مقابل التسلح المتسارع من قبل اليونان والذي يحمل قيمة عسكرية لا يمكن الاستهانة بها، فإن تركيا تعمل على تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية مجاراة لبرنامج التسلح اليوناني.
إسطنبول-»القدس العربي»: عقب أيام من استلامها أول طائرة من صفقة طائرات الرافال الحربية التي وقعتها مع فرنسا، تستعد اليونان لاستلام سفينتين حربيتين من شركة بريطانية ضمن صفقة تهدف من خلالها لتحديث اسطولها البحري، إلى جانب سلسلة من الصفقات العسكرية مع دول مختلفة تهدف من خلالها إلى رفع قدراتها العسكرية وتعديل ميزان القوى الذي يميل بقوة لصالح تركيا التي وصلت الخلافات معها إلى خطر التكهن بإمكانية حصول احتكاك أو مواجهة عسكرية أوسع بين البلدين.
وبينما تعتبر أثينا أن هذه الصفقات تأتي في إطار تحديث الجيش ورفع قدرتها لردم الفجوة الكبيرة مع الجيش التركي، تَسخر تركيا من صفقات الأسلحة اليونانية التي تعتبرها ضعيفة وتشمل أسلحة قديمة ومستعملة، في حين يرى مراقبون أن اليونان التي تعلم صعوبة مجاراة التفوق التركي عسكرياً تسعى لتعزيز تحالفاتها من خلال إرضاء العديد من الأطراف الدولية بالفوائد الاقتصادية للصفقات الكبيرة التي عقدتها في الآونة الأخيرة.
وفي تعقيبه على برنامج التسلح اليوناني واستلام أثينا طائرة رافال، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار إن «امتلاك اليونان 3 إلى 5 طائرات مستعملة لا يمكن أن يمنحها تفوقاً عسكرياً» على تركيا، داعياً أثينا للعودة إلى الحوار لحل الخلافات بين البلدين.
ومقابل التسلح المتسارع من قبل اليونان والذي يحمل قيمة عسكرية لا يمكن الاستهانة بها، فإن تركيا تعمل بشكل متسارع على برنامج لتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية ولا يكاد يمر أسبوع حتى تعلن أنقرة عن نجاح جديد في صناعة السفن الحربية والغواصات والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع البحري وغيرها، وهو ما يمنح أنقرة أيضاً مجاراة متواصلة لبرنامج التسلح اليوناني.
تسلح يوناني واسع
وقبل أيام، كشف صحف بريطانية عن أن شركة بابكوك البريطانية تستعد لتسليم اليونان فرقاطتين حربيتين مستعملتين في إطار ترغيب اليونان بالاستمرار في صفقة كبيرة تتولى بموجبها الشركة بتحديث الاسطول العسكري اليوناني. والفرقاطتان خدمتا سابقاً في الجيش البريطاني قبل أن يتم إخراجهما من الخدمة في إطار برنامج تطوير وتحديث الأسطول البريطاني.
ونهاية الشهر الماضي، استلمت اليونان أول طائرة من بين 18 ستصلها في إطار صفقة وقعت عليها مع شركة رافال الفرنسية، وتشمل عددا من الطائرات معظمها مستعملة خدمت سابقاً في الجيش الفرنسي. كما اتفقت اليونان مع فرنسا على شراء صواريخ عابرة من طراز سكالب وصواريخ مضادة للسفن من نوع اكزوسيت ومضادات جوية طويلة المدى من طراز «ميتيور».
وخلال الاستلام قال وزير الدفاع اليوناني «إنه يوم تاريخي» معتبراً أن الصفقة «ستساعد في تعزيز القدرات القتالية وقوة الردع لدى القوات الجوية والقوات المسلحة للدفاع عن وحدة أراضي وسيادة اليونان». وفي وقت سابق اعتبر أن الصفقة التي بلغت 2.5 مليار يورو (3.04 مليار دولار) «توجه رسالة واضحة في اتجاهات عدة وفي مقدمتها تركيا».
ومنذ أشهر، تعمل اليونان مع إسرائيل على تحديث الطائرات المسيرة اليونانية القديمة، وشراء عدد من الطائرات المسيرة الهجومية الجديدة إلى جانب إنشاء مركز تدريب طيران متطور في إحدى الجزر اليونانية المطلة على شرق المتوسط، وذلك في إطار مساعي مواجهة التطور التركي الكبير في مجال المسيرات الاستطلاعية والهجومية ومساعي أنقرة لإنشاء قاعدة للمسيرات التركية في الشق التركي من جزيرة قبرص.
ومؤخراً، كثفت اليونان مساعيها مع الولايات المتحدة من أجل تسريع برنامج لتحديث وتطوير اسطول اليونان من طائرات إف 16 الحربية وترقيتها إلى النسخة « Viper Block 70» وهي الأحدث لهذا النوع من الطائرات الذي ما زال يحمل أهمية عسكرية كبيرة، حيث جرى مؤخراً اختبار أول طائرة تم تحديثها بالفعل ضمن البرنامج الذي بلغت ميزانيته 1.2 مليار دولار. في حين نجحت أثينا في تحقيق تقدم بمساعيها لاقتناء طائرة إف 35 الحربية من الجيل الخامس وهي الأحدث في العالم خلال الفترة الأخيرة من حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لكن مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض تراجع الحديث عن إمكانية موافقة واشنطن على هذه الصفقة التي يمكن أن تحدث أزمة كبيرة في العلاقات التركية الأمريكية.
وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها اليونان في السنوات الأخيرة والتي تعمقت بفعل انتشار فيروس كورونا وانكماش اقتصادها 10في المئة، واعتمادها بدرجة كبيرة على برنامج المساعدات الأوروبية، الذي اضطرها إلى خفض ميزانية الدفاع والتسلح إلى مستويات كبيرة، إلا أنها بدأت برنامجاً واسعاً للتسلح ودعم قدرات جيشها الجوية والبحرية بشكل خاص وذلك عقب التصعيد العسكري الكبير مع تركيا، وفي ظل تصريحات رسمية معلنة بان أثينا تعمل على التفوق على تركيا عسكرياً في إيجه وشرق المتوسط.
وفي عام 2020 كانت ميزانية وزارة الدفاع اليونانية 3.39 مليار يورو منها 540 مليونا للتسلح فقط، لكن ميزانية الدفاع لعام 2021 ارتفعت بشكل ملحوظ إلى 4.49 مليار يورو منها 2.5 مليار يورو خصصت للتسلح في ارتفاع قارب الـ5 أضعاف عن العام الماضي، يظهر الأولوية الكبيرة التي توليها الحكومة اليونانية للتسليح في ظل النزاع البحري مع تركيا.
تفوق عسكري تركي
من حيث عدد السكان، يبلغ عدد سكان تركيا 84 مليون نسمة بحسب آخر إحصاء رسمي، في حين يبلغ عدد سكان اليونان قرابة 11 مليونا فقط، ما يعني أن تركيا تمتلك قوة بشرية تضاهي أكثر من 7 أضعاف اليونان، لكن ذلك لا ينعكس على عدد القوات العسكرية المتقاربة حيث تمتلك اليونان قوات احتياط أكثر من تركيا التي تمتلك قوات نظامية أكبر. ويبلغ عدد القوات النظامية التركية 355 ألفا بينما اليونان تمتلك 200 ألف، في حين تمتلك تركيا 380 ألفا من قوات الاحتياط، تمتلك اليونان 550 ألفا من قوات الاحتياط.
وفي التصنيف الدولي للجيوش عالمياً، يحتل الجيش التركي المرتبة 11 واليوناني المرتبة 33 بحسب تصنيف «غلوبال فير بور» وفي ترتيب حلف شمال الأطلسي الناتو تحتل تركيا المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تحتل اليونان المرتبة التاسعة. وهو ما يؤشر إلى تفوق شامل للقوات التركية على اليونانية في كافة التصنيفات المعتمدة عالمياً. كما تبلغ الميزانية العسكرية التركية السنوية 19 مليار دولار مقابل 4.8 مليار فقط لليونان.
أما بالفروق التفصيلية، تمتلك تركيا ما مجمله 1055 طائرة بينهما 206 مقاتلة حربية، و497 مروحية منها 100 مروحية مقاتلة بالإضافة إلى السرب الجديد من المروحيات التركية «أتاك» والطائرات المسيرة التي أحدثت نقلة نوعية في القدرات الجوية التركية، أما اليونان تمتلك ما مجمله 566 طائرة منها 187 مقاتلة و231 مروحية.
براً، تمتلك تركيا ما مجمله 2622 دبابة، و8777 مركبة عسكرية مدرعة، وقرابة 1700 مدفعية ذاتية وبشرية الدفع، في المقابل تمتلك اليونان 1355 دبابة وقرابة 4000 مركبة مدرعة وقرابة 2500 مدفعية.
وبحراً، تتضمن الترسانة البحرية التركية 16 فرقاطة و12 غواصة و35 قاربا لحرس الحدود و11 وحدة متخصصة بحروب الألغام البحرية ومجموعة من السفن الكبرى من الصناعات الوطنية قيد الدخول للخدمة إلى جانب أول حاملة طائرات وطنية لم تدخل الخدمة بعد، بينما تمتلك اليونان 13 فرقاطة و11 غواصة و35 قارب لحرس الحدود و4 وحدات متخصصة بحروب الألغام البحرية. كما تتفوق تركيا في عدد المطارات والموانئ العسكرية.
كلمة السر في التحالفات
وبغض النظر عن سباق التسلح الأخير، وعلى الرغم من تفوق الجيش التركي الكبير على الجيش اليوناني من حيث عدد القوات والقدرات العسكرية الشاملة للقوات البحرية والجوية والبرية، إلا أن «التحالفات الدولية» تبقى كلمة السر في أي مواجهة خطيرة قد تقع بين البلدين، حيث يتوقع أن يلجأ كل بلد إلى تحشيد الدعم الدولي لصالحه وهو من سيرجح القوة العسكرية لأي طرف، إلا أن المرجح يبقى أن البلدين يسعيان لتحقيق الردع لا الدخول في مواجهة حتى وإن وقعت سوف تسعى الأطراف الدولية لاحتوائها بدل دعم أطرافها لأن نتائجها ستكون كارثية على المنطقة برمتها.
وبالنظر إلى التطورات في العام الأخير، فإن حلف شمال الأطلسي سخر كافة قواته من أجل منع أي احتكاك عسكري بين البلدين وذلك عبر إنشاء آلية منع الاشتباك، في حين سخر الاتحاد الأوروبي جهوده لتخفيف التوتر وذلك بإعادة الطرفين للمباحثات الاستكشافية بجهود فرنسية، وذلك على الرغم من أن الموقف الأوروبي يعتبر تقليدياً يميل إلى اليونان على حساب تركيا، إلا أن الحديث عن مواجهة عسكرية يبدو كارثياً لكافة الأطراف وبالتالي تنصب مساعي الجميع لمنع أي احتكاك قد يتطور لمواجهة عسكرية.