سفينة فوكو للمعاتيه تجوب العالم من جديد

خاض أفلاطون معارك فكرية انتصرت فيها فلسفته التي عملت على نقد المتغيرات من أجل إصلاح ما يشوب المجتمع من نقائص. ولما وضع يده على ما يشوب المجتمع من آفات نتيجة لسوء الإدارة، قام بتأليف كتابه الشهير «الجمهورية» Republic، أو كما يُعرَف باسم «جمهورية أفلاطون» الذي يعدّ بمثابة وثيقة فكرية تتناقلها الأجيال. وفي الجزء السادس من الكتاب، ساق أفلاطون وصفا للحالة السياسية حين ذاك، من خلال مجاز سفينة يتألَّف كامل طاقمها من معاتيه، وكان ذلك المجاز من القوَّة التي جعلت الأدباء والفنانين يتلقَّفونه عبر قرون من الزمان ويعبِّرون عنه بطرق مختلفة، خاصةً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وفي القرن العشرين، تناول المجاز نفسه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault (1926-1984) ، لكن من منظور اجتماعي بحت. ويذكر فوكو في كتابه «الجنون والحضارة: تاريخ الجنون في عصر العقل» Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason (1988) أنّ في العصور الوسطى في أوروبا، عندما تفشَّى مرض الجذام، اعتبر الجميع أن هذه وسيلة يظهر بها الخالق غضبه على المجتمع، وإن كان، في الوقت نفسه، دليلاً على عظمته وقدرته. وللخلاص من مظاهر غضب الخالق، كان من المحتَّم عزل كل من يتمثَّل الشرّ فيه، ألا وهم المصابون بالجذام، لكنه لاحظ أنه حتى مع اختفاء ذاك المرض، استمرَّت ظاهرة العزل في عصر النهضة، بل ملأ المعاتيه الفراغ الذي كان يسدُّه المجذومون. فقام المجتمع بحبس المعاتيه في منشآت قائمة في داخل مدن في قلب المجتمع، وإن كانوا كامنين في غياهب طيَّاته، وكأنَّ لم يكن لهم وجود من قبل.
وبتهميش المعاتيه، حرمهم المجتمع من فرصة التعايش، ومنعهم من مكانتهم داخل المجتمع عندما كان يُنظر لهم بتقدير، ويتم التنقيب عن عميق الأفكار في ما يتفوَّهون به. وبذلك، اختفت حكمة «خذوا الحكمة من أفواه المجانين» ومعها اختفى نموذج «المهرِّج الحكيم» The Wise Fool، بل تُرِك المعاتيه حبيسي جدران صلبة يعانون من الوحدة وتفاقم المرض؛ فاختفت الحكمة من كلامهم وتبوَّأ مكانها شعور دائم بالخوف والرهبة يتجيه العقاقير الدوائية، التي تنال من عقولهم قبل أن تنال من أجسادهم.
ومن المنظور نفسه، يظهر مصطلح «سفينة المعاتيه» كما يقصده فوكو في العصر الحالي، حيث التقدُّم العلمي غير المسبوق، الذي أهدى للبشرية نهضة رقمية تغلغلت سريعا في ثنايا المجتمع. وعلى عكس ما انتظرته البشرية، عملت الثورة الرقمية على تفاقم حالة من الرعب والعزلة الناجمة من الاحتجاز وراء جدران. ومن الجدير بالذكر أن هناك نوعين من الاحتجاز في الوقت الرَّاهن، أحدهما اختيارى والآخر قسري، فقد اختار الإنسان الحديث، كما يتجلَّى ذلك بصورة فجَّة، بين أطياف الأجيال الناشئة وبالتاكيد القادمة، أن يحبسوا أنفسهم فعليا داخل جدران منشآت قد تكون فاخرة، أو حتَّى مجازًا في أماكن مفتوحة؛ حيث أنهم اختاروا حبس أفكارهم وتركيزهم في سجن العالم الافتراضي الذي يجدون فيه سلوى وتحقيقا للذات، تماما كما يحدث للمعتوه، الذي يجد في هلاوسه ملجأ يواسيه، ويخفف عنه أحزانه.

من المُحزِن أن الأجيال الناشئة هي من تبحث عن اعتلاء متن سفينة المعاتيه، تمهيدا لعزل نفسها في واقع افتراضي بديل، يضع الإنسان في مرتبة أدنى وأقل ذكاء من الآلة التي عمل أسلافه على اختراعها وتطويرها.

بيد أن الرعب الحقيقي المنتظر هو ذاك الذي مصدره الروبوتات التي تتمكَّن من كسر جدران عزلتها القسرية شيئا فشيئا، فقد طلّ الذكاء الاصطناعي على المجتمع، كاسرا جدار عزلته من خلال تطبيقات جاذبة وفَّرت على شعوب العالم الكثير من الجهد، وفتحت أمامهم آفاقا جديدة من الآمال والتطوُّر. فعلى سبيل المثال، برنامج غوغل جعل جميع العلوم والفنون متاحة بضغطة زر، وبأدنى مجهود يمكن الحصول على أفضل النتائج. أمَّا برامج الخرائط المتاحة عبر الأقمار الصناعية، فقد كسرت حاجز الخوف الذي قد يصيب المرء عند شعوره بالضياع لعدم القدرة على بلوغ وجهته، أو عدم العثور على عنوان ما. وبالنظر للهاتف الذكي، وصوله كان تتويجا لإظهار القدرات الفائقة للروبوتات التي الذكاء الاصطناعي عمادها. فوجود هاتف نقَّال مع المرء جعله على يقين في أنه قادر على تحقيق الكثير، لكن فتحه على شبكة الإنترنت، وما يوجد فيها من معارف أصبحت لا نهائية، ختم على فكره عقيدة أنه قد ملك الحياة من مشرقها إلى مغربها. ومن ثمَّ، ازداد مقدار الثقة في التطبيقات الذكيَّة، وظهر ذلك في صورة اعتماد شبه كامل عليها. وبعد أن كان البشر يقمعون وجودها وقتما شاؤوا، استطاعت التطبيقات الذكية بنعومة التسلل داخل كيان الإنسان إلى أن أدمنها وصارت لها سلطة على مسيرة حياته وأيديولوجياته. وبعد أن كانت وسيلة معلوماتية، صارت بابا للدخول إلى عوالم تتلاشى فيها إرادة الإنسان، وأداة لنهب لبُّه ووقته في أشياء لا طائل منها. فقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة الصديق الآمن للجميع، وإن صارت له اليد الطولى؛ ففي حضرته يتحوَّل المرء إلى متلقٍّ سلبي، قانع بما يقدِّمه له الذكاء الاصطناعي من اختيارات متنوِّعة لمشاهدتها والاستغراق معها في متعة، الغرض منها سلب لبُّه من القدرة على التفكير، وتحويله إلى معتوه معزول غير قادر على التعبير عن نفسه، أو حتى التفوُّه بحكمة بين الحين والآخر، كما كان المعاتيه يفعلون قبل عزلهم.
ويلاحظ مؤخَّراً تغيُّر في نظرة العالم للتطوُّر الرقمي، فلم يعد الوضع يتأرجح بين رافض ومؤيِّد، بل هناك تسليم شبه كامل بالقفزات اليومية لهذا التطوُّر المتسارع. وعلى عكس الحكومات التي تخشى البطالة، التي ستتفشَّى قريبا بسبب الإحلال شبه الكلُّي للبشر بالروبوتات، تُسلِّم المنظومات والأجيال الناشئة بهذا التطوُّر، وتجده تطوُّرا واجبا ومسلَّما به في مسيرة التقدُّم. ومن الجدير بالذكر أنه إبَّان الثورة الصناعية الأولى، التي بدأت في بريطانيا عام 1860، انتشرت المظاهرات داخل البلاد بسبب طرد العمال من وظائفهم، بل بلغت حدَّة الأمور ذروتها عندما عمد العمال إلى تكسير الآلات. أما حاليا، فالأجيال الجديدة تحتفي بالوضع؛ لاعتقادهم أن العالم يخوض ثورة صناعية نهضوية، من شأنها تغيير وجه الحياة على كوكب الأرض. فالأجيال الجديدة تفكِّر في تطوُّر سوف تتمتَّع بفتات ما يطولها منه من تطبيقات ذكيَّة، في حين أنها تتغافل عن مصيرها في خضم ذاك التطوُّر الذي سيعمل على تآكل دور الإنسان الفاعل في كل مجريات الحياة. من المُحزِن أن الأجيال الناشئة هي من تبحث عن اعتلاء متن سفينة المعاتيه، تمهيدا لعزل نفسها في واقع افتراضي بديل، يضع الإنسان في مرتبة أدنى وأقل ذكاء من الآلة التي عمل أسلافه على اختراعها وتطويرها.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية