سعد الياس:
بيروت – ‘القدس العربي’ منذ وصول السفير الايراني الجديد غضنفر ركن أبادي الى لبنان، شعر اللبنانيون بحركة ايرانية لافتة توّجت بزيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الى بيروت ثم بزيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الى طهران على رأس وفد وزاري جرى خلالها التوقيع على 25 اتفاقية تعاون رغم كل ما يعتري العلاقة بين لبنان وايران من اتهامات حول تلقّي حزب الله تعليماته من ‘ولاية الفقيه’. والدلالة الأكثر تعبيراً في السياسة الايرانية الانفتاحية هي قيام السفير أبادي الذي يتكلم اللغة العربية فور تسلّمه مهامه الدبلوماسية في لبنان بوضع إكليل من الزهر على ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مباشرة بعد زيارته ضريح القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية، اضافة الى مشاركته مرتين في الصلاة خلف مفتي الجمهورية السنّي الشيخ محمد رشيد قباني في مسجد الأمين، ثم قيامه بزيارة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير موجّهاً اليه الدعوة لزيارة طهران لم يرَ البطريرك صفير موجباً لتلبيتها في الوقت الحاضر تاركاً شأن مثل هذه الزيارة للسياسيين.
ويأتي هذا التطور في العلاقات الايرانية اللبنانية بعد مرحلة حادة من التوتر طال فيها ايران ما طال سورية من قبل فريق 14 آذار الذي كال الاتهامات على مدى سنوات منذ ما بعد اغتيال الرئيس الحريري لما سمّاه ‘المحور السوري الايراني’. فيما بدأ البعض في 14 آذار يعتبر في مجالسه الخاصة أن الجمهورية الاسلامية الايرانية تتعامل مع لبنان من دولة الى دولة في كثير من الاحيان رغم دعمها الكبير لحزب بعينه هو حزب الله.
وفي دليل جديد على الانفتاح الايراني اللقاء الذي تمّ في بكفيا بين السفير أبادي ورئيس حزب الكتائب امين الجميّل والذي أعقبه غداء في السفارة رغم أن نجل الجميّل النائب سامي الجميّل كان هاجم ولاية الفقيه واعتبر في تصنيفه للعمالة أن ‘كل من يعتبر نفسه جندياً في ولاية الفقيه هو عميل’. وتبع لقاء الجميّل لقاء آخر بين أبادي والوزيرة السابقة نايلة معوض ونجلها ميشال رئيس حركة الاستقلال. وفيما ترقّب الجميع أن تُستتبع الحركة الانفتاحية الايرانية بلقاء مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع ولاسيما بعد لقاء عمل جمع السفير الايراني بوزير القوات سليم وردة، غير أن اللافت هو تأكيد أبادي أنه لا يمكنه الجلوس وجهاً لوجه مع جعجع قبل حلّ قضية الدبلوماسيين الايرانيين الأربعة الذين تقول ايران إنهم خطفوا في العام 1982 على حاجز للقوات اللبنانية في منطقة البربارة في البترون. وعدا جعجع يقول السفير أبادي إن السفارة الإيرانية تفتح أبوابها أمام كل راغب أو متجاوب مع سياسة طهران الانفتاحية القائمة على أربعة عناوين عامة يحسن السفير الجديد الذي يتحدث بالعربية تسويقها عند خصوم الأمس وهي: دعم الوحدة الوطنية، الوقوف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين في مواجهة عدو واحد هو إسرائيل مع الحفاظ على الصداقات الخاصة مع حلفاء طهران في لبنان، التزام بدعم حركات المقاومة والتحرّر في لبنان والمنطقة، ودعم الحكومة اللبنانية ودعم أي مسعى في اتجاه توحيد الأطراف اللبنانية وتكثيف الزيارات الرسمية المتبادلة.
في المقابل، فإن رئيس الهيئة التنفيذية في القوات الذي غادر بالامس لبنان مع عقيلته لتمضية الاعياد خارج لبنان كان أكد أن الا اتصالات مع السفارة الايرانية من دون اسباب محددة’، وشدّد على اان ابواب معراب مفتوحة لجميع السفراء المعتمدين في لبنان بمن فيهم سفير ايران الذي يعرف تمام المعرفة مصير الدبلوماسيين الاربعة، وان لا علاقة لي في هذا الملف الذي تمّت التحقيقات فيه في لبنان والخارج واطلع على نتائج ما افضت اليهب. وأضاف اانه لامر مستغرب بعد كل ما تبيّن أن يوجه الينا الاتهام مجدداً’. وكان جعجع علّق على القمة الايرانية القطرية الاخيرة فرأى اان ما بحث بين الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليس ملف المحكمة الدولية وانما طريقة مواكبة اعمال المحكمة لان البحث في عمل المحكمة ليس وارداً بين اي دولتين مهما علا شأنهماب.
واللافت أن جعجع كان شارك في الغداء الرسمي الذي أقامه الرئيس اللبناني ميشال سليمان على شرف الرئيس الايراني في بعبدا، وخرج من القصر لينوّه بخطاب نجاد كرئيس دولة قبل أن يعود لينتقد مثله مثل غيره من قيادات 14 آذار خطاب نجاد في الضاحية الجنوبية وبنت جبيل.
وفي ردّ على اقفال ابواب السفارة الايرانية في وجه جعجع، قال رئيس ‘حركة التغيير’ عضو قوى 14 آذار ايلي محفوض ‘ كون السفير الايراني فتح أخيراً باب السفارة للراغبين في الغداء والعشاء، فقد اختلطت عليه الأمور لدرجة اعتقد خطأ أنّ موائده يمكنها أن تجهّل الأزمة الحقيقية في لبنان والمتمثلة اليوم بسلاح غير شرعي مع حزب ايديولوجي لا تتوافق ثقافته على الاطلاق مع ثقافة الحياة اللبنانية، واذا كان السفير غضنفر اعتقد خطأ أنّ إتقانه للغة العربية ولو بركاكة يمكن أن يعوّض الدور غير الايجابي لإيران في الساحة المحلية، هنا أيضا يكون سعادة السفير أضلّ طريقه اللبنانية، لذا عليه البحث عن بوصلة لبنانية حقيقية، وحسنا فعل بإقفال أبواب سفارته في وجه سمير جعجع، وهذه خطوة نؤيدها ونشدّ على يديه لكي يستمر في هذا المنهج والاسلوب اللذين يفصحان حقيقة عن مرامي الأهداف الايرانية في لبنان، والسفراء عادة لا يتخذون قرارات في لحظة غضب، واقفال ابواب سفارتك لن يمنعنا من فتح أبوابنا لأصدقاء لبنان الحقيقيين، ونحن شعب نجيد حسن الضيافة، واذا كان السفير يغمز من قناة الدبلوماسيين الأربعة الذين خطفوا في لبنان، فما عليه سوى فتح تحقيق حقيقي وموضوعي لكي يكتشف الحقيقة التي لن تعجبه طبعا ولن تعجب حلفاءه’. وكانت التحليلات الاعلامية والسياسية في لبنان أجمعت بعد موقف مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية الامام علي خامنئي من موضوع المحكمة الدولية على خفض منسوب التفاؤل بالتوصل الى تسوية للقرار الاتهامي.
واعتبر البعض أن هذا الموقف المفاجىء اعطى الغطاء الشرعي والديني لحزب الله لنقض المحكمة الا ان اخطر ما فيه هو انه وضع لبنان في مكان لا يمت اليه بصلة، فأخضعه للفتاوى الدينية لا للنظم والالتزامات الاقليمية والدولية’.