بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: اختار صلاح صولي ‘سجل مدينة’ عنوانا لمعرضه المقام حاليا في غاليري أجيال (بيروت). إنه الخراب يحضر مرة أخرى عبر تصاوير لمجموعات من السيارات المكومة فوق بعضها بعـضاً. في كل لوحة، يبرز جزء من هيئة السيارة وليس كلها، تتحول هيئاتها إلى جزيئات تحشر الواحدة نفسها بالقرب من الأخرى وكأنها متممات لصورة عليها أن تتشكل أمامنا بعيدا عن الرفاهية وسهولة فكرة العيش، أي بعيدا عن غاية هذه السيارات الأساسية وجماليتها ومهمتها الاجتماعية. صورها تأتي على النقيض من هذا كله في لوحات صولي، وذلك لارتباطها بتاريخ خاص من لبنان لم ينته بعد، ولم تقفل فصوله. السيارات شكلت فيما مضى مستوعبات للتفخيخ، الانتقام، الاغتيال، القتل العشوائي، الترهيب، التفجير كيفما اتفق، العبث. شكلت إحدى لغات الحرب، وعلامات استمراريتها، أرهقت الناس والمدينة، وأحيانا تسببت في إفراغ شقة أو شارع أو حي أو وطن من ساكنيه. لم ينسها المتقاتلون. ولم تدرج في اتفاق الطائف ولا في أي تسوية سلمية أو حربية أخرى. سلم الجميع اسلحتهم إلا السيارات، فهي شرعية وضرورية للتنقل والعيش ولا يمكن الرجوع عنها في زمن التواصل والاتصالات والموصلات. هي بالطريقة نفسها، قنبلة موقوتة، أشد رعبا لأن انفجارها يختزن مفاجأة دوما. لم يعتد الناس عليها، لا في زمن الحرب ولا في زمن ما بعده. لذلك، فإن مشهدها في الذاكرة ظل رهيبا، وجاهزا، متقدا ونشطا كاحتمال قائم في أية لحظة، خصوصا مع عودتها مؤخرا عبر الاغتيالات الأخيرة للمفكرين والسياسيين واللبنانيين والمناضلين. وعودتها إلى الشريط الاخباري على شاشات التلفزة في السنوات الاخيرة، أيقظ ذاكرة الحرب (بالمعنى الفيزيولوجي للكلمة) من سباتها. لذلك، فإنها مثلت نقاط غراء لوصل أجزاء الزمن ببعضها بعضاً، وتوثيق المدينة ككل، أي أنها المدينة التي لم تستفق بعد من كوابيس السيارات، التي يهيأ لنا ساعة تنفجر، أن كابوسا كسر نومها فصرخت. وصراخها هو الانفجار بحد ذاته. استعمال السيارات خلال سنوات لبنان بقي ظرفيا، وظل خارج الإطار الجمالي للشكل او الطلاء او الموديل او اللون. لذلك، فإن هذه الماكينات المفخخة أو المحطمة على الأقل، تتساوى أمامنا كهياكل، في الواقع، كما في اللوحة. لا تفاضُل لإحداها على الأخرى، وهذا ما يحرص عليه الفنان عبر نقطتين: الاولى هي تصميم صولي في إبراز السيارات في زوايا وضعية، منحنية، غير أفقية، وغير مستوية، جامدة في مكانها، لا تتحرك وهذا بخلاف ما نراه يوميا او ما نعهده في الشارع. الثانية، هي الاكتفاء بتصوير أجزاء من هياكل هذه السيارات، عوضا عن رسمها بحلة كاملة مثلا، وهذا التكويم والتجزيء للسيارات كشهود عيان ومنفذي جريمة في الوقت نفسه، يشبه وضع ‘حفنة أشرار’ في قفص وتركهم يتحاورون همسا، وثم الاصغاء إليهم بالسرية ذاتها. وهو ما يضخ في الاعمال المعروضة لغة لونية متذبذبة عصية على الضبط والحصر في مفهوم فني او شكل محدد على المستويين الفني والدلالي. لوحات تربك الناظر إليها لأنها تقف على الخيط الفاصل ما بين الجدية والاستسهال، الفلسفة والخواء، ثقل التاريخ وخفة الحاضر السخيف، السياسي البحت والاجتماعي النيىء، الحرب التي علينا تجاهلها واللاحرب، التوثيقي والوثائقي، الفكرة المغلفة بطبقات من المعنى والشكل الخادع والذي قد لا يوحي بأي غاية. وهي المتناقضات التي تثقل كاهل بيروت بحد ذاتها، والتي تمثل حدبة تنمو شيئا فشيئا حول عمود المدينة الفقري. يمكن تقسيم لوحة صولي إلى منطقتين، الاولى هي منطقة الكتلة الأقرب إلى العين (السيارات)، الملوّنة بفرح يشي بعبثية التحطيم، كأن من هو مسؤول عن الحرب جملة اطفال وليس مسلحين، تركوا الغرفة بعد أن عاثوا فيها خرابا. وهنا يجتمع الفرح بالخراب، بمعنى أن الخراب يأتي كقيمة مؤجلة، أو دلالة بعيدة، تستدرج المخيلة إليها شيئا فشيئا، بعد أن تكون العين قد انتقلت إلى ما وراء الكتلة، أي خلفية اللوحة. هناك، يبرز عالم ضبابي، غير واضح، مزعج وانيق، ولا ينتمي للوهلة الاولى إلى مناخ الفرح الذي اعتمده صولي في السيارات المتروكة (فرح ربما لأن المسلحين دعوها وشأنها أخيرا). هذه الخلفية الابوكليبتية كما يسميها صولي، تذكّر إلى حد ما، بمناخ خلفية الموناليزا الصاخب والمتناقض والمتكامل مع وجه المرأة، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الضربات اللونية الحرة والرمادية والقاتمة والتي يجرد فيها صولي الخلفية إلى مجرد مزاج فكري سوداوي، أو سياسي، حتى تكاد تحضر أمامنا كل الحروب الصغيرة دفعة واحدة. أحجام مختلفة، مشغولة بمعظمها بمادة الزيت على القماش، تصور مشاهد لأكوام سيارات معزولة عن محيطها للوهلة الأولى ومهملة، مقلوبة على ظهرها او مستقرة بوضعيتها الطبيعية، تهيئ لنا ولوج ما يستعيده الفنان والسيارة. ‘نيسان (أبريل) 2006’، ‘شباط (فبراير) 2008’، ‘آذار (مـارس) 1983’، ‘أيار (مايو) 1984’، ‘أيلول (سبتمبر) 2007’، ‘موت طبيعي’ و’ العودة إلى الغابة’ هي بعض عناوين اللوحات المعروضة. اللحظة في هذه اللوحات تتكثف بصورة سريعة، مفاجئة وصادمة، وهي ليست مجرد عامل فيزيائي ننفذ منه إلى المكان غير الحاضر مباشرة في اللوحة. لأنها لحظة يعمل الفنان على إخضاعها وتذويبها في العمل الفني، كمكمل لكوكتيل الملحمة اللبنانية العجيبة.
الفنان لا يتجاهلها، ولا يصر على إبقائها داخل ملف التاريخ اللبناني، بل ينتشلها ويضيئها بحدة، فتلعب بالنسبة إلى المتفرج دور المحفز، تقول له تارة قصة غير سعيدة، وترجعه تارة أخرى بالتواطؤ مع العمل إلى تراكمات سياسية سبقت لحظة الانفجار نفسها وبالتالي فإنها تشترك مع الصورة للتشديد على إحالة السيارات إلى حقبة زمنية محددة، مثلت قبلنا ام رفضنا إرثا محليا وإقليميا، كمكون له امتداداته إلى الآن. يشبه العمل تجهيزا يقرأ المدينة بذكاء، دون استعراض إيديولوجي او فكري، تاركا المتلقي يعوم بين بساطة الرسم وعمق المضمون الذي بقدر ما هو خاص، يبدو كذلك عاما وملكية اجتماعية ونوستالجية (وإن كانت غير محببة). من خلال العنوان الذي هو إما لحظة، أو موقف انساني (رمزية الغابة) أو نتيجة (موت)، يتنقل العمل من جمالية التأليف بين أجسام معدنية يطوعها اللون، إلى الاغتيال أو الاعتداء الخارجي (الاسرائيلي مثلا) يمكن لنا قراءة علاقة اللوحة بالحدث المحلي او الإقليمي والفعل الغائب والانسان المسؤول عن مهمتين: أولا تقويض الآلة (السيارة سابقا وحاضرا)، وثانيا تحفيز الفنان (حاليا). سيارات، سيارات، سيارات. مكوّمة فوق بعضها بعضاً، ملوّنة، طبيعية، مستعملة، بالية، خارج الخدمة، ميتة، حزينة وشريرة في الوقت عينه، هي كل ما تختزنه هذه اللوحات، تسهم في إكمال حكايات المدينة وعلاقة الناس باليومي والفزع السابق (والحالي) والخراب غير المعلن في اللوحة بل في أداة الخراب (السيارة) والحرب واحتمالات استعمال آلة النقل وأسلوبية القتل واللامبالاة كلها تحضر في الاعمال المعروضة أمامنا.