‬بهذه‭ ‬الصفات‭ ‬السلبية؟
في‭ ‬سياق‭ ‬تحليله‭ ‬ليوميات‭ ‬البديري‭ (‬1741ـ‭ ‬1762‭)‬،‭ ‬يؤكد‭ ‬المؤرخ‭ ‬السوري‭ ‬سامر‭ ‬عكاش‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬يوميات‭ ‬شامية،‭ ‬أن‭ ‬أسعد‭ ‬باشا‭ ‬بدا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حكمه‭ ‬غير‭ ‬آبه‭ ‬بسخرية‭ ‬الدمشقيين‭ ‬وغير‭ ‬متحمس‭ ‬لاستعجال‭ ‬التغيير،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لعجزه‭ ‬عن‭ ‬التحرك،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬وإنما‭ ‬لرغبته‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬عام‭ ‬1746‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬موكب‭ ‬الحج،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعني‭ ‬للدمشقيين‭ ‬موسما‭ ‬دينيا،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬موسما‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا،‭ ‬ولحظة‭ ‬سياسية‭ ‬للولاة،‭ ‬إذ‭ ‬يذكر‭ ‬البديري‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬في‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬جاء‭ ‬الحاج‭ ‬الشريف‭ ‬الشامي،‭ ‬ودخل‭ ‬دمشق‭ ‬ثالث‭ ‬صفر،‭ ‬صحبة‭ ‬الوزير‭ ‬المعظم‭ ‬والمولى‭ ‬المفخم‭ ‬أسعد‭ ‬باشا،‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬وإنعام،‭ ‬وأحسن‭ ‬حال‭ ‬كجاري‭ ‬عادته،‭ ‬لا‭ ‬يحرك‭ ‬ساكنا،‭ ‬كما‭ ‬مضى‭ ‬من‭ ‬الأعوام‭ …‬لكن‭ ‬أرسل‭ ‬طلب‭ ‬دالاتية‭ (‬قوى‭ ‬عسكرية‭ ‬موالية‭) ‬وزاد‭ ‬في‭ ‬طلبهم‭ ‬بالكلية‭. ‬فلما‭ ‬رأت‭ ‬انكشارية‭ ‬الشام‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الأمور‭ ‬الصعبة،‭ ‬استحسوا‭ ‬الشر‭ ‬به،‭ ‬فنبهوا‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا،‭ ‬وقد‭ ‬ضاقت‭ ‬عليهم‭ ‬الأرض،‭ ‬وقالوا‭ ‬ست‭ ‬سعدية‭ ‬تريد‭ ‬تغدر‭ ‬بنا،‭ ‬فهذا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يخوفنا‭. ‬ثم‭ ‬زادوا‭ ‬بحمل‭ ‬السلاح،‭ ‬ونهب‭ ‬المال‭ ‬والعرض‭ ‬وسب‭ ‬الدين‭ ‬مباح‮»‬‭.‬
مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬قوى‭ ‬الانكشارية‭ ‬المجابهة‭ ‬ولاذت‭ ‬بالفرار،‭ ‬فعمت‭ ‬المدينة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفرح،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬أسعد‭ ‬باشا،‭ ‬بعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬العالي‭ ‬إلى‭ ‬أخذ‭ ‬قرار‭ ‬بتصفية‭ ‬الدفتردار‭ ‬فتحي‭ ‬الفلاقنسي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬‮«‬فقال‭ ‬له‭: ‬ويلك‭ ‬يا‭ ‬خاين،‭ ‬أما‭ ‬نسيت‭ ‬ما‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬نسا‭ ‬عمي‭.. ‬فوضع‭ ‬في‭ ‬رقبته‭ ‬حبلا‭ ‬وجروه‭ ‬وشحطوه‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬الشام‭ ‬وأزقتها‮»‬‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬وخلافا‭ ‬للصورة‭ ‬التي‭ ‬رُسِمت‭ ‬لاحقا‭ ‬عن‭ ‬الفلاقنسي‭ ‬بوصفه‭ ‬يستحق‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬المأساوية،‭ ‬يرى‭ ‬عكاش‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬يوميات‭ ‬شامية‭ ‬أن‭ ‬الأخير‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بهذا‭ ‬السوء،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬وأفراد‭ ‬عائلته‭ ‬من‭ ‬محبي‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم‭ ‬والأدب،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيوية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدمشقي‭ ‬وفي‭ ‬عمارة‭ ‬المدينة‭ (‬جامع‭ ‬القيمرية‭). ‬وبعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬عرفت‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬حين،‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬وتكرار‭ ‬تغير‭ ‬الولاة‭.‬

الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬المدينة

ولكن‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬أحوال‭ ‬المدينة‭ ‬وخاناتها،‭ ‬وشيوخ‭ ‬مهنها،‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬تغيّرا‭ ‬في‭ ‬الولاة،‭ ‬واقتتالا‭ ‬بين‭ ‬دمشق‭ ‬والقبائل‭ ‬البدوية‭ ‬في‭ ‬حوران،‭ ‬كما‭ ‬عرفت‭ ‬اضطرابات‭ ‬ومواجهات‭ ‬عديدة‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقوى‭ ‬شوكة‭ ‬آل‭ ‬العظم،‭ ‬وتشهد‭ ‬المدينة‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي؟‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإجابة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬المؤرخ‭ ‬الأردني‭ ‬مهند‭ ‬مبيضين‭ ‬‮«‬شيخ‭ ‬الكار‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬حديثا‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬جامعة‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬للنشر‭. ‬واعتمادا‭ ‬على‭ ‬مادة‭ ‬السجل‭ ‬الشرعي،‭ ‬يبين‭ ‬مبيضين‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬عرفت‭ ‬صدور‭ ‬فتاوى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العلماء‭ ‬تدعو‭ ‬الفلاحين‭ ‬لهجرة‭ ‬ضياعهم؛‭ ‬ويمثل‭ ‬موقف‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الغني‭ ‬النابلسي‭ (‬ت1731‭) ‬أهم‭ ‬مثال‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬العلماء‭ ‬ورفضهم‭ ‬لتعديات‭ ‬رجال‭ ‬الإقطاع‭ ‬على‭ ‬الفلاحين،‭ ‬إذ‭ ‬ألف‭ ‬النابلسي‭ ‬رسالة‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬تخيير‭ ‬العباد‭ ‬في‭ ‬سكنى‭ ‬البلاد‮»‬‭ ‬أيد‭ ‬فيها‭ ‬هجرة‭ ‬الفلاحين،‭ ‬ضمانا‭ ‬لسلامتهم،‭ ‬وأكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬خروج‭ ‬أهل‭ ‬القرى‭ ‬وتركهم‭ ‬مساكنهم‭ ‬وأملاكهم‭ ‬أمر‭ ‬يثابون‭ ‬عليه‭.‬
‭ ‬وتبدو‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬سلبية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬الشرعية،‭ ‬خاصة‭ ‬وثائق‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق،‭ ‬إذ‭ ‬تبرز‭ ‬المشكلة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬المحلية،‭ ‬التي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬والتي‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تضخّمت‭ ‬بسبب‭ ‬الربا‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬ينتشر‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬التجاري‭ ‬الدمشقي‭. ‬ومن‭ ‬القرى‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬أزمة‭ ‬الديون‭ ‬وفوائدها،‭ ‬يمكن‭ ‬ذكر‭ ‬جيرود‭ ‬والمزة‭ ‬ومنين‭ ‬والقدم‭ ‬وصحنايا‭ ‬وداريا‭ ‬وكفرسوسة‭.‬
‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬أحوال‭ ‬المدينة‭ ‬ستتحسن‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬آل‭ ‬العظم‭ ‬بفضل‭ ‬عاملين‭ ‬هما‭: ‬ازدهار‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬دمشق‭ ‬وجوارها‭ ‬بحكم‭ ‬استقرار‭ ‬الأمن،‭ ‬وتحديدا‭ ‬مناطق‭ ‬الجنوب،‭ ‬حيث‭ ‬سهل‭ ‬حوران‭ ‬المُنتج‭ ‬زراعيا،‭ ‬والثاني‭ ‬يتعلق‭ ‬باستقرار‭ ‬أمن‭ ‬قافلة‭ ‬الحج،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعني‭ ‬ازدهارا‭ ‬للمدينة‭ ‬وأحوال‭ ‬أهلها،‭ ‬وأيضا‭ ‬استقبال‭ ‬من‭ ‬وفدوا‭ ‬بفعل‭ ‬الغربة‭ ‬بالتجارة‭ ‬أو‭ ‬تلقي‭ ‬العلم‭ ‬ووسط‭ ‬الأحياء‭ ‬وبين‭ ‬الحارات‭ ‬شكّلت‭ ‬الأسواق‭ ‬والشوارع‭ ‬الواصلة‭ ‬بينها،‭ ‬بؤرة‭ ‬للتمركز‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والفعل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬وحجج‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬المدونة‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬الشرعي‭: ‬سوق‭ ‬الذراع‭ ‬الذي‭ ‬تباع‭ ‬فيه‭ ‬الثياب‭ ‬النفيسة‭ ‬والكتان‭ ‬والحرير،‭ ‬وسوق‭ ‬الذهبيين‭ (‬الصاغة‭)‬،‭ ‬وسوق‭ ‬الحرير،‭ ‬وسوق‭ ‬العنبرايين‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬الجامع‭ ‬الأموي،‭ ‬وقد‭ ‬بنيت‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬وفق‭ ‬طراز‭ ‬عمراني‭ ‬يتناسب‭ ‬والمهام‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬كان‭ ‬يشكّل‭ ‬ساحات‭ ‬مكشوفة‭ ‬كسوق‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭ ‬وسوق‭ ‬الغنم‭ ‬والبقر‭ ‬وسوق‭ ‬الجمعة‭ ‬قرب‭ ‬قلعة‭ ‬دمشق‭.‬

بيوت‭ ‬الأكابر‭:‬

وقد‭ ‬أخذ‭ ‬البيت‭ ‬والدار‭ ‬الدمشقية‭ ‬اهتماما‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الحضرية،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬مبيضين،‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬الدمشقيين‭ ‬للبيت‭ ‬والدار،‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬يرى‭ ‬مبيضين‭ ‬أن‭ ‬المصادر‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬العثماني‭ (‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يقصد‭ ‬هنا‭ ‬فترة‭ ‬الدراسة‭ ‬ـ‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭/‬أم‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭) ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬الصورة‭ ‬عن‭ ‬بيوت‭ ‬الناس‭ ‬العاديين،‭ ‬واقتصرت‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬الأكابر‭ ‬والأعيان‭. ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬مخالفة‭ ‬المؤرخ‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬السجلات‭ ‬الشرعية‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تمدّ‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬ممن‭ ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬تاريخ‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬ببعض‭ ‬التفصيلات‭ ‬المهمة‭ ‬حول‭ ‬شكل‭ ‬بيوت‭ ‬العامة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دراسة‭ ‬المؤرخة‭ ‬الفرنسية‭ ‬بريجيت‭ ‬مارينو،‭ ‬التي‭ ‬بينت‭ ‬عبر‭ ‬دراستها‭ ‬لتاريخ‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬بيوت‭ ‬الحي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوفر‭ ‬فيها‭ ‬حجرة‭ ‬لإعداد‭ ‬الطعام،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬العامة‭ ‬كانوا‭ ‬يسكنون‭ ‬في‭ ‬حوش‭ ‬كبير‭ ‬مشترك،‭ ‬وكل‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬الحوش‭ ‬مخصصة‭ ‬لعائلة‭ ‬بأكملها‭.‬
وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬بيوت‭ ‬الأكابر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الدور‭ ‬التي‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭ ‬دار‭ ‬الأسطواني،‭ ‬وكانت‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬زقاق‭ ‬الحمزاوي‭ ‬إلى‭ ‬ناحية‭ ‬الشمال‭ ‬من‭ ‬قصر‭ ‬العظم‭. ‬وهناك‭ ‬دار‭ ‬إسماعيل‭ ‬العظم‭ ‬التي‭ ‬أنشأها‭ ‬غربي‭ ‬المدرسة‭ ‬الجوزية،‭ ‬ومن‭ ‬الدور‭ ‬الشهيرة‭ ‬أيضا‭ ‬دار‭ ‬أحمد‭ ‬أفندي‭ ‬العكري،‭ ‬وهو‭ ‬قاضي‭ ‬مكة‭ ‬المشرفة،‭ ‬ويقع‭ ‬غربي‭ ‬البيمارستان‭ ‬النوري‭. ‬كما‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬بيت‭ ‬السباعي،‭ ‬الواقع‭ ‬جنوب‭ ‬الشارع‭ ‬المستقيم‭ ‬وغربي‭ ‬شارع‭ ‬الباب‭ ‬الصغير‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التصميم‭ ‬المعماري‭ ‬لبيوت‭ ‬وجهاء‭ ‬المسلمين‭ ‬المؤلفة‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬باحات،‭ ‬واحدة‭ ‬للضيوف،‭ ‬وقسم‭ ‬للعائلة‭ ‬وقسم‭ ‬للطبخ،‭ ‬بعكس‭ ‬بيوت‭ ‬العامة،‭ ‬كما‭ ‬أشرنا‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭ (‬وفق‭ ‬بريجيت‭ ‬مارينو‭) ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬حجرة‭ ‬خاصة‭ ‬للطبخ‭.‬
ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُحسب‭ ‬لمهند‭ ‬مبيضين‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬هو‭ ‬اهتمامه‭ ‬بتاريخ‭ ‬دمشق‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القرن،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬لم‭ ‬تحـــظَ‭ ‬باهتــــمام‭ ‬كبير‭ ‬لدى‭ ‬مؤرخي‭ ‬المنطقة‭ ‬المهتمين‭ ‬بدمشق‭ ‬تحديدا،‭ ‬الذين‭ ‬أبدوا‭ ‬اهتماما‭ ‬أكبر‭ ‬بالقرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬أو‭ ‬القـــرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بقيت‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالقرنين‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬والثامن‭ ‬عشر،‭ ‬التي‭ ‬لاقت‭ ‬اهتمـــاما‭ ‬لدى‭ ‬باحثين‭ ‬غربيين‭ ‬عكفوا‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬ليندا‭ ‬تشيلشر‭ ‬وبريجيت‭ ‬مارينو‭ ‬وعبد‭ ‬الكريم‭ ‬رافق‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬للإسهامات‭ ‬الرائدة‭ ‬مؤخرا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬المؤرخ‭ ‬السوري‭ ‬سامر‭ ‬عكاش‭ ‬والمؤرخة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬دانا‭ ‬السجدي‭ ‬صاحبة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬حلاق‭ ‬دمشق‮»‬،‭ ‬اللذين‭ ‬قدما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراساتيهما‭ ‬رؤية‭ ‬مختلفة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬مرويات‭ ‬وأخبار‭ ‬المصادر‭ ‬المحلية‭ ‬للمدينة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية