كلمة خصوصية تستخدم للتضليل ولا علاقة لها بالديمقراطية.. الاخيرة هي الإدارة السلمية للخصوصياتنتلقي معونات صريحة وواضحة لا تخالف القانون وقد برأتنا اكبر محكمة في البلد وهذا تفنيد لما قاله المغرضون
حاوره: علي ديوب ہ كان اللقاء مع الدكتور سعد الدين ابراهيم طريفا بقد ما كان غنيا.. وجه الطرافة تمثل في أننا كنا شخصين حذرين (ربما كنت البادئ بالحذر)، ولعل هذا ما زاد اللقاء، غنيً. اذ مثّل الحذر مصدر تحريض ـ يحتاجه أي حوار ـ أنقذنا من المحاباة، والشد علي اليد، والتوقيع علي بياض… وما اليه مما تقود اليه عادة الثقة المسبقة، أو التعاطف المطلق من قبل المحــاور لضيفه، أو لأفكاره ومواقفه.
ما كان لصحافي مثلي: سوري، ومن الجيل الذي أجريت عليه اختبارات التعقيد (من عقيدة وعقدة أيضا) علي مدار عقود.. حتي بات اليوم لم يعد مستفيدا، ولا قادرا علي الاستفادة من الانفراجات التي تبشر بها الحرية، أو التي راحت تبزغ في عقول بعض الأجيال، أو البعض من بعض الأجيال الفتية.. وهي بشائر تعكس في نفوس أبناء جيلي ـ أو في نفسي علي الأقل ـ موقفا مرتبكا من الحرية، هو مزيج من الترحيب والخجل؛ اذ لم يعد لدي ما أقدمه لهذه العشيقة ـ للأسف ـ حتي لو قيض لنا أن نعيش من غير تدخل خارجي!
لكن حذري لم يكن ليدفن ذلك الاحترام الذي أكنه لهذا الرجل، الذي ظل منذ بدايات تعرفي اليه ـ عبر قراءات قومية تخوينية، أو دينية تكفيرية، أو يسارية قدحية وتبخيسية ـ يثير فيّ مشاعر متناقضة، أو مضطربة، ويزيد لدي شهية التعرف اليه عن قرب. وزاد في شغفي للقائه ذلك الثمن الذي كان يدفعه، بسهولة، المرة تلو المرة، من حريته وعمره وراحته وراحة أفراد أسرته.. مما دفع زوجته لأن تداعبه، خلال الاحتفال بآخر افراج عنه (ربيع 2003 ـ بعد سجن ثلاث سنوات، خرج منه بريئاً بحكم قضائي!)، قائلة له وقفت معك ثلاث مرات؛ في المرّة الرابعة عليك أن تبحث عن زوجة أخري.
ولأنه وجهت اليه في آخر مرة تهمة تلقي أموال من جهة أجنبية، عقب وقوفه الجريء في مراقبة الانتخابات، فهو اليوم يحتاج الي ابتكار تهمة أشد، جزاء تطاوله علي التابو العربي، بما يعنيه ذلك من طرح تغيير الدستور، فيما يخص منصب رئيس الجمهورية، باقامته علي الانتخاب الحر بين جملة متنافسين، بدلا من تركه استفتاء علي مرشح واحد وحيد هو الرئيس نفسه.
هذا اللقاء تم قبل اثارة قضية منصب الرئيس: ما هي رسالة مركز ابن خلدون؟ هذا مركز للدراسات وللدعوي؛ للدراسات في العلوم الاجتماعية والتثقيفية، وللدعوي الي ما ينتهي اليه عمل المركز من بحوث واجتهادات وتحليلات.
القضايا التي نهتم بها هي قضايا المجتمع المدني، والتحاور الديمقراطي، والاصلاح الديني ضمن الأقليات، أو الملل، أو النحل والأعراق، في العالم العربي. وكذلك قضية التنمية؛ هذه القضايا نقوم بها عبر الدراسات أولا، حتي تتكون لدينا قاعدة معلومات، أو قاعدة معرفية، ثم بعد تراكم القاعدتين ـ في الموضوع الذي نتصدي له ـ نبدأ بالترويج لما توصلنا اليه من نتائج وما انتهينا اليه من استخلاصات.. وثم بعد ذلك نحاول أن نصل الي الجماعات ذات التأثير في المجتمع، سواء كان في داخل السلطة أو خارجها.
أنشئ المركز عام 1988. وهو يعتمد علي التبرعات التي تقدمها الأسرة ثم علي المنح والعقود الشهرية من هيئات دولية أو وطنية أو عربية.
تصدر عن المركز مجلة شهرية تحمل اسم المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي. وتنشر بالعربية والانكليزية. كذلك يصدر المركز كتبا سنوية، عن حالة الديمقراطية في الوطن العربي، وعن أحوال الأقليات في عموم العالم العربي. كما تصدر كتبا حول البرامج البحثية، ومصادر البحث التي نقوم بتنفيذها.
من نشاطات المركز اجتماع، أو لقاء أسبوعي مفتوح يحمل اسم رواق ابن خلدون، وفيه يقدم متحدث رئيسي موضوعا ما ـ له أهمية راهنة ـ ليتم التداول فيه بحرية مطلقة، بحوار مفتوح، علي نمط الطاولة المستديرة، لمدة 3 ـ 4 ساعات.. ثم يفتح النقاش في شتي الشؤون التي يود الحضور التطرق اليها.
لماذا الصدام مع السلطة؟ هذا العرض الذي تفضلتم، د. سعد، يقفز علي الصورة الشائعة عن المركز، وأقصد صورة المعارضة. فمصر التي تحفل بالمراكز المشابهة، يتفرد فيها اسم مركز ابن خلدون بأخبار الصدام مع السلطة؟ نعم، النقطة التي يبرز فيها اختلاف مركز ابن خلدون عن سواه، تتحدد بالجانب الدعوي للمركز. فعند هذا المفترق يبدأ الاصطدام أحيانا مع أصحاب المصالح الذين يستاؤون من نشر معرفة أو وجهة نظر جديدة. يستاؤون أيضا من تغيير أو محاولة أو الدعوة لتغيير الأوضاع ـ فهناك بلا شك من يستفيد من استمرار الحال القائمة ـ ونحن أو مركزنا يدعو دوما للتغيير. وفي هذه الحالة يتعرض للهجوم وللتشكيك، ولأشياء كثيرة يبدو أنها تصل الي أسماعكم، وأنك علي اطلاع عليها. ولكن ألا يتجاوز مركزكم حدود ومهام عمل المراكز البحثية، حين يدخل في المنطقة الدعوية ـ وهي منطقة عمل الأحزاب؟ لا. لا. أنت قدمت صورة أو تعريفا واحدا من تعريفات مراكز الأبحاث؛ ولكن هناك تعريفات أخري للمراكز البحثية ولفكرة البحث العلمي.. وهناك اجتهادات.. في ستينيات القرن الماضي كان يقال أن البحث العلمي الذي لا يؤسس للتغيير، أو الذي لا يهدف اليه (يضحك بهدوء)، يخون مسؤولية العالم والمفكر.
هذا منحي، ونحن أخذنا به؛ لماذا أسميناه مركز ابن خلدون؟ ذلك لأن ابن خلدون كان مؤسس العلوم الاجتماعية العربية. ولأنه أيضا كان داعية، وكان سياسيا، وكان رجل دولة. وقد قام بكل هذه الأنشطة معا، ولم يقتصر عمله علي الفكر أو البحث. ونحن نتأسي بمسيرته ونحذو حذوه. تشهد مراكز دراسات الشرق الأوسط ـ في أمريكا ـ ضغوطاً شديدة، بتهمة التشهير بالسياسة الخارجية الأمريكية. وعليه فقد أصدر الكونغرس قانونا يطالب هذه المراكز بدعم السياسة الخارجية الأمريكية، تحت طائلة حرمانها من الدعم المالي؛ ما رأيك؟ لا، مثل هذا القانون، الذي تم التحدث عنه، لم يصدر بعد. نحن سمعنا عن هذا القانون، كما سمعت أنت، ولا نعتقد أنه سيصدر. واذا صدر فسيتم التصدي له ومواجهته بالمحاكم، ومنها المحكمة الدستورية العلـــــيا؛ لأن الأمريكيــــين هم أحرص الناس علي الحريات الأكاديمية. ولا يريدون للسلطة أو للقانون التدخل في العملية الأكاديمية؛ أنا أقول هذا بــــناء علي معرفتي بأمريكا. فقد درست هناك، ودرّست، وسأعود للتدريس.
في أمريكا مشاكل كثيرة ـ بلا شك ـ يتعرض لها المجتمع الأمريكي بشكل واضح منذ حوادث ايلول (سبتمبر) 2001، ولكن ولأن المجتمع هناك ديمقراطي فان الجدل فيه مستمر. وأما نحن، ولأننا لا ندرك ما يعنيه هذا، فترانا كلما سمعنا عن جدل هناك اعتقدنا أنه انقلاب قانوني، أو أن قانونا صدر وأنه نفّذ.. الخ.
منهج العنعنات ولكن ما معني أن يوافق الكونغرس عليه؟ وما علاقة هذا بالقانون؟ هذا لا يعني أنه أصبح قانونا. اما الاشاعة التي تقدمها لي، علي أنها قانون، فليست سوي قيل عن قيل.. وأنا ضد هذا المنهج الذي أسميه منهج العنعنات.. أعرني انتباهك ـ يا علي ـ حتي يتم هذا الحوار بيننا بشكل عقلاني وعقلي: اذا صدر القانون ـ وأنا لا أعتقد أنه صدر ـ فيجب أن يحمل رقماً وتاريخاً. ولان شيئا من هذا لم تحمله هذه العنعنات، فهذا دليل علي عدم صدوره كقانون. وانما هو مجرد مسألة موضوعة في التداول، مثل غيرها من المسائل والأمور التي يتم الجدل العادي فيها.
وفي كل الأحوال ففي حال صدر هذا القانون أو سواه في أمريكا فهذا شأنهم، ومشكلتهم هم وأكاديمييهم! تأسيساً علي أهمية التمويل، ونظرا لما تمثله أمريكا في مجال دعم مراكز الأبحاث، فاني أجد المبرر قويا للوقوف عند مثل هذا الخبر.. وما دامت الاتهامات تكال لكم بالتمويل الأجنبي؛ فأنت أمام سؤال يشكك في المصادر التي قصرت اشارتك عليها ـ كالأسرة؟ قلت لا يتوقف التمويل علي الأسرة فقط. هناك عقود شهرية، ومنح، و.. الخ. ولكن مهلا: هل التمويل تهمة؟ هي ليست تهمة. أنا أتلقي معونات صريحة، والمنشورات عندنا دائما ترصد كل مصادر تمويل مركز ابن خلدون.
التهمة تصح فقط فيما يخالف القانون. ونحن لا نخالف القانون، لا في مصر، ولا في أي مكان آخر. واذن ماذا بشأن استعداء الحكومة ضدكم، في مسألة التمويل الخارجي ـ كما يروج في الشارع المصري؟ هذا تهويل، تروجه جريدة واحدة فقط في مصر، وليس الشارع المصري، كما تنقل أنت قولها ـ ويبدو أنك تصدقها ـ وهي جريدة رخيصة، تعمل لحساب المباحث والأجهزة الأمنية؛ وبالتالي لا بد من أن يؤخذ كلامها بألف تحفظ وتحفظ. ثم ان صاحبها رجل مدان ومشبوه، وعلاقاته بالأنظمة الديكتاتورية السلطوية معروفة.
في كل الأحوال هو يقول ما يقول. وهو يقول كل ما سمعته منذ عشر سنوات. وقد دخلنا المحاكم والسجون.. وبرأتنا أكبر محكمة في البلد. ولم يعد لدي وقت لتفنيد ما يقوله، هذا المأفون.
المجتمع هذا الحضيض العربي أنتقل الان الي بناء المجتمع: هذا الحضيض العربي الذي يشهد هيمنة العنف والتشدد.. يري كثير من المفكرين، وبخاصة منهم القوميين، واليساريين، أن اعتماد الديمقراطية في اصلاحه ستطلق يد المتشددين أنفسهم، وبقوة القانون هذه المرة.. ما رأيك؟ أنا أري ببساطة أن الذين يخافون من الديمقراطية هم أعداؤها. والذين يعتقدون أن الديمقراطية ستهدد مصالحهم وسلطتهم ومكانتهم؛ هؤلاء لا علاج لهم الا بالحوار وبالتجربة.
الذي أفهمه أن الذين تتهدد مصالحهم فعلا من الديمقراطية هم الحكام المستبدون، والمستفيدون منهم. فالحاكم المستبد، الأوحد، هو ومجموعته التي تحكم، والذين لا يريدون شريكا لهم في السلطة، ولا يقبلون بتداول السلطة؛ لهؤلاء نقول: التاريخ يسير عكس ما تريدون. وبالتالي عليكم أن تبدأوا حوارا مع بقية المجتمع، وأن تجدوا صيغة تحافظون فيها علي الحد المشروع لما تريدون الاحتفاظ به. وتتنازلوا عن كل ما هو غير مشروع، واحتكرتموه طوال العقود الماضية؛ هذه كلمة سواء بيننا (كلمة السلم)، للحفاظ علي رقابهم. وحتي لا يحدث لهم ما حدث لصدام حسين، أو لشاوشيسكو من قبله.. وغيرهم من المستبدين في التاريخ. وماذا بشأن التحذير بأن الديمقراطية ستأتي بمن هم أسوأ من الأنظمة؟ والمقصود طبعا القوي الدينية المتشددة، التي باتت هي المهيمنة علي الثقافة العربية. هذه الحجة باتت قديمة، أنا أعرفها؛ وأقول: أيا يكن.. وليكونوا من يكونون أولئك الذين ستأتي بهم الديمقراطية.. فلدينا باستمرار الفرصة لازاحتهم. ثم مسألة التحذير والتحذير.. هي مسألة مغلوطة. والمثال الدائم لدي أصحابها هو ما حدث في الجزائر؛ ولكن مثالهم مغلوط، فالذي حدث في الجزائر لم يصل حد استلام الاسلاميين السلطة ثم الاستبداد بها عن سواهم.
ما هي مشكلة سورية؟ ولكنهم أعلنوا صراحة أنهم لا ولن يعترفوا بالديمقراطية، وان أوصلتهم الي السلطة. أخي علي ـ أيها الأخ الكريم الآتي الينا من سورية: المخاوف أعرفها كلها.. انما أنا أتحدث، كعالم اجتماع، علي واقع؛ الواقع في العالم العربي كله يقول أن الديمقراطية اشكالية، وليست مثالية (الديمقراطية هي أصلا اشكالية). ولكنها رغم ذلك، أفضل ألف مرة من الديكتاتورية. هذا يعني أن فيها مشاكل كثيرة، ولكنها تبقي مع ذلك أفضل من أي نظام حكم آخر عرفه البشر.
انما المخاوف هذه.. يقال لك: الأمية، التطرف، الفقر.. كل هذا سمعناه.. ولكن لدينا الهند أفقر منا، وفيها أمية أكثر مما عندنا. وأفريقيا جنوب الصحرا (السنغال، وغيرها)، كل هذه البلدان سارت أبعد مما سرنا نحن العرب في مضمار الديمقراطية.
وأين المشكلة؟ سورية كانت فيها ديمقراطية معقولة ـ أفضل من غيرها ـ في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.. ومصر بالمثل.. ولكن الذي حدث أن الجيش العسكر انقضّوا عليها بالانقلابات، وأجهضوها. السؤال الذي يجدد نفسه: اذن، كيف نحمي الديمقراطية؟ ما هي الأدوات التي تصونها من أن توطأ وتجهض؟ نصون الديمقراطية بحكم القانون؛ وبأن نكون جزءا من شبكة الديمقراطيات في العالم. فالعالم أصبح مترابطا، والديمقراطيات مترابطة مع بعضها في العالم. اسمح لي: هل تقصد نوعا من الحكومة العالمية الديمقراطية؟ أيا يكن؛ لسنا بحاجة لأن نفلسف المسألة الآن.. ولكنه مصيرنا؛ هل أنت مع صياغة دستور وطني يسمح بتدخل دولي في الشؤون المحلية (الوطنية) لبلدك ـ في ظروف معينة؟ أنا لا أريد أن أقول بهذا.. لأنه من جملة كلام التخويف، الذي يقول به كل أعداء الديمقراطية. فمنطقهم يعجّزك؛ يقول لك: طيب، ماذا نعمل اذا حصل كذا؟ وماذا اذا؟ و.. الخ. وأنا أقول ليس هناك الا القانون يصلح لحماية البشر، والفصل في شؤونهم. أولم تدخل السجن في ظل قانون يفترض أن يكون شملك بحمايته، كما ينص، في أن تحاكم وأنت طليق!
؟ صحيح، ولكن نحن ضد هذا. ثم هناك ثمن لا بد أن يدفعه الانسان، اذا وقف موقفا ما.
ورغم أن كل الناس تخاف. وأنا أخاف؛ أنا أفهمك: مانديلا، في مذكراته، يقول أنه هو أيضا كان يخاف.. ولكن المهم هو أن تواجه هذا الخوف. انما القضية قضية مبدأ، ممارسة، وحتي قضية مناخ عالمي؛ والمناخ العالمي الآن يشير الي أن التاريخ يسير بهذا الاتجاه: منذ عام 1974 وحتي الآن تحولت مئة دولة الي الديمقراطية.. نكون حذرين، نعم؛ ولكن يجب ألا ندع الخوف يجعلنا نتأخر، ونمشي خارج التاريخ. القمع والمنع السلطات العربية الحاكمة، بل وحتي المجتمعية، توحدها شمولية القمع والمنع. بينما يجهد المجتمع المدني لتأسيس حرية الثقافة والسياسة والمعرفة.. الخ: هل تخشي علي هذا الوليد أن يقضي عليه في المهد؟ أنا أعرف ذلك، وأعيه. وأنا جزء من التحدي الذي تشير اليه.. ونحن نحاول ـ مع ذلك ـ وحتي لو استطعنا التقدم خمسة سنتيمترات فقط لكان علينا أن نخوض التحدي، بل ولكانت المحاولة تستحق المضي فيها. فهذا واجب نتحمله، تمليه حقوق أبنائنا وأحفادنا علينا. ولن يكون العرب، دون بقية البشر، جنسا متخلفا، وثقافة متخلفة، لكي يظل هكذا يرزح تحت نير الاستبداد.
هذا يلزمني، كعربي، كمسلم، وكمصري، أن أحاول ازالة وتغيير الوضع السيء القائم، والذي يجعلنا سبّة في التاريخ المعاصر! وماذا بشأن الخصوصية، حين تشهر سلاحا في وجه أي تغيير؟ خصوصية ايه؟ وكلام فارغ ايه؟! اخواننا السودانيون يطلقون علي الكلام الفارغ تسمية مهذبة، فيقولون كلام ساكت.
كل بلد له خصوصية: الهند، ماليزيا، الفليبين، المكسيك، أمريكا، ألمانيا.. وكل هذه الدول ديمقراطية. فكلمة خصوصية هذه تستخدم كذريعة وتضليل فحسب. ليس للديمقراطية خصوصية؛ الديمقراطية هي الادارة السلمية للخصوصيات. فالبلد الذي يشتمل علي التعدد العرقي، أو المذهبي، أو الطائفي، أو الطبقي.. كيف تدير تنوعه هذا؛ ان لم يكن بالطريقة السلمية؟ هذا هو المجتمع المدني. وتلك هي الديمقراطية التي تجنبك أن تتحول الاختلافات الي خلافات، والخلافات الي صراعات، والصراعات الي اشتباكات مسلحة. ما بين العلمانية والديمقراطية ثمة فارق أراه في اتاحة الثانية وصول حزب ديني الي السلطة، وذلك علي النقيض من الأولي (العلمانية) التي لا تسمح، أو لا تعترف بتوسل السياسة أو السلطة السياسية عبر الدين. لا. اسمح لي: العلمانية، التي تتحدث عنها أنت، وتعادي الدين، هي نوع من العلمانيات. وهي العلمانية الفرنسية. ولكن تختلف عنها العلمانية الأنكلوسكسونية التي لا تعادي الدين، بدليل أن رئيس الكنائس في انكلترا هو ملك. والكنيسة لها اعتبار في النظام الأنكلوسكسوني الانجيلي.. وبالتالي ليست كل العلمانيات واحدة، فيما يخص النظرة الي الدين والموقف منه.
وعلمانيتنا نحن، التي كانت موجودة في مصر وفي سورية، في الفترة الليبرالية، لم تكن تعادي الدين. ولهذا كان فارس الخوري ـ وهو مسيحي ـ أول رئيس وزارة سوري. ونحن أيضا كان لدينا في تاريخنا الليبرالي رئيس وزراء قبطي، ولثلاث مرات. لكن هذا لم يتكرر في عصر (البهوات) الذين حكموا بعد 1952. اسمح لي أن أذكّر بالاتهام الذي وجهه البعض الي الحكومة العراقية لاقترافها تعيين رئيس حكومة كردي؛ معتبرين ذلك أول خطوة علنية في طريق تغيير الهوية العربية للعراق. ولكن ما رأي هؤلاء بالتاريخ العراقي ذاته؛ في العصر الملكي الليبرالي العراقي كان هناك رئيس وزراء كردي، ورئيس مجلس نواب كردي، وشيعي، وسني، وتركماني.. ولم يكن أحد يثير مثل هذه النعرات. ذلك لأنهم ببساطة كانوا جميعا عراقيين. وكانوا يتعايشون علي قاعدة أن الوطن لكل مواطنيه. كأنك تؤيد القول بأن التخلف يجلب معه التنابذ والاتهامات المتبادلة للتنصل من المسؤولية عن الخسارات.. بينما التقدم يعني بالتمتع وقطف الثمار، وتقديم الثمن الضروري لتحسين الواقع؟ نعم، الخسارات تجلب الخلافات والخيبات والشكوك والانشقاقات.. لهذا أقول لك ان الديمقراطية هي الادارة السلمية المتحضرة للتنوع: كل حسب اجتهاداته وانجازاته وقدراته.. وحسب من يمثلهم.. الخ. فهل تؤيد برهان غليون بالقول كما يُوَلَّ عليكم تكونوا، أم ان الحديث الذي بني عليه هذا التعارض لا يزال صحيحا؟ والله، مع احترامي لكل قول وقائله، أنا أري أن لدينا دوما بدائل أفضل للواقع الذي نعيشه؛ فلنحاول بهذه البدائل، ولا نذعن لأقوال مأثورة ولا لغيره. ولكن علي من نعوّل في تحقيق ما نصبو اليه؟ أنا أؤمن بالقاعدة/ الناس. لأن المتحكم ـ وما دام متحكما ـ فانه لا يراني. وأما القاعدة البشرية الواسعة، فمهمتنا ودورنا التحدث باسمها، بأن نفعلها حتي تطالب بحقوقها ـ وهذا ما نفعله نحن في مركز ابن خلدون. ولكنك أنت من عول علي عمرو، في التغيير العربي ـ علي غرار العراق ـ في مقالتك اذا لم يكن بيدي فليكن بيد عمرو؛ هل كنت تشعر باستحالة التغيير ـ هناك فقط، ولزمن غير معلوم ـ لو لم يتدخل عمرو؟ نعم، صحيح؛ ولكن الأهم من الخوض في الاحتمالات هـــــو القـــــراءة الجيدة للأحداث، ولما تؤول اليه من نتائج.. ولهذا أقـــول دوما أنه لا بد من التفكير بالدرس العراقي. وأكرر القول، للحكام: دعونا نغير بيدنا قبل أن يفرض علينا التغيير.
واذا أنت قرأت مقالتي تلك (اذا لم يكن بيدي فليكن بيد عمرو)، قراءة جيدة، فستعرف حجم وجاهة تنبيهي.. هناك دول استطاعت أن تغير، دون أن يتدخل عمرو، دون أن تسفك دماء.. وضربت أمثلة عديدة علي ذلك.. وهذا امتحان للحكام: هل يحملون بقية حب لأوطانهم وشعوبهم!!! ؟7