سفير سابق: دويلة كردية عبء كبير على أمريكا في سوريا ولتترك “الدولة” لروسيا وتركيا

إبراهيم درويش
حجم الخط
4

لندن- “القدس العربي”:

قال السفير الأمريكي السابق في دمشق والباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن وجامعة ييل روبرت فورد إن استراتيجية الولايات المتحدة فشلت في سوريا. وفي مقال نشره موقع دورية “فورين أفيرز” أشار بداية إلى أن أمريكا مطالبة بالاعتراف أنها غير قادرة على بناء دويلة كردية.

وأشار إلى سياسة الرئيس دونالد ترامب الذي وعد بوقف عمليات بناء الدول وجهود الولايات المتحدة لإعادة الاستقرار في دول شهدت نزاعات والتي رأى فيها غير قابلة للنجاح. وأوفى ترامب بما وعد، حيث خفض من أعداد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان وقطع ميزانية تمويل ودعم الديمقراطية بمليار دولار في أثناء فترة حكمه. ولكن إدارة ترامب لم تلتزم بوعد بناء الدول وتابعت هدفا بعيد المدى في سوريا. وحاولت الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية والضغوط المالية لدفع نظام الرئيس بشار الأسد على القبول بإصلاحات دستورية واسعة ومنطقة حكم ذاتي للأكراد في شمال- شرق البلاد.

 وتحت إشراف أمريكي تم تحويل المنطقة إلى شبه دولة بجيشها الخاص وهو قوات سوريا الديمقراطية وبيروقراطية تسيطر عليها قوات الحماية الشعبية وجناحها السياسي وهو حزب الاتحاد الديمقراطي. وبعد ست سنوات وحوالي 2.6 مليار دولار فهذا هو “الطفل الأمريكي” الذي نشأ تحت الحماية العسكرية الأمريكية وقدمت له الحماية من جيرانه المعادين. ولن تكون هذه الدويلة قادرة على دعم نفسها وستظل تعتمد على المصادر الأمريكية في المستقبل القريب. لكن أمريكا لا تريد التزاما مفتوحا كهذا، فسوريا لم تكن أبدا موضوعا كبيرا في الأمن القومي الأمريكي. وظلت سياسة واشنطن محدودة بمنع تهديد النزاع هناك وتأثيره على مظاهر القلق الأمريكي في أماكن أخرى.

ومن هنا فالسياسة الأمريكية الحالية لا تعمل على تحقيق الهدف الأكبر، وبخاصة أنها لم تنجز الإصلاحات السياسية في دمشق وأعادت الاستقرار للبلاد أو تعاملت مع بقايا تنظيم الدولة الإسلامية. وسيعمل جوزيف بايدن جيدا لو سحب مئات الجنود الأمريكيين الذين تم نشرهم في سوريا وحول مهمة ملاحقة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية إلى روسيا وتركيا.

من الناحية الظاهرية صممت استراتيجية الولايات المتحدة في شمال- شرق سوريا لملاحقة بقايا تنظيم الدولة، إلا أن ما تبقى من أفراده يواصلون شن هجمات

فمن الناحية الظاهرية فقد صممت استراتيجية الولايات المتحدة في شمال- شرق سوريا لملاحقة بقايا تنظيم الدولة وحرمانه الفرصة لبناء منطقة آمنة للقيام بهجمات. ورغم الحملة الدولية التي دمرت الجماعة الإرهابية إلا أن ما تبقى من أفرادها يواصلون شن هجمات على مستويات منخفضة في كل من العراق وسوريا.

 ويضيف فورد أن دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية وقوات الحماية الشعبية الكردية يهدف لمساعدتها على احتواء تنظيم الدولة المسلحة بدون دعم خارجي أو انتشار واسع للقوات الأمريكية.

ورغم ما تحمله هذه الإستراتيجية من جاذبية إلا أنها قاصرة، ذلك أن حلفاء الولايات المتحدة الأكراد السوريين، فاقموا التوترات الإقليمية الموجودة بين العرب والأكراد. وهناك شعور بالحنق داخل المجتمعات العربية من سيطرة الأكراد بدعم أمريكي وتحكمهم بآبار النفط.

 واشتكى السكان العرب من فساد إدارة قوات سوريا الديمقراطية وعمليات مكافحة الإرهاب القاسية وممارسات التجنيد. وبدورها فجرت القوات الكردية سيارات مفخخة في البلدات العربية الواقعة تحت سيطرة الجيش التركي.

وفي هذا المناخ المشحون بالتوترات العرقية والقبلية يمكن لتنظيم الدولة العمل وبقبول تكتيكي من المجتمعات الموجودة وتجنيد أفراد منها لعملياته. وستظل الولايات المتحدة أمام مشكلة في شمال- شرق سوريا وبسبب تحيزها لدويلة كردية هناك. وأشار فورد إلى عيب آخر في استراتيجية الولايات المتحدة وهو أن تنظيم الدولة ليس منحصرا في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية مع القوات الأمريكية، فهو يعمل في المناطق التابعة للنظام السوري وحلفائه بمن فيهم روسيا وإيران.

وتمتد منطقة عمله على 200 ميل غرب نهر الفرات. ولو كان هدف نشر القوات الأمريكية هو منع تنظيم الدولة من بناء قاعدة عمليات له داخل سوريا فوجود القوات الأمريكية في شمال- شرق سوريا لن يحل المشكلة، ولا فرض العقوبات على نظام الأسد المقيت، لأن هذا سيجعل القوات التابعة له بمصادر قليلة لمواجهة الجماعة المتطرفة. كما أن النهج الأمريكي تنقصه نهاية اللعبة القابلة للإنجاز.

 وبدون الدعم الأمريكي ستواجه قوات سوريا الديمقراطية جبهتين أو ثلاثة، مع تركيا والحكومة السورية بحيث تركز قواتها على هذه الجبهات وتتخلى بالضرورة عن هدف ملاحقة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية. ولمنع هذا النتيجة فيجب على الولايات المتحدة البقاء في شمال- شرق سوريا وللأبد. ولو قررت تركيا وروسيا وإيران أو الحكومة السورية زيادة الضغط على القوات الأمريكية أو الدويلة الكردية الناشئة، فستجبر واشنطن على نشر مزيد من القوات وتوسيع المشكلة.

وهذا هو الحال عندما بدأت الوحدات العسكرية الروسية بمضايقة الدوريات الأمريكية في صيف 2020، مما أدى بالقيادة المركزية لإرسال وحدات مدرعة خفيفة للردع. وربما أصبح الوضع أسوأ في السنوات المقبلة.

عندما بدأت الوحدات العسكرية الروسية بمضايقة الدوريات الأمريكية في صيف 2020، أرسلت القيادة المركزية وحدات مدرعة خفيفة للردع

وفي ضوء مظاهر الضعف في السياسة الأمريكية في سوريا، فعلى الإدارة الجديدة البحث عن نهج مختلف وناجح يمكنه احتواء تنظيم الدولة بدون نشر قوات أمريكية في حرب لانهائية. وبدلا من الاستمرار في الإستراتيجية الجديدة، فعلى فريق بايدن وتركيزه الجديد على الدبلوماسية الاعتماد وبشكل قوي على كل من تركيا وروسيا. وربما بدا هذا النهج غير مريح، لكن الاعتراف بمصالح كل من تركيا وروسيا في سوريا قد يؤدي إلى نتائج أفضل.

وتظل روسيا شريكا غير تام، لكن دعمها للأسد يجعلها القوة المناسبة لتولي مهام ملاحقة تنظيم الدولة. ذلك أن موسكو ملتزمة ببقاء نظام الأسد، وعودة تنظيم الدولة بتمويل من آبار النفط بعد انتزاعها من قوات سوريا الديمقراطية يعتبر تهديدا لنظام دمشق.

ويمكن لإدارة بايدن استثمار هذه المساحة الضيقة المشتركة وتفوض عمليات ملاحقة التنظيم المتطرف على جانبي الفرات لموسكو. وهذا يعني زيادة الوجود العسكري الروسي بشكل يمنح واشنطن الفرصة للتفاوض على انسحاب مرحلي ونقل العملية من الولايات المتحدة إلى روسيا. إلا أن تسليم مهمة مكافحة تنظيم الدولة في شرق سوريا لن يلغي مخاطره وكذا الحاجة لمنعه من استخدام سوريا كقاعدة تهديد للولايات المتحدة وحلفائها.

وبالترادف مع الاتفاق الروسي يجب على واشنطن إقناع تركيا لتأمين حدودها الجنوبية. ولدى أنقرة الحافز للتعاون، خاصة أن تنظيم الدولة شن هجمات إرهابية داخل تركيا. ولكن إغلاق 600 ميل بالكامل سيكون صعبا، ويجب على أمريكا تزويد أنقرة بالتكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية لرصد حركة الإرهاب.

وسيظل التعاون مع تركيا صعبا حتى قبل دعم أمريكا لقوات حماية الشعب التي تعتبرها أنقرة جماعة إرهابية. ومع ذلك سيكون التعاون سهلا حالة أوقفت واشنطن دعمها للقوات الكردية. ويقوم الهدف الرئيسي لتركيا على منع نشوء كيان مستقل للأكراد في سوريا. ويجب على إدارة بايدن تجنب مفاجأة الأكراد بالترتيبات الجديدة بل وإخبارهم بها. فقد كانوا شركاء جيدين ضد تنظيم الدولة، ومن الحكمة بمكان استمرار روسيا التعاون معهم.

ولدى روسيا الخبرة في المنطقة، حيث أنشأ الروس وسلحوا ويشرفون على “الفيلق الخامس” الموالي لدمشق والذي يقوم بعمليات في أنحاء البلاد. ويمكن للروس إنشاء “فيلق سادس” بالتعاون مع الحكومة السورية وتضم إليه قوات سوريا الديمقراطية. وبشكل منفصل عن هذه الترتيبات يمكن لقوات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي التفاوض مع دمشق بشأن وضع المنطقة. ولهم علاقة مع النظام، ففي 2012 تفاوضوا على تسلم الإدارة من النظام بعد سحب قواته لمواجهة الانتفاضة في مناطق أخرى من البلاد. ويجب على حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري البناء على هذه التجربة وتأمين مواطنة متساوية وحق بالملكية لكل المواطنين في المنطقة والذين حرموا منها لسنوات طويلة. وترتيبات كهذه لن تؤدي إلى استقلالية تامة ولكنها ستكون ضمن سوريا فدرالية تطور أفضل عن الوضع القائم قبل الحرب. وقال فورد إن هناك أصواتا سترتفع في الولايات المتحدة حول ضرورة دعم أمريكا للأكراد باعتبارها مدينة لهم. ورغم مشاركتهم المقدرة في مواجهة تنظيم الدولة إلا أن أمريكا ليست مدينة لهذه المظلة العسكرية بتكاليف باهظة من أموال دافعي الضرائب. فمصلحة أمريكا القومية هي احتواء تنظيم الدولة وليس تحديد شكل الحكم في سوريا.

رغم مشاركتهم المقدرة في مواجهة تنظيم الدولة إلا أن أمريكا ليست مدينة للأكراد بتكاليف باهظة من أموال دافعي الضرائب. فمصلحة أمريكا القومية هي احتواء تنظيم الدولة وليس تحديد شكل الحكم في سوريا

وقال فورد إنه في النهاية على الولايات المتحدة الاعتراف بمحدودية قدرتها للتأثير على السياسة في سوريا. فقد حاول عندما كان سفيرا مع عدد من المسؤولين الأمريكيين مطالبة الأسد بالإصلاحات وبنجاح محدود. ومن جانبها، استخدمت إدارة دونالد ترامب العقوبات المالية والسيطرة على منابع النفط لإجبار دمشق على التغيير. لكن دمشق لم تتحرك، فعادة ما يتفوق النظام بتعقيد المحادثات التي رعتها الأمم المتحدة في جنيف. وبالنسبة للأسد وزمرته فالنزاع هو لعبة صفرية تقود فيها المطالب بالإصلاح والحكم الذاتي إلى عدم استقرار وتتحدى الحكم وتقود إلى دعوات للمحاسبة لا يريدونها. ونظام الأسد يحارب بناء على افتراض أن أي إصلاح سيقصر من عمره. ولهذا فسيطرة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية على منابع النفط لن تغير من حساباته. وهناك من ناقش أن انسحاب أمريكا من سوريا يمنح روسيا وإيران الحرية المطلقة.

 ويتجاهل هذا النقاش علاقات البلدين الطويلة مع نظام عائلة الأسد. وتعاونت روسيا مع دمشق أثناء الحرب الباردة وقدمت مستشارين عملوا هناك قبل الحرب الأخيرة في 2011. أما إيران فوجودها قديم و”عندما كنت سفيرا في سوريا قبل 10 أعوام سكن الدبلوماسيون الأمريكيون بناية سكن في شققها أفراد من الحرس الثوري الإيراني. ومنشآت الحرس الثوري في سوريا موجودة منذ 20 عاما”، لكل هذا فدوريات أمريكية صغيرة في شرق سوريا لن تغير من علاقات النظام مع البلدين، ولن تمنع وصول الأسلحة الإيرانية إلى البلد، وهو ما يقوم بعمله الطيران الإسرائيلي.

وربما واصل بايدن سياسة ترامب، لكن هذا يعني تضييع مليارات الدولارات ومفاقمة التوترات المجتمعية والفشل في احتواء تنظيم الدولة. ولأن أهداف الولايات المتحدة محدودة في سوريا فيجب ألا تدفع ثمنا باهظا من أجلها. وأي شيء تدفعه يجب أن يحول لمواجهة مشكلة اللاجئين الضخمة. ومن الأفضل السماح لتركيا وروسيا متابعة مصالحهما القومية وتحمل عبء احتواء تنظيم الدولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية