القاهرة ـ «القدس العربي»: من المظاهر اللافتة هذا العام ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ (56) هو قيام العديد من دور النشر بعقد ندوات في مقارها ـ بخلاف ندوات التوقيع ـ لمناقشة إصداراتها الجديدة، كما في ندوات دار (صفصافة) ودار (المرايا)، والأخيرة لديها أسباب أخرى في إقامة ندوات ومعرض لمطبوعاتها موازية لمعرض الكتاب، على رأسها قرار عدم اشتراكها في معرض هذا العام كشكل من أشكال العقوبة، دون إبداء أسباب.
وضمن هذه الندوات جاءت مناقشة كتاب بعنوان «سعد زغلول في مرآة جرامشي» للباحث والأكاديمي المصري شريف إمام الأستاذ المساعد في كلية الآداب جامعة عين شمس ــ وهو رؤية تحليلية ونقدية لثورة 1919، من خلال مفاهيم ومصطلحات المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي (1891 ــ 1937). ربما تكون المسافة بعيدة بين تطبيق أفكار جرامشي على الثورة المصرية، إلا أن الباحث ومن خلال منهج حذِر، يحاول الكشف عن بدايات ومآلات ثورة 1919، التي ـ حسب رأيه ـ لم تكن كما تم تصديرها أو توارثها تاريخياً. وقد ناقش شريف إمام رأيه هذا وفنده في عدة نقاط، نذكر بعضها كما جاء في الندوة، التي أدارها الأكاديمي أحمد الملا..
التأسيس النظري
بداية أوضح أحمد صلاح الملا أستاذ التاريخ في جامعة دمياط، أن الكتاب يتناول لحظة مهمة وفارقة في التاريخ المصري، وهي ثورة 1919، على أكثر من مستوى، دون الاقتصار على الانتفاض الوطني ضد الاحتلال، بل جاءت تعبيراً عن رغبات وتطلعات وطموحات فئات وأطياف كثيرة، هذه الطموحات التي تبدو جانبية وثانوية، ولكنها خاصة بهؤلاء (العمال، الفلاحين، المرأة) إضافة إلى الهَم الوطني.
من ناحية أخرى يضيف الملا، أن الكتاب يعد إضافة إلى الدراسات المتعلقة بثورة 1919 وبتاريخ مصر بشكل عام، خاصة وقد تناول الثورة من خلال المدخل النظري الخاص بأنطونيو جرامشي، وفق مفهومين رئيسيين عنده، هما.. (الكتلة التاريخية) و(الثورة السلبية). مشكلة البحث في ثورة 1919، هي الافتقاد إلى التأسيس النظري، ولهذا يعد العمل مساهمة مهمة في مثل هذه الدراسات، وهو ما يُضاف إلى دراسات الباحث السابقة من حيث الاهتمام بالمدخل النظري، منها «تاريخ مجلس الدولة»، ورسالته للدكتوراه عن الانفتاح الاقتصادي.
جرامشي وتاريخ مصر المعاصر
بدأ إمام حديثه عن مدى حضور جرامشي في قراءة تاريخ مصر المعاصر، وأوضح أن هناك كتابات كثيرة في الغرب استخدمت أفكار جرامشي، خاصة بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. وذلك يعود إلى مرونة أفكار جرامشي من ناحية، وكذلك المشابهة بين الحالة الإيطالية والحالة المصرية. فالكتلة المسيطرة في الحالتين استبقت حركة الجماهير بتغيرات تمنع من قيام حركة تعصف بهذه الكتلة. هذه المشابهة هي ما جعلت أفكار جرامشي يسهل تطويعها في الحالة المصرية، إضافة إلى فكرة محورية دور المثقف، ومدى بعده أو قربه من الكتلة التاريخية، وانصهاره في مشروعها، وهو ما يحدد موقفه.
المسألة الجنوبية
ويضيف إمام أن (المسألة الجنوبية) وهي فكرة أخرى من أفكار جرامشي تتشابه إلى حدٍ كبير والحالة المصرية، فعلى الرغم من الوحدة الإيطالية التي تمت عام 1870 إلا أنه لم تزل حالة من التباين بين فكرة التنمية في الشمال عنها في الجنوب، فمسألة تهميش الجنوب وليدة الدولة الحديثة، وهذه الحالة تنطبق على دولة محمد علي، وإدخال محصول القطن وزراعته في شمال مصر، وفي هذا السياق تم تهميش الجنوب المصري لصالح الدلتا، فما نراه الآن ــ التهميش التاريخي ــ ثمرة 200 عام، منذ نشأة الدولة الحديثة في مصر.
الهيمنة
دائماً ما يتبادر إلى الذهن مع هذه الكلمة الاقتصار على هيمنة السلطة، وفق أدواتها المعهودة كالجيش مثلاً، ولكن هناك هيمنة ثقافية تمارسها الكتلة التاريخية أو البُنى الفوقية، التي تجعل لدى الرأي العام قبولاً لهذه الأفكار، وتخلق بالتالي مساحات أوسع بهدف خلق حالة من الرضا المجتمعي عن ممارسات سياسية، هذه الكتلة تصبح مُمَثلة في مؤسسات الجامعة ودور العبادة. والهيمنة بهذا المفهوم لم تظهر في المجتمع المصري إلا في حالة جمال عبد الناصر، فالدولة لم تكتف فقد بأدوات القمع التي تمتلكها من سلطة الشرطة والجيش، بل هيمنة ثقافية صنعها عبد الناصر.
ثورات غير مكتملة
لم يشهد التاريخ الحديث والمعاصر إلا (4) ثورات حقيقية مكتملة، هي الثورة الإنكليزية والفرنسية والأمريكية والروسية، دون ذلك يمكن القول إنها حالات غير مكتملة، ولا يتحقق اكتمالها إلا بحدوث تغير جذري ليس في البنى السياسية فحسب، كما حدث في يوليو/تموز 1952، فعبد الناصر لم يستطع القضاء تماماً على الطبقة التي كانت مسيطرة في العهد الملكي، ما جعلها تمثل الجزء من التحالف بينها وبين الانفتاح الاقتصادي في ما بعد، فأحد روابط الانفتاح هي تلك الطبقة التي استعصت على عبد الناصر ــ طبقة البورجوازية القديمة ـ التي عادت بقوة في عصر السادات.
ويرى شريف إمام أن ثورة 19 هي نموذج للثورة السلبية، فجزء كبير من إصلاحات كرومر كانت تصب في مصلحة طبقة البورجوازية الزراعية، التي اقترحت بدورها مجموعة من المشاريع لتكن شريكة سلطة. كل هذه المشاريع كانت محاولة من البورجوازية المصرية أن تستبق تلك اللحظة ـ ثورة الجماهير ـ وأن تقوم بتغيير بنية النظام السياسي لتوسع من مشاركتها في السلطة. فنقطة انطلاق كل هذه المشاريع كانت تهدف إلى وجود مصالح بينها وبين الاحتلال، يجب الحفاظ عليها، متمثلة في فكرة (الاستقلال الذاتي) وهي إدارة الشأن الداخلي، أما الخارجي فالاحتلال الحرية المطلقة.
حركة الجماهير
تشكلت هذه الحركة بعيداً عن إرادة البورجوازية الزراعية، فسعد زغلول على سبيل المثال كان يريد الحفاظ على نخبوية حركته، ولم ينزل إلى الجماهير إلا من خلال التوكيلات، عند سؤاله عمن يمثلهم. وبهذه التوكيلات تم ربط الثورة بحركة الجماهير. فأمين الرافعي من خلال الصحافة خلق حالة من التفاف الجماهير حول سعد زغلول. وحتى بعد إتمام التوكيلات كان سعد حريصاً على نخبوية الحركة، فالندوات التي قامت بعد ذلك كانت بين أعضاء الجمعية التشريعية، التي ينتمي أصحابها إلى البورجوازية الزراعية.
من ناحية أخرى يتضح مفهوم الاستقلال لديهم كما عبّر عنه أحمد لطفي السيد، بأنه تنظيم العلاقة بينهم وبين بريطانيا في إطار الاعتراف بالمصالح البريطانية. فالثورة عملياً انتهت في أبريل/نيسان 1919، وبعدها أصبحت الثورة أداة في يد البورجوازية المصرية للتفاوض مع الجانب البريطاني. وفي الأخير يستشهد شريف إمام بعبارة أستاذ التاريخ عبد الخالق لاشين.. «استطاعت بريطانيا أن تروّض سعداً، وأن تحيله من زعيم أمة يدافع عن الاستقلال التام أو الموت الزؤام، إلى زعيم حزب سياسي يريد الحصول على أغلبية نيابية في البرلمان».