ست مسرحيات لمواهب شابة.. سقطت سهوا !

حجم الخط
0

بعد انتهاء انشطة ‘ بيروت عاصمة عالمية للكتاب’: بيروت ـ ‘ القدس العربي’من مازن معروف: بعد انتهاء أنشطتها، قد لا يكون السؤال الأساسي منوطا بما أنتج في مصنع ‘ بيروت عاصمة عالمية للكتاب’، ومدى فاعليته وقدرته على تأسيس أو تأمين استمرارية ديناميكية ثقافية. فالمشاريع التي وضعت على جدول منظمي ‘ الحدث الهائل’، أقيمت كواجب ثقافي سرعان ما أفُلَتْ ملامحه مع إقفال حصة بيروت الزمنية من بورصة العنوان الكبير: ‘ عاصمة عالمية للكتاب’. أحيطت بعض المشاريع الادبية باهتمام إعلامي ثقافي بارز، وبعضها الآخر لم يحظ بقراءة تضيء أو تنتقد، تضيف أو تقف على هامش الموضوعية. القليل من الورشات الكتابية أخذت حيزا في زحام أنشطة بدا الكثير منها مستعجلا، أو واجباً ثقافياً بمقتضى الحدث. محترف ‘ كيف تكتب رواية؟’ و’ الكتابة المسرحية الجديدة’، ورشتان كتابيتان أقيمتا في سياق الاحتفاء ببيروت عاصمة عالمية للكتابة، إلا أن الاولى جذبت أقلام الصفحات الثقافية وذلك لاعتبارات تتعلق بما اعتبره هؤلاء أقرب إلى اهتمامتهم وقراءاتهم ( رواية)، على حساب الاشكال الكتابية الأخرى ( مسرح / شعر)، ومنها ما كان متعلقا بالحدث نفسه ( محترف كتابة رواية) والذي أشرفت عليه الروائية نجوى بركات. أما التجربة الثانية التي تعنى بكتابات المسرح الجديدة، فقد صممت ونظمت من قبل المجلس الثقافي البريطاني ومسرح الرويال كورت في لندن. بدأ هذا المشروع عام 2007 أي قبل الاعلان عن ‘ بيروت عاصمة عالمية للكتاب’ السنة الماضية، وقد دعي وقتها واحد وعشرون كاتبا شابا من بلدان عربية مختلفة ( ثلاثة كتاب من كل من: لبنان، مصر، سورية، الاردن، فلسطين، تونس والمغرب) مع الكتاب المسرحيين البريطانيين ديفيد غريغ وإبريل دي أنجيليس، وإليز دودسون مديرة القسم الدولي في مسرح الرويال كورت، وقد تم انتقاء الكتاب المشاركين من بين مئة متقدم للمشروع. ثم كان العمل على تطوير الكتابات المقدمة للشباب المختارين عبر ورشتي كتابة عقدتا في تونس ( آب / اغسطس ـ تشرين الأول / أكتوبر 2008) والقاهرة ( آذار/ مارس 2008)، لتوضع من ثم الخطوة الاخيرة في هذه السلسلة الأولى من نوعها في لبنان والدول العربية، وذلك عبر سعي ‘ مركز دوار الشمس للفنون المسرحية’ ( بيروت) إلى المساهمة في احتضان الاعمال اللبنانية الناتجة عن هذه الورش بالتعاون مع ‘ بيروت عاصمة عالمية للكتاب’ ووزارة الثقافة اللبنانية والمركز الثقافي البريطاني. ست مسرحيات اختيرت كثمرة هذا الجهد الذي لم تلتفت له الصفحات الثقافية في بيروت، لأسباب مبهمة، إلا أن هذا التجاهل ظل لافتا للانتباه بموازاة النصوص نفسها التي اتسمت بأسلوب كتابي مفتوح، متخفف وخاص بالحالة اللبنانية، بتحولاتها خلال العقود الثلاثة الاخيرة، وأوجهها المستجدة سياسيا واجتماعيا ونفسيا، وحتى ثقافيا. ‘ أرق الجميلة النائمة’ ( عبد الرحيم العوجي)، ‘ هللو’ ( طارق باشا)، ‘ البيت’ ( أرزة خضر)، ‘ ماشي أون لاين’ ( خلود ناصر ومريم بوسالمي)، ‘ علبة موسيقى’ ( مايا زبيب) و’ شاش باش’ ( إيلي يوسف، فؤاد يمين وماريليز عاد)، التي نشرت عن دار بيسان، تمثل نموذجا مستقلا عن التوجهات الكتابية السائدة والتي تنحصر في سلة الرواية او القصة أو الشعر. نشر كتابات مسرحية، وعلى ما يحمل من مجازفات، يقدَّم كاختلاف عما درجت بيروت على نشره. فهو أولا منشور ‘ مسرحي’، مجرِّب، ونتاج تفاعل ثقافي ذاتي، ومكتسب أكاديمي، ومن ثم وليد ورشة محترفة. وهو في المقام الثاني عكس لصوت مسرحيين جدد، نهلوا من تجربة مسرحيي بيروت الكبار كعصام محفوظ وروجيه عساف ويعقوب الشدراوي وريمون جبارة وجلال خوري وأسامة العارف وشكيب خوري ما بعد الحرب الاهلية، لأنهم جيل ما بعد الحرب بطبيعة الحال. فهؤلاء الشباب لا ينتمون إلى تيارات مسرحية، ولا يحددون رؤاهم السياسية إلا في منظور النقد الذاتي لتجربة الحرب اللبنانية بشكل عام والاحزاب اليسارية التي أُثقِلت بشعارات كبيرة بشكل خاص وينفذون من هذه التركة التاريخية المليئة بالأسئلة، إلى تفاصيل ما يعيشونه في بيروت اليوم، ويفتحون اللحظة الآنية على أبواب شخصية في تجربة آبائهم، الجيل السابق. لكن، هل تكفي قراءة النص المسرحي مكتوبا كي يصار إلى تشكيله في المخيلة، واكتمال صوره وما يريد أن يشير إليه الكاتب؟ ألا يحمله عريه عن السينوغرافيا ( بالمعنى البصري)، إلى مطارح تمتص منه هالته وتجعله يبدو واهنا أمام القارئ؟ وكيف يمكن منه استشفاف الاصوات والنبرات وفترات الصمت، ووحدة الجمل وقوتها الصوتية إلى جانب حضورها كفواصل ضرورية في النص؟ وكيف يمكن لنص مسرحي أن يحتوي في طياته ثنائيات كالانفعال والهدوء والذروة والخطوط الافقية أو الأكثر تعرجا والتي تغذي الشخصيات من خلال تفاصيل محددة يوردها مؤلف العمل؟ وماذا عن الموسيقى والضوء والعوامل البصرية والسمعية التي ترفع من النص عند لعبه على المسرح وتغذيه وتوسع افقه وبالتالي فإنها تقربه من القارئ الذي يكون متفرجا وعنصرا متفاعلا سواء سلبا ام إيجابا في الصالة؟ قد لا يكون النص المسرحي مكتوبا إلا مادة خاما تحتاج إلى إضافات ورؤيا تخدم بصورة اساسية المناخ الداخلي للعمل، إلا أن هذا لا يحول دون قراءتنا للنصوص المنشورة، وإن من زاوية النقد لمعطى النص المكتوب نفسه وليس النص الملعوب على الخشبة. مسرحية ‘ البيت’ تتناول موضوع بيت يتنازعه أخوة بين بيعه والابقاء عليه. وهذا لأن الدولة اللبنانية تطلب ذلك لشقها طريق اوتوستراد يمر بالبيت نفسه. هذه الصورة تعكس واقعا شاع بعيد انتهاء الحرب اللبنانية، إذ انتهجت الدولة وجمعية سوليدير للإعمار آنذاك مسألة إعادة ترتيب شكل مدينة بيروت على أساس نهضوي، إلا أن ذلك ظلم الكثيرين ممن لم تدفع لهم تعويضات كافية، واضطروا إلى مغادرة منزل لم تستطع الحرب بكل وحشيتها أن تدفعهم إلى ذلك. في هذا النص المسرحي، يتوارى السياسي ( غير المعلن صراحة) وينسحب إلى الاجتماعي ومن ثم النفسي، وتأخذ كل شخصية دونما تكافؤ، مكانها بين زوايا مثلث قوامه: أم وزوجة أخ وحيد بين أختين ومنزل. الأخ، الرجل العالق بين ثلاثية أختين، واحدة تريد بيع البيت والأخرى لا توافق، وزوجة، وثلاثية منزل وفكرتين مضادتين حوله، فهو بضعفه، وحياديته، يشكل عصب التوازن بين الأختين المتنازعتين، والثقل الذي يثبت الشخصيتين في موقعهما، فيشد الحوار في النص المسرحي. أما الدلالات السوسيولوجية الأهم في العمل، فبرزت من خلال المنزل وإشكالية الأم والأب وعلاقتهما المتوترة والتي تشبه الحرب نفسها. فلكل منهما دلالات سياسية ويتم إسقاط شخصيتيهما على الحرب ( الحرب التي رحلت والشعب المتمسك باسترجاعها وإن بأسلوب العيش الفردي واستثمار المخيلة). خلف مسألة بيع البيت، يتبارز زمنان، الماضي والحاضر، بكل الإشكاليات المتعلقة بحضورهما فكريا، وثقافيا، بين التراث ( التمسك بملكية العائلة وملكية الزمن القديم) وبين تجاوز هذه الملكية ( بيع المكان) والتماهي مع الزمن الحاضر والسائل. وعلى قشرة هذا الزمن، تبرز بقايا الزمن الفردي، الذي جمدته الرغبات المتعثرة بالواقع لكل من ناديا وريم، غير أن الموضوع لا يلبث وأن تحوله الجملة المسرحية إلى شأن خاص وذاتي واجتماعي على مستوى ثلاثة أفراد، وبذلك تكون الكاتبة أنقذت نفسها من إمكانية غرق عملها في الدلالات والكليشيه. المكان الواحد للمسرحية، يتفق مع المكان الواحد لموضوع العمل المسرحي ( البيت) ويشد من أواصره. ( الأختان: ناديا التي تتعب من الأشغال المنزلية وريم المضطرة إلى مغادرة البلد في عمل ونبيل الاخ المحكوم بعمله كموظف يسدد للبنك قروضا يعاني مع زوجته المتسلطة). غير أن هذا الشأن الاجتماعي الاقتصادي سرعان ما يتحول الى شأن ذاتي بسيكولوجي، ويتخطى الأمر المسألة النسبية الزمنية، ليصب في إطار العلاقة التي يعكسها المكان على الشخص. هذه العلاقة تتغذى بمسبب أكبر، سياسيا واجتماعيا ( الحرب)، التي تظهر كمسؤول مباشر عن مقتل الوالد. هكذا نكون أمام نص يضيق ويتماسك قبل أن تتسع مروحته ليلامس بعدين طارئين: سياسي وبسيكولوجي. بين الكوميدي والتراجيدي، يغلق كذلك المكان الداخلي للشخصيات. فبينما تحاول كل شخصية الاتكاء على واقعها الخاص بشيء من الأنانية، لا تستطيع الانفلات من رهبة الأسى، أو مأساتها الخاصة، التي قد لا تنسحب آثارها على الشخصيات الأخرى. يشكل الغياب الطازج لشخصية العمل المحورية ‘ الأم’ حجة لإدخالنا إلى زمن العائلة، وإلى شخصيتها الثابتة التي أدت إلى تشظي شخصيات الفتاتين والإبن. النص المتقشف والمتواري خلف الحدث الواحد، يسير في اتجاه تصاعدي، دراماتيكيا واجتماعيا، يتغلب الواقع على أي ميل للانسحاب عنه، تطرح المادية الروحانية جانبا، يتفوق الشخصي على الجماعي. ( المكان / الذاكرة / النوستالجيا)، ذلك أن حتى الفواصل اللغوية التي تعتمدها الكاتبة، تستثمر مسرحيا لتكوين جينات العمل المسرحي أو المشهد اللاحق، المنزل وقد يكون المسرح أو الدكان أو المقهى، أو قد يكون مجرد بيت قديم، كما يظهر في صورة النص. غير أننا علينا ألا نقف بعيدا عن دلالاته السياسية وواقعية النص الادبية والحياتية. إن المسرح هنا يستحضر إلى قلب الحالة الاجتماعية وليس العكس.’ هللو’: أحداث هذه المسرحية تجري في مقهى على طريق سريع. خشبة المسرح مقسمة إلى جزأين. داخل المقهى وخارجه. أي أن هناك خيطا فاصلا بين هاتين المساحتين. تتحرك الاحداث، تتطور أو تخفت، أو حتى تنتقل للاشارة إلى دلالات الحرب، اجتماعيا وانسانيا ونفسيا، بوصفها حدثا ماضيا، غير أن الحرب، تفتح مظلتها في العمل، لتعزل في مطارح عديدة، وإن جغرافيا ومن ثم سياسيا ( واقع وجود قاتل داخل مقهى)، الداخل عن الخارج. من هنا، يكون ضروريا استمرار هاتين المساحتين في العمل، كمسبب لانعتاق المقهى على من فيه، وخارج المقهى كذلك على من يقفون عليه. فهناك وليد الشاب العاطل عن العمل والذي يتحول في سياق المسرحية إلى قاتل، وهناك ميشال الفتاة التي تعمل في المقهى وجاد رئيس الشرطة والجوكر الذي يبدل شخصياته في العمل. والجوكر مأخوذ في فكرته عن أوغوستو بوال. تتدخل الذاكرة في العمل ولا يأتي على مستوى تقني أو بنيوي، او كضرورة، إنما يستخدم لدمج ‘ المأساة’ الكوميدية، والتي تتداخل فيها الخيالي ببعض ملامح الواقع من دون أن يكون النص بنفسه واقعيا. يطرح النص شخصنة الصراع، من دون أن يقدم أسبابا إيديولوجية، ذلك أن الصراع سيأخذ شكلا من أشكال العبث بين أشخاص النص وبحسب مواقعهم. وغاية الصراع نفسه لن تكون لأي موقع سياسي أو اجتماعي أو زعماتي. ومع أن إتخام النص بالرموز والحكايا النوستالجية، يثقل كاهل الفكرة، ويطوقها بهالة بلاستيكية، مركبة أو مصطنعة في بعض الاحيان، إلا أن النص في معظم مطارحه، يستطيع أن ينشغل في كينونته، وخصوصية منهج الكاتب طارق باشا نفسه. ما يطرحه الكاتب الشاب هنا، هو ما تتحول إليه الحرب، بعد انتهائها كحرب. تتقاسم ملكيتها السلطة بأشكالها وتمثيلاتها المختلفة، وحتى الموارد الحياتية ( الكهرباء / الماء) تحتل مقام المواد الأولية لإعادة ‘ الحرب’ ( الشخصية) إلى الواجهة. يصبح الشعب مسؤولا عن ضخ الحياة فيها، كمظلة لا شمس فوقها ولا غيوم. إنها الحرب الغاية هنا، وليست الوسيلة. يقول باشا أنه أراد تقديم عمل عن النسيان، إلا أنه تشبث بالكثير من العناصر المحورية للحدث ـ الفعل، أما ‘ النسيان’ كحالة فردية أو اجتماعية سياسية، فلا تطفو جليا على جثة الشخصيات إلا في آخر العمل. إنه النسيان الذي يخدش معناه بشكل أنيق.

المسرح في ‘ أرق الجميلة النائمة’ مكان للحركة الفنية، وللتخييل كذلك، كما أن له تاريخا في الحرب اللبنانية، انطلاقا من حقيقة ان بعض مسارح بيروت استعملت كملاجئ في اوقات معينة، كمسرح البيكاديللي. فالنص يحكي قصة شخصين يجدان نفسيهما عالقين في مسرح اثناء الحرب، الأول قناص في إحدى الميليشيات والثاني خريج معهد الفنون الجميلة، بالإضافة إلى الجميلة النائمة التي يتم تغذيتها في العمل بصور طفولية لها علاقة بالذاكرة وبالحكاية الشعبية وبراءتها. نقل المسرح من مكان للالتقاء بين فكرة وجمهور، إلى مسرحته أمامهم، سيحيطه بأبعاد لا علاقة لها بفانتازيا الانتقال من فكرة إلى اخرى خلال العمل. الاستغلال الذكي لوجوده كمكان ( لا نعرف إن اختاره العوجي بشكل حدسي، أو شخصي أو إيديولوجي)، سيدفع الكاتب إلى الاستطراد في التشكيلات المشهدية والصورية، الدرامية والساخرة اللاذعة، من دون أن يفقد محوره في التحرك. سيكون للحرب مردود إيجابي على تكوين العلاقة بين ما يقع داخل معادلة: الجميلة النائمة / القيمة / الحب / الأنثى/ النقيض لقسوة الحرب ـ المكان / المسرح / فضاء تكون العاطفة / حيز استحضار زمن الشخصيتين السابق. وبوصفها حالة امر واقع، ستولد الحرب انفعالات بسيكولوجية تعزز من شرعية وضرورية وجود الكائن الأنثوي في العمل، والذي يختاره العوجي متطرفا في مثاليته، وفاضحا كنقيض، لمشهد الجثث الموضوعة على الخشبة ( بحسب النص). فهي المفتاح الذي سيكشف الهوة ما بين الشاب خريج معهد الفنون والقناص، من دون أن تكشف تماما المسافة بينهما، ذلك أن الحرب، التي يُفترَض أن تكون أداة انفصالهما وانعزالهما، ستكون مغذيا لصورهما الشخصية التي يتقاسمان فيها حاجات انسانية على المستويين العاطفي والبيولوجي. من هنا سنكون أمام بناء سداسي للعمل، زواياه المتقابلة: الجميلة النائمة ـ ظرف الموت، خلفية الشاب – خلفية القناص، ومن ثم الأرق ـ الرغبة. وبين هذه الزوايا الست، سيتحرك الكاتب، ليعيد تكوين مناخات تفصيلية من مناخ واحد اساسي. ستبدو المناخات ثانوية، لكنها سرعان ما ستسيطر على العمل، لنشهد تحولا حادا في ماهية الواقع، الذي تحيطه الاسئلة، فيتفكك، دون انفصاله عن المتوارث الفني الادبي، والحياتي والإيديولوجي. أرق الجميلة النائمة، هو من اكثر النصوص الشبابية غنى، كما أن بافتراضه واقعا داخل واقع، يشكل ما يشبه متاهة جميلة، تدفعنا لخوض مغامرة اكتشافها، بأرق إرادي هذه المرة.

في ‘ شاش باش’ هناك أنا ‘ ما بعد الحرب’ الواقفة على الهامش. ستحال هذه الأنا إلى ظل فضفاض لتبدو خياطة الجملة المسرحية حوله، نوعا من المجازفة في الحقيقة. الظل هو التجسيد الأسهل والأكثر مباشرة للمحور البسيكولوجي الذي يسأل عن كينونته بالتزامن مع سؤاله غير المباشر عن الحرب وما بعدها. وبرغم تكراره في كثير من أعمال الادب والمسرح، غير أن تدوير الأفق الخاص بالظل في ‘ شاش باش’، وتعميق المعنى والقيمة التي يحتملها، فتح أبوابا كثيرة ليتم تقديم العمل من خلالها بشكل متجاوز ومختلف. كما نأت الجدية التي اتسم بها الكتّاب الثلاثة ( يمين، يوسف، وأبي عاد)، بالنص عن أي تكرار في المشهد البصري او التركيبي. استعارة الظل، وإسقاطه على الحياة، كان قشرة العمل البرانية، المضادة لحقيقة أن الكتاب الشباب استخدموا الحياة من مفهومها المادي، والقيمي لاحقا، لاسقاطها على أشياء استهلاكية، مهملة، بغية إعادتها الى الحياة من دون الحاجة إلى الحياة ككل، بل إحدى وحداتها أي: الإنسان. هكذا، نجد أنفسنا في فضاء واحد مع ثانويات استهلاكية ( مزبلة، سوق..)، وليست اساسيات ‘ إيديولوجية’، أو قل هذا ما نعتقده، وإن اتخذ العمل مسارا تثقيفيا أو تعليميا في بعض تفاصيله، غير أن مجموع التحولات التي تنقل بها الكينونات البشرية وأسئلتها إلى الأشياء المستخدمة يوميا، وتلك العلاقة التي يكشف عنها وتتخطى بمنهجها المنطق البراغماتي، تظل تحولات مرهون تألقها بمدى براعة السينوغرافيا، وقدرة عكس الجملة في بعض مطارحها إلى المشاهد، غير أن ذلك لا ينفي وجود شاعرية او سوريالية عالية، لا ندري إن كان المسرح يحتملها بهذه الدقة، أم أنها ذات فضاء مختلف. الجدير ذكره في هذا السياق اختلاف المناخات المسرحية والتي يبدو مسؤولا مباشرا عنها، اختلاف الأسلوب الكتابي والزاوية التي تطلق المشهد في كل جزء من العمل. ما يضع العين في سباق مع الذهن. لا شك في أن المسرحية ‘ شاش باش’، تحتوي على مفاصل جدية في الابتكار والتجهيز والتحريك على الخشبة، هذا في مقابل الثقل الإيديولوجي الذي تطرحه جملة النص، ما يؤطر العمل المكتوب بشروط لمتابعته على الخشبة. شاش باش هو نص جدلي، ليس لمركبه الديالكتيكي، بل لوقوف الجملة المسرحية فيه، وجها لوجه، مقابل السينوغرافيا التي تستلزمها هذه الجملة لتكتمل على المسرح.

أما مسرحية ‘ ماشي أون لاين’، فنرى فيها شابا وفتاة يتواصلان عبر الانترنت. شخصيتان تقف الواحدة منها على نقيض من الآخر. الفتاة تسأل وتستجوب وتحتاج إلى دفق عاطفي، وشاب يرد بقلق يؤججه اتهامها له بأنه وراء مقتل عائلته في الحرب. القارئ يتجاوز العلاقة بين الفرد والمكان المتواضع ( الغرفة)، أو جدوى التواصل بين ‘ غرفتين’ بهذه الطريقة، قبل أن يكتشف لاحقا جمالية السينوغرافيا المطلوبة في العمل. ومع ان الابقاء على عزلة الفتاة فيزيولوجيا عن الشاب، حتى لحظات العمل الاخيرة يثبت كل منهما في مكانه، غير أنه يعطي الأولوية بذلك لحوار ذهني، مستفز، متوتر، براغماتي في بعض الاحيان او طفيلي في أحيان اخرى.

لكن الأسئلة لا تمر إلى الذات من دون إشهارها إشكاليات كالأرض ( بالمعنى السياسي والانساني)، ورمزية المنزل وبطاقة التاريخ، وإن بشكل مكثف، سريع، مضبوط، غير بكائي، متنوع، موضوعي، متجاوز للآخر، مبقية نفسها كأسئلة تعمل في دينامية التجريد، تجريد المسألة – الحوار ( او على الاقل في الشكل الذي يتكئ عليه) برمتها من أي شخصانية كانت، تجريد الحب من أسباب متعلقة بالشريك، تجريد الحاجة العاطفية من أي مؤثر براني أو أي سببية خارجية، والإبقاء عليها مدفوعة بكينونة الأنثى وحدها، النشطة، كمساحة إنسانية، غير مشوهة بتجاذبات السياسي ‘ الواقعي’، أو الظرفي الاجتماعي أو حتى النفسي. العلاقة بين شخصيتي العمل، تحاط بأربع مداخل، كل منها يشكل مقوما للاتماهي بين الفتاة ـ الشاب ( السؤال ـ الاجابة / الثبوت- التذبذب / اليقين ـ العبث / المكاشفة – التقوقع). كل هذه التغيرات التي تحمل في النص، تتركز على جملة رشيقة، لا تثقل الأذن، وتشتغل بشراكة مع ما تتطلبه من مؤثرات سمعية وبصرية في العمل. تقدم نفسها كجملة كيانية، غير معزولة، تتغذى بكبرياء لكن لا تبالغ فيه، إنها جملة النص الذي يفترض وقوف السينوغرافيا بكيانية مستقلة، ومتممة في وجودها للجملة المتحركة بين شخصيتي العمل. ‘ علبة موسيقى’ ( مايا زبيب) تسرد بيوغرافيا أنثى مستوحدة، من خلال قراءتها لبيوت وغرفها. ومن خلال المشهد التصويري الطويل والمقطّع إلى أجزاء، نجد أنفسنا في ما يشبه ‘ صناديق فرجة’ حميمة، يتم العبور إلى لقطات متحركة في كل بيت على حدة. قد نعرف ان البيت واحد، أو ان سكانه فرد او لا فرد، او مجموعة افراد، وهذا ربما لن يهم. ذلك أن ما نطوى تحته، كقراء، هو أشياء المنزل، المرهونة بالـ ‘ من’ وإلى جانبها علامة استفهام. سنرسم أسئلة إضافية، كلما دخلنا شرنقة، أو باب، أو بداية من بدايات مايا. لكن الاهم أن تركيب النص، وانسيابه وعصبيته، للأنا والمكان، سيتطلب منا قراءة غير متعجلة، قراءة بصرية، ذهنية، لا إيديولوجية، ومن دون أن نقع في فخ السؤال عن هوية النص نفسه. هذا لا يهم أيضا. المتتاليات الصورية تكثف من عزلة الفتاة عبر إخراجها من حيز إلى حيز آخر افتراضي، تصر مايا عليه، ونعرف ماهيته، دون أن نفقد ارتباطنا به، كقراء، أو صلتنا به كرافد من روافد تاريخنا كجيل التماس مع الحرب، واحتمالات نشاطها في أي لحظة. التشكيل اللغوي في العمل يتكفل، من الناحية التقنية، برسم مساحات بصرية متخيلة، تستوعب كل شريك فني ( شعري) محتمل للمسرحة. في بداية العمل وفي نهايته، سيمّحي المكان، ويضاف مكان آخر، انفعالي، هذياني، من دون أن تسقط الجملة في اللغو الدرامي، وإن قاربت في بنيويتها الشكل الشعري. هنا ستبدو المقاربة اكثر اتساعا لكل ما يتعلق بثنائية الذاكرة والنسيان، وتناوبهما ضمن سياق النص المكتوب. وستتفرد في نهايتها مايا زبيب، بهتك المناخ، من خلال إعادة تكوين الأنثى، وامتصاصها وتكثيفها من ‘ أنثويات’ عابرة، أو نساء حضرن فيما مضى، وسيتبعثر المكان / البيت، ليعاد تدويره، وانتقاء عناصره الملائمة لشخصية الفتاة الأنثى، كتصفية حساب مع ذات المرأة بشكل خاص. البيت وسيلة، لافتضاح الشكل الاجتماعي، وللتطهر من ذلك الجانب العميق والمطمور للأنا في الذاكرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية