لندن-»القدس العربي»: أشعلت أزمة السفينة الجانحة في قناة السويس موجة من الجدل بشأن وسائل الإعلام المصرية ومدى مصداقيتها، كما جددت الانتقادات حول الشفافية الحكومية ومدى صحة المعلومات التي يُعلنها النظام في مصر، وذلك بعد أن رصد العديد من الصحافيين العرب والأجانب وبعض وسائل الإعلام تضارباً في المعلومات.
وأثارت بعض المقاطع التلفزيونية التي بثتها قنوات مصرية موجة من السخرية أيضا بسبب كيفية التعاطي مع أزمة السفينة الجانحة، فيما ربط بعض المتابعين بين الحملات الإعلامية المنظمة التي تقوم بها وسائل الإعلام المقربة من الحكومة في مصر وبين التعاطي مع حادثة السفينة الجانحة في قناة السويس، حيث رددت القنوات نفس الروايات المتضاربة التي تسببت بحالة من الضبابية حول ما يجري في القناة المائية الدولية.
وتسببت أزمة جنوج سفينة عملاقة تابعة لشركة الشحن العالمية «إيفرغرين» بإغلاق كامل لمدة أسبوع لقناة السويس، وهي القناة التي تعتبر الممر المائي الأهم في العالم، حيث أن نحو 15في المئة من حركة الشحن البحري في العالم تمر من هناك، كما أن 10في المئة من نفط العالم و8 في المئة من الغاز المسال في العالم يتدفق عبر القناة بواسطة هذه الناقلات العملاقة يومياً.
وجنحت سفينة «إيفرغرين» في عرض قناة السويس وتسببت بإغلاقها بشكل كامل منذ صباح يوم الثلاثاء 23 آذار/مارس الماضي وحتى مساء يوم الاثنين الذي يليه، حيث يبلغ طول السفينة العملاقة 400 متر بينما يبلغ عرض القناة 335 متراً، حيث جنحت السفينة بفعل الرياح القوية فعلقت في طرفي القناة ولم تعد قادرة على الحركة، فيما كانت سفينة الشحن العملاقة محملة ببضائع يبلغ 224 ألف طن، الأمر الذي فاقم من المشكلة وجعل تحريك الناقلة العملاقة أمراً صعباً.
وبحسب ما رصدت «القدس العربي» فقد أصدرت هيئة قناة السويس أول بيان رسمي لها عن الحادثة بعد أكثر من 24 ساعة على وقوعها، أي يوم الأربعاء الـ24 من آذار/مارس، وفي اليوم التالي أعلنت انتهاء الأزمة وإعادة فتح القناة ليتبين سريعاً بأنها ما زالت مغلقة وأن السفن أصبحت مكدسة في عرض البحر تنتظر العبور، فيما بدأت شركات الشحن العالمية بتحيل مسارات سفنها إلى الطرق البديلة بعد اكتشاف أن القناة ما زالت مغلقة، فيما ظلت تتضارب الأنباء بعد ذلك إلى أن تم فتح القناة فعلاً مساء الاثنين الماضي الـ29 من آذار/مارس.
وتواصل التضارب في البيانات والمعلومات المصرية إلى ما بعد انتهاء الأزمة، لتكشف الصحافة الغربية ووسائل الإعلام في أوروبا وأمريكا أن قاطرات هولندية وإيطالية هي التي قامت بحل الأزمة بعد أن فشلت المعدات المصرية في ذلك، فيما لم تكن أي من وسائل الإعلام المصرية أو البيانات الحكومية قد أوردت أي معلومات عن المساعدات الأجنبية في تحرير السفينة الجانحة بعرض القناة.
صحافي بريطاني ينتقد
وكتب الصحافي البريطاني المتخصص بشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست مقالاً انتقد فيه «التعتيم الإعلامي» الذي مارسته السلطات المصرية خلال الأزمة، مستخلصاً من هذه الأزمة أن «تعامل مصر البائس مع إغلاق السويس، وإخفاقها يؤكد ما يشكله هذا النظام من خطر على التجارة والاستقرار الدوليين».
وأضاف هيرست في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي» تحت عنوان «قناة السويس: السيسي خطر ليس فقط على مصر وإنما على العالم بأسره».
وتابع: «على مدى 26 ساعة لم تكن هناك كلمة واحدة حول القناة المغلقة، بينما بدأت السفن تتجمع في البحر المتوسط وفي البحر الأحمر، وحول سفينة إيفر غيفين نفسها. بدلاً من ذلك أصدرت هيئة قناة السويس بياناً صحافياً أعلنت فيه العبور الناجح لباخرة سياحية إيطالية على متنها 65 حالة إصابة بفيروس كورونا».
ويقول هيرست: «في البداية ساد تعتيم إعلامي. ثم يوم الأربعاء بدأ الكذب يتوالى على قدم وساق، حيث أشار أول بيان رسمي إلى أن الجهود ما تزال مستمرة لإعادة فتح القناة. قللت هيئة قناة السويس من الآثار المترتبة على الملاحة ووجهت رسالة تطمينات تؤكد أن الملاحة سوف تستمر كالمعتاد. وفيما يبدو أنه مسعى لتعزيز تلك الرسالة سمحت الهيئة لقافلة من السفن بالدخول من الطرف الشمالي عند بورسعيد في الرابع والعشرين من آذار/مارس».
ويشير هيرست إلى أن «هيئة قناة السويس حذرت الصحافيين من الانجرار وراء أي أخبار أو إشاعات حول أخطر حادث ينجم عنه إغلاق القناة منذ الحرب العربية الإسرائيلية في 1973 وألا يعتمدوا إلا على البيانات الصادرة عنها هي. لم يحتج الصحافيون المصريون أي تشجيع حتى يلتزموا بالإرشادات التي وجهت إليهم. بل راحوا يغذون معمل الدعاية من خلال الاحتفال ببيان الهيئة والزعم بأن السفينة قد أعيد تعويمها. وحتى حاولوا إثبات ذلك من خلال عرض صور من الأقمار الصناعية، رغم أن الصور نفسها كانت تظهر السفينة محشورة في نفس المكان لم تحرك ساكناً».
وخلص هيرست إلى انتقاد لاذع للحكومة في مصر ووسائل الإعلام المحلية المقربة منها، حيث يقول: «إن الحكومة المصرية متمرسة في الكذب، فهي تكذب على شعبها كل يوم، ولكنها في أوقات الأزمات تكذب أيضاً على المجتمع الدولي».
الغارديان: سفن أجنبية حلت الأزمة
وفي وقت لاحق لانتهاء أزمة قناة السويس وإعلان السلطات المصرية نجاحها في تحريك السفينة الجانحة فاجأت جريدة «الغارديان» البريطانية قراءها بأن قاطرتين كبيرتين من هولندا واليابان ساعدتا الفرق المصرية في تعديل مسار السفينة، كما لفتت الصحيفة إلى أن ضوء القمر والمد البحري كانا من العوامل التي ساعدت في إنهاء الأزمة بعد أسبوع من بدايتها.
وأوضحت «الغارديان» أن الكميات الهائلة من الرمال التي تم تجريفها ساعدت قليلا لكن المساعدة الأبرز كانت باكتمال القمر وارتفاع المد، خاصة أن الاعتقاد ساد بوجود صخرة كبيرة أسفل مقدمة السفينة وهو التخوف الذي كان يتطلب مزيدا من الحفر.
وأضافت: «على مدى خمسة أيام بلياليهن، استمر فريق من العمال المصريين والهولنديين واليابانيين في تجريف كميات هائلة من الرمل وحاولوا سحب السفينة وتحريرها باستخدام ما يزيد عن عشرة من قوارب القطر العادية».
وجاءت هذه المعلومات عبر «الغارديان» في الوقت الذي استنفرت فيه وسائل الإعلام المقربة من الحكومة في مصر من أجل التسويق إلى أن هيئة قناة السويس سجلت نجاحاً كبيرا في إدارة الأزمة وتجاوزها، وذلك بعد أيام من إنكار وجود الأزمة أصلاً وعدم الاعتراف بأنه توجد سفينة عالقة في عرض القناة وأن الملاحة متوقفة بشكل كامل.
جدل على شبكات التواصل
واشتعلت موجة من الجدل والانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي بسبب التعتيم الإعلامي على الأزمة، وطالت الانتقادات وسائل الإعلام والحكومة على حد سواء، كما التفت كثيرون إلى التضارب في المعلومات والضبابية وعدم الوضوح بشأن ما يجري.
وانتقد الكاتب الصحافي أيمن الصياد تغطية الإعلام للحادث بالقول في تغريدة على «تويتر»: «أن تجنح سفينة في مجرى مائي، فلا جديد في الأمر. جنوح السفن أمرٌ معتاد في كل مكان. أن تكون في مصر، ثم تُضطر للبحث عن أخبار السفينة الجانحة في إعلام (غير مصري) فلا جديد أيضاً في الأمر.. للأسف».
وهاجم الصحافي محمد الجارحي المدافعين عن النظام قائلاً: «الناس المحموقة واللي متضايقة من الكتابة عن حادث قناة السويس. غالباً ما تابعوش السخرية والتريقة علينا على السوشيال ميديا في العالم كله.. بطلوا تبرروا وخلاص».
وتصدرت الوسوم «#قناة_السويس» و»#السفينة_الجانحة» و»#suezcanal» قوائم الوسوم الأكثر تداولاً في مصر والكثير من دول العالم للتعليق على ما يجري في قناة السويس والتضارب في المعلومات بشأن ما يحدث هناك.
سخرية بسبب سمعة السفينة
وقال الإعلامي أحمد موسى خلال برنامج «على مسؤوليتي» على قناة «صدى البلد» إن السفينة الجانحة بقناة السويس سيئة السمعة، وإن شركة «إيفر غيفن» لديها مشاكل هائلة وتاريخ سيئ في ألمانيا وتايوان ومصر.
وأثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية، حيث كتبت إحدى الناشطات المصريات: «شكرا أيتها السفينة سيئة السمعة عرفتينا حجم الفساد والسرقة في مصر». فيما غرد هشام مبارك ساخراً: «شلون سيئة السمعة مسكتوها في شقة مفروشة».
وسخر آخر من حديث موسى بالقول: «كلام مزبوط وشفتها بنفسي ماشية مع لنش وفيه حاجات مش كويسة مش هقدر أقولها عيب».