الدوحة – “القدس العربي”:
“مصيري.. أهوال الحرب وطموحات السلام” هو عنوان كتاب جديد صدر مؤخرا في الدوحة، لكنه يختلف عن طبيعة الكتب التي ترسم عادة المشهد الثقافي على رفوف المكتبات في العاصمة القطرية، حيث لم تتعود الأوساط الثقافية في هذا البلد على مطبوعات في صورة مذكرات لأعضاء في السلك الدبلوماسي المعتمد لديها، خاصة إذا ما تضمن قراءات للوضع الداخلي للبلد المضيف.
الكتاب، الذي “دشنته” وزارة الثقافة والرياضة القطرية، عبارة عن مذكرات للسيدة إيفون عبد الباقي وهي سفيرة الإكوادور السابقة لدى الدوحة، التي تم ابتعاثها مؤخرا سفيرة لبلادها لدى واشنطن عقب انتهاء فترة عملها في قطر.
حرب لبنان وحصار قطر وحياة الأميرات
يستعرض الكتاب مذكرات سياسية مهمة وتجربة حياتية كاملة للسفيرة إيفون، التي تروي في أحد الفصول العشرة للكتاب تجربتها مع حصار قطر وقصة الصمود المذهلة للمواطنين والمقيمين واكتشافها المعنى الحقيقي لحياة الأميرات في الدوحة.
ويروي الكتاب قصصا حقيقية تقول السفيرة إيفون إنها تتضمن “نقاط تحول في حياتي ولحظات فارقة حددت مصيري منذ طفولتي في الإكوادور وسط مملكة الموز التي كان يمتلكها والدي، ثم انتقالي إلى لبنان واندلاع الحرب الأهلية ومواقف صعبة وتحديات واجهت أطفالي تحت القصف، فيما كانت فرق الموت تجوب الشوارع لارتكاب جرائم قتل على الهوية واللهجة المختلفة لنفس اللغة العربية، ومشاركتي في إنقاذ صحافية رهينة تدعى فيفيان، وصولا إلى مشاركتي في مفاوضات صعبة لنزع فتيل الحرب وإرساء السلام بين الإكوادور وجارتنا بيرو”.
يستعرض الكتاب مذكرات سياسية مهمة وتجربة حياتية كاملة للسفيرة إيفون
كما تسرد أحداثا واقعية مثيرة، ولحظات فارقة عاشتها بين الحياة والموت كادت تفقد خلالها فلذات كبدها، بعد أن اعتادوا في طفولتهم على الذهاب إلى مدارس فيها من الثقوب أكثر مما فيها من الجدران بفعل رصاصات القتل الطائشة.
وتعد السيدة إيفون عبد الباقي، التي تنحدر من جذور لبنانية، أول امرأة تترشح للانتخابات الرئاسية في بلادها عام 2000.
وقال الكاتب الصحافي إبراهيم بدوي، كاتب المذكرات، إن بين دفتي هذا الكتاب مذكرات فيها الكثير من التشويق، وهي عبارة عن تجربة ثرية، استثنائية، لامرأة تدرك الفرق بين قرع طبول الحرب ومد جسور السلام، لأنها عاشت الحالتين. وتروي كيف قادها مصيرها إلى الانتقال من بين أهوال الحرب التي عاشتها جسدا وروحا وفزعا، خلال الحرب الأهلية في لبنان، إلى صانعة سلام بين الإكوادور وبيرو في أقصى شمال غرب القارة اللاتينية في أمريكا الجنوبية. وتفسر كيف دفعتها ويلات الحرب إلى التشبث بأي بصيص ضوء لصناعة الأمل، والمثابرة لتغيير قناعات صلبة كالحجر أو أشد قسوة، بأنّ السلام إكسير الحياة، في عالم أعمى، أصم، يستعر بتجارة السلاح والدم.
من جهة أخرى، تفند السفيرة إيفون عبد الباقي بعمق الأفكار المسبقة عن منطقتنا العربية والشرق أوسطية، التي لا ينقل عنها الإعلام الغربي سوى أصوات الرصاص والمتفجرات، ويصورها مجرد صحارى تحوي في أحشائها كنوز النفط والغاز، وساحات مستباحة للحروب وصفقات السلاح. كما تتناول المفاهيم الشائعة عن القارة اللاتينية التي تحمل وجها عربيا، ليس فقط في تفاصيل الحضارة والثقافة، بل –أيضا– على مقاعد السلطة والحكم.
أول امرأة تترشح للرئاسة في الإكوادور
ومن واقع شغلها مناصب رفيعة، سفيرة ووزيرة ورئيسة برلمان، وكونها أول امرأة تترشح لانتخابات الرئاسة في بلادها، تطرح تساؤلات عميقة حول مفارقات السياسة، والخيارات الصعبة لإشعال الحروب، وتحديات إرساء السلام خاصة بالنسبة للنساء ممن يدفعن الضريبة الأعلى في غيابه.
وتكشف تجربتها أن هناك –دائمًا– ضوءًا في نهاية النفق المظلم، طالما حافظنا على باب الدبلوماسية وحوار العقل مُشرَعًا، فالثابت الوحيد في الحياة هو التغيير. كما تعرض قصصا ملهمة عن إنقاذها رهينة شابة من بين أنياب فرق الموت، وكيف ساعدها هذا الحادث على إدراك أهمية عمل الساسة والدبلوماسيين، ومعنى أن يكون الإنسان طوق نجاة لغريق محتمل، ويُعيده، بإرادة الله، إلى الحياة. وتستعرض الظروف الفارقة بين الإنسان، والمرأة على وجه الخصوص، في منطقة الشرق الأوسط والعالم المتقدم.
ويبقى الأهم هو لفت الانتباه إلى معاناة المتضررين من غياب السلام، والديمقراطية والحريات، في عالم يستعر بالصراعات، وأهمية أن يصون الساسة والقادة الأمانة المعقودة في أعناقهم بالحفاظ على سلامة الشعوب قبل اتخاذ أي قرار بإشعال فتيل أزمة أو نزاع، وعدم دفع الناس إلى خيارات صعبة تهدد مصائرهم وأحلامهم بوطن يعشقهم مثلما يعشقونه، ويبادلهم حبا بحب، وسلاما بسلام.
حروب بلا رصاص بين العرب
كما يتطرق الكتاب إلى المنافسة على منصب مدير عام “اليونيسكو” التي خاضها حتى المرحلة النهائية وزير الثقافة القطري حمد بن عبد العزيز الكواري، والذي سبق لـ”القدس العربي” أن أجرت معه مقابلة تحدث خلالها عن المؤامرة الكبرى التي حيكت ضده من طرف دول عربية (شقيقة). وتضع سفيرة الإكوادور العالم بين يدي القارئ العربي، بإزاحة الستار عن هذه القصة من وجهة نظر غربية، وهي تصفها بأنها “حروب بلا رصاص تخوضها دول عربية ضد بعضها البعض في منافسة غريبة لإضاعة الفرص على العرب في نيل هذه المناصب المرموقة”.
كانت حربا قاسية يتفنن فيها المتنافسون على تشويه سمعة الآخرين بلا هوادة أو أخلاق
وتقول إنها “كانت حربا قاسية يتفنن فيها المتنافسون على تشويه سمعة الآخرين بلا هوادة أو أخلاق”. كما تتحدث أيضا عن معركة ترشحها للانتخابات الرئاسية في الإكوادور عام 2000، علاوة على تحديات أخرى في مواجهة المخدرات والفساد، وكوارث بيئية ولقاء مثير مع أخطر صحافي في العالم، مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، ومواقف طريفة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتكشف مزاجية رئيس أقوى دولة في العالم، وسر قراراته التي قلبت موازين القوى الدولية، وكيف تعرف عليها بعد قصة أثارت وسائل الإعلام الأمريكية عند لقائها بالرئيس بيل كلينتون داخل البيت الأبيض.
قطر الأمان والصمود
وقالت عبد الباقي، خلال مؤتمر صحافي بمناسبة انتهاء فترة عملها في قطر كسفيرة لبلادها، إن تجربتها الدبلوماسية في قطر وثقتها في كتاب “مصيري”، وقد حرصت على أن يصدر باللغة العربية أولا، لكي يصل إلى قاعدة عريضة من المواطنين القطريين والعرب، وسوف يُترجم قريبا للإنكليزية والإسبانية والفرنسية.
وأشارت إلى أن الكتاب يتضمن جزءا كبيرا عن قطر، فهو يبدأ من قطر وينتهي فيها، حيث تحدثت عن الأمان اللافت الذي تعيشه قطر، كما قالت إنها أعجبت كثيرا بالصمود المذهل للشعب القطري في مواجهة أزمة الحصار، وتحقيق قطر معدلات مثيرة للإعجاب في الاكتفاء الذاتي والبناء وإنجاز مشروعات بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022.
وأضافت السفيرة إيفون: “أستطيع أن أقول إن قطر أصبحت بلدي الثاني، ولم أشعر قط أنني غريبة، فلدي العديد من الأصدقاء الذين ساعدوني على المضي قدما فيما أسعى لتحقيقه من مهام وأهداف لبلادي. ولم أطرق بابا بحثا عن دعم أو مساعدة أو نصيحة أو حتى معلومة، إلا وجدت استجابة سريعة وردود أفعال إيجابية”.
وأضافت: “من أكثر الأشياء التي أعشقها في قطر الأمان، فهي من أكثر الأماكن التي زرتها أمانا على الإطلاق. ويحزنني أن أقول إنني سأفتقد كل هذا وأفتقد أصدقائي، لكن هذه هي سنة الحياة التي لا تتوقف أبدا عن التغيير”.
وأشارت إلى أنها ستذهب إلى مكان مألوف جدا بالنسبة لها وهي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خدمت هناك قبل 20 عاما، كسفيرة للإكوادور في واشنطن، مؤكدة أنها ستواصل دعمها لقطر من واشنطن. وتقول إن كتابها “لكل الناس عن السلام، والحرية، والحب والإنسانية”، لذا فهي حريصة على أن يصل إلى الجميع.