سعد الله ونوس في ضيافة مسرح لاكوميدي فرانسيز

لورانس دهوندت / ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
1

يقترب هذا النص الذي تقدم ترجمته العربية، من حدث ثقافي لافت شهدته العاصمة الفرنسية باريس قبل سنوات خلت. ويتمثل في استضافة مسرح «لاكوميدي فرانسيز» الشهير لمسرحية «طقوس الإشارات والتحولات» للمبدع المسرحي السوري سعد الله ونوس، الذي حلت في الخامس عشر من شهر مايو/أيار الماضي، الذكرى الثامنة والعشرون لرحيله. يتعلق الأمر بقراءة نقدية عميقة للعرض المسرحي المثير، الذي اضطلع بإخراجه سليمان البسام، وبأدواره الأساسية، ثيري هلنسيس وسيلفي بيرجر ودينيس بوليداليس وباكاري سانكاري.. لم تكن هذه الاستعادة المسرحية بعيدة عن تأثير الأحداث الساخنة التي شهدتها سوريا، بعد ما أصبح يعرف بالربيع العربي، وما أعقبه من سقوط نظام الأسد، والعنف الأعمى والفوضى التي ما تفتا تنوء تحت وطأتها إلى حدود اللحظة الراهنة.

النص:

باستضافتها لمدة شهرين لمسرحية «طقوس الإشارات والتحولات» للكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس فإن مسرح «لاكوميدي فرانسيز» قدم منبرا رفيع المستوى للمسرح المكتوب باللغة العربية. يشكل الاحتفاء بنص من العالم العربي في قدس أقداس المسرح الفرنسي، حدثا في حد ذاته. تعتبر النصوص المسرحية العربية القليلة العدد أعجز ما تكون عن فرض حضورها في هذا الفن، الذي لا ينتمي إلى ثقافتهم التقليدية. بيد أنه يمكننا اعتبار اختيار نص مسرحي لكاتب سوري، حدثا سياسيا، خصوصا إذا اخذنا بعين الاعتبار أن سعد الله ونوس أفصح عن حضوره دائما بوصفه روحا مستقلة وعلمانية بشكل لا لبس فيه وهذا موقف نقدي حيال سلطات الماضي والحاضر.

مسرح التسييس
يبدو التقدير الذي تحظى به أعمال سعد الله ونوس موصولا بقيمة ابداعه. خلّف الكاتب الذي توفي عام 1997 تراثا لا نظير له، كان عالم المسرح منذ أمد طويل قد اعترف بقيمته، سواء على الصعيد الدولي من قبيل اليونيسكو، أو مؤسسة جائزة نوبل للآداب.
ولد سعد الله ونوس عام 1941 في قرية حصين البحر قرب مدينة طرطوس، ينتمي إلى جيل الكتاب الذين كيفت وعيهم التجربة القومية، وكانوا نهبا للعسف والشطط السلطوي، الذي قذف بالبلدان العربية في تاريخ من الصراع غير المتكافئ، بين الفرد والسلطة. هكذا وبعد سنوات من العمل الصحافي في جريدة تابعة لحزب البعث الحاكم، سافر الكاتب إلى فرنسا كي يحتك بفنانين ملتزمين ومنخرطين في نقد السلطة، في مختلف تمثيلاتها. وفي هذا السياق إذن اقترب ونوس من الكاتب المسرحي الألماني برتولد بريشت، والدور النقدي الذي ارتأى ان بسنده الى المسرح. سعى الكاتب بهذا الصنيع إلى أن يمنح الجمهور العربي فرصة التفكير في مظاهر الظلم والجور، اللذين ينوء تحت ثقلهما علاوة على ميكانيزمات القمع الاجتماعي والديني التي تشل حركته.
بيد أن عمله سيكون باطراد عرضة لتأثير الأحداث التي عصفت بالمنطقة. مثلت هزيمة 1967 التي كانت بمثابة صدمة حافزا له كي يؤسس عام 1969 مهرجان دمشق للفنون المسرحية. وهو الموعد الذي أتاح له ان يقدم تصورا للدور الإيجابي، الذي كان راغبا في أن يسنده للمسرح، في سياق استشراف تغيير اجتماعي وسياسي. وقد اختار لهذا الدور اسم «مسرح التسييس». سوف يسهم خلال عقد السبعينيات من القرن الفارط في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، وإصدار مجلة «الحياة المسرحية». لم تحل هذه الأنشطة المتعددة بينه وبين كتابة بعض أهم أعماله ونذكر من بينها: «الملك هو الملك» عام 1977 التي تنتقد بشكل سافر التقديس الحقير الذي تثيره السلطة داخل البلدان العربية، حتى وهي محكومة من لدن متسول. وعلى الرغم من إرادة التفاول التي كان يتسم بها فقد غرق ونوس في صمت محبط إبان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وسوف يكون لزاما عليه الانتظار لعقد من الزمان قبل أن يستعيد لغته المسرحية وثقته في جدواها.

الاستعادة السياسية

بعد انصرام سنوات على رحيله يستدعي الراهن العربي كلماته إلى الواجهة. وإذا كان بعض السوريين الآن يسعون الى استعادته، وإلى أن يجعلوا منه حامل مشعل تمرد ما تفتأ وجوهه تتغير وتتحول، فإن بعضا آخر يذكرون انتماءه آلى الطائفة العلوية، التي تنتمي إليها أسرة الأسد، ما يجعل أعماله المسرحية دفاعا عن النظام الحاكم في غياب بديل أفضل في الأفق. بيد ان سعد الله لم يكن ينتمي لا إلى هذا الجانب ولا إلى ذاك. والجانب الوحيد الذي كان من الممكن أن يفصح عن انتمائه إليه هو الفرد الذي ينتفض ويرغب في قول لا في وجه الطغيان والاستبداد، لكنه وقبل اعتناقه لقضية صراع الفرد ضد السلطات الحاكمة كان قد سعى دون هوادة إلى تفكيك وفضح ميكانيزمات النفاق الاجتماعي التي تسحق حرية التفكير باسم لياقة مغشوشة وزائفة، تخدم تخصيصا أهداف الماسكين بزمام السلطة. كان نقده منصبا في المقام الأول على السلطة الدينية، التي لا ترقى إليها الشبهات، والتي لا تفعل رغم ذلك إلا تكريس هيمنتها بتواطؤ مع السلطة السياسية. وفي مسرحيته :طقوس الإشارات والتحولات» التي صدرت عام 1994 والتي اختار الكاتب تأطير أحداثها في عام 1860 كي يحتال على رقابة النظام، تتجسد السلطة الدينية في شخص المفتي. وعلى غرار كل أبطال المسرحية سوف يشهد المفتي تحولا سيؤدي به إلى تحطيم متاريس الأصولية والوثوقية، والمرور من العقلانية الطموحة إلى الرغبة في ارتباط مقدس وحر. والشأن نفسه بالنسبة لزوجة رئيس القضاة، التي تقرر إشباع رغبتها في التحرر بتحولها إلى محظية فخورة ومتحررة. تعتبر مسرحية «طقوس الإشارات والتحولات» نشيدا يحتفي بصورة الفرد ضد النظام المستبد مع هاجس لم يسبق له أن تحقق في الواقع ويتمثل في ان تحمل النساء مشعل هذه الثورة.

الحرب قدري
لا تتيح هذه المسرحية التي تعتبر رجع صدى بطريقة لا تقبل الجدل للوضع الراهن في سوريا الانغلاق داخل قراءة كاريكاتيرية وجزئية للأحداث الراهنة. وهي تحتفظ بمسافة واضحة من الأحداث الراهنة بركونها صوب ديكورات ثقيلة في بعض الأحيان ومصفاة في احايين أخرى وباستعمالها المفرط لبعض الملابس والعمامات والعمق اللا زمني للحوارات. وهي مسافة تشمل حقل الأداء المسرحي بطريقة، تجلي الدور الذي كان ونوس يرغب في أن يضطلع به المسرح. كانت بعض المقاطع من هذه المسرحية ترج القاعة رجا. حين قالت الماسة الشخصية الرئيسية في «طقوس الإشارات والتحولات» وهي زوجة رئيس القضاة التي تحولت إلى خاطئة: إذا كان ثمة حرب فستكون جزءا من قدري، فإن كل فرد من الجمهور الحاضر لم يكن في مقدوره أن لا يفكر في العنف الأعمى الذي ما يفتأ يعصف بسوريا وأن يتأمل في ضرورته.

لورانس دهوندت كاتبة وصحافية بلجيكية متخصصة في شؤون العالم العربي والإسلامي.

مترجم مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية