حـمد نـزالمازال الوقت مبكرا لوزن قيمة ‘الربيع العربي’ أو للإختيار بين الحماس له أو الكفر به دون أن يعني هذا تشجيع الحياد منه أو اتخاذ أي موقف عدا محاولة الاقتراب من فهم ما يدور في عقر بيوتنا إن كان هذا ممكنا أصلا، أو حتى مجديا.
التوق للحرية والتغيير يداعب القلوب، ووجاهة حجج الاطمئنان والاستقرار والرعب من المجهول لا تريح العقول، فيما يبعث مجرد التفرج مسوغا لحيرة تؤذي الأرواح النبيلة.. لا نغفل أن التفرج غير المنحاز هو لعبة يجيدها كثير من البشر للإنقلاب والتبدل بحسب النتائج كي يضمنوا مقعدا مريحا مع الفريق الفائز.
يبدو أن التشتت وانعدام الرؤية أمر محتوم على أبناء المنطقة العربية (يصح القول على معظم أبناء الكرة الارضية) إذ يظل الوقت دائما مبكرا لندرك ما إن كنا لاعبين أصيلين فيما يجري حولنا أم مجرد بيادق عاجزة. لنستفتي الناس مثلا، في الثورة العربية الكبرى (1916) فنجد أنهم منقسمون فريقان أحدهم يمجدها والاخر يشيطنها دون أن تستطيع فئة ما أن تقنع الثانية بوجاهة منطقها. الوضع ينطبق على معظم القضايا العربية الكبرى: صدام شهيد أم قتيل، إيران معنا أم علينا، فلسطين مفاوضات أم قتال، الإخوان المسلمون حل أم مشكلة… الخ.
الضباب الكثيف الذي يبث تقريبا يوميا أمر مقصود، فقد بات واضحا أن السياسات الجوهرية للحكم ـ بصرف النظر عن مكان وطبيعة النظام هي هي وركائزها الأساس تقوم على: الإلهاء، خلق المشكلة وحلها والتخويف. لا مكان للطيبة في السياسة والحكم. لقد فهموا جميعهم (الساسة) وبدقة أقوال ‘نيتشه’ حتى قبل أن ينطقها بدهور:’الحياة من الناحية الجوهرية امتلاك، تجريح، إخضاع الغرباء والضعفاء، تحكم، قسوة، إكراه، ضم وفي أكثر الحالات اعتدالا هي نهب’. كيف نزيل غموض الحيرة في زمن صار الملكي يدعو فيه للجمهورية، والجمهوري يدعو للملكية! ولما بات الربيع متشابكا مع الخريف بطريقة فظة يعانق فيها الشوك الياسمين؟
البعض يرى في المعابد والمقدسات حلا، والبعض يجد في العقل ـ أو ما تبقى منه- أملا، واخرون يصدقون الشعوب ويسيرون وراءها سير القطيع ويحجون معها لليسار أو لليمين والكل غير قادر على إيجاد اجابات حاسمة ليس فقط لأسئلة اليوم الكبرى بل وحتى لتلك الأسئلة الأساسية التي حيرت الإنسان الأول: ما هو الموت وما الخلود، ما هي الروح، هل ثمة مخلوقات غير إنسية، ما مغزى الحياة، ما أصل البشر، وما طبيعة الحب والأحلام، وهل ثمة حياة بعد الموت… الخ؟ كثر هم من احتفل طربا بهبات الجموع المجيدة المطالبة بالتغيير المستحق والواجب.. العديد تعب من ضجيج العرس الجماعي وزغاريد الأمهات الثكلى ولوحات الفناء المجنون.. عود الثقاب الذي انطلق من افريقيا وصل اسيا وقسم العالم كله بين مؤيد ومعارض وحائر.. أهو اللهب الذي سيحرق السهول ليمهد لأرض أكثر خصبا ولأزهار أروع عبقا؟ وكم سيطلب من سماد الشرايين؟
صحافي مستقل يدير موقع الواشنطوني العربي