محزنة سقطة المغنية السورية ميادة الحناوي على خشبة مسرح صفاقس التونسي أثناء الغناء. محزن أكثر إصرارها على المتابعة بعد السقوط في محاولة عبثية لإثبات أنها ما زالت قادرة على الوقوف والغناء. فالمغنية ومنذ أكثر من عشرين عاماً لم يعد صوتها على ما يرام، ومن تسنى له حضورها مباشرة في حفل لا بدّ أنه استطاع إدراك أفول صوت غنى وأطرب ذات يوم مع أغنيات مثل «أنا بعشقك»، «فاتت سنة»، «الحب اللي كان».. وسواها من ألحان الراحل الكبير بليغ حمدي وغيره من ملحنين.
كان لسقوط مماثل في عزّ العطاء والتألق أن يثير مشاعر أخرى غير الشفقة، أما هنا، في الإصرار على غناء نشاز لأكثر من عقدين، في المكابرة على الظهور في مهرجانات وحفلات، ولا كأن كل هذا الزمن قد مرّ على أدوات المرء وعدة شغله، فهو يدعو للرثاء، ربما لرثاء الإنسان عموماً في ضعفه وهشاشته وقلّة حيلته، هو مالئ الدنيا وشاغل الناس والشاشات في كل الأوقات، من دون أن يقوى على مقاومة القشعريرة في لحظة أخرى: قالوا لي إنني كل شيء، أكذوبة فاضحة، فأنا لست محصناً ضد القشعريرة (الملك لير).
هل كان سقوط الحناوي مفاجئاً حقاً، مثلما جاء سقوط رئيس ثمانيني على الهواء مباشرة أثناء أحد اللقاءات الرئاسية العربية؟ رغم أن المغنية ليست متقدمة في السن إلى هذا الحد، ولكن ما الذي كانت تفعله هناك؟ تغني؟! وقد تهرّأ صوتها منذ زمن بعيد!
كلنا يقول أمام مشهد من هذا النوع ليت المبدع يستطيع تحديد اللحظة المناسبة للاعتكاف، أن يكون قادراً على اتخاذ قرار الاعتزال وهو في أوج عطائه قبل أن يتحوّل إلى أضحوكة، أو إلى مشهد مثير للشفقة والعطف. لقد شهدنا مراراً، من نجوم الغناء والكتابة والإبداع عموماً، إصراراً على «العطاء» دون المستوى المشهود لهم، ولم يكن ذلك لدقيقة واحدة إضافية فوق الألق، بل امتد الأمر لعقود، ولنتذكر المغنية الراحلة صباح، وقد بات إصرارها على اعتلاء الشاشات ومنابر الغناء أسطورياً أكثر من صوتها نفسه. بل انظروا لرئيس عربي ظل متعلقاً بكرسي الحكم، حتى لم نعد نتذكر من مواهبه سوى ذلك التشبّث، ولنتذكر كذلك مبدعين ثابروا على الكتابة طويلاً رغم أسئلة قرائهم اليومية إن كان هذا الكاتب هو نفسه الذي كتب تلك الروائع ذات يوم.
عندما بلغ ماكبث، الشخصية الشكسبيرية الشريرة الشهيرة، نبأ موت زوجته قال ذلك المونولوج المعروف «ألا انطفئي يا شمعةً وجيزة، ما الحياةُ إلا ظلٌ يمشي، ممثلٌ مسكين يستشيطُ ساعتَه ويتبختر على المسرح، ثمّ لا يسمعه أحد». لقد شبّه شكسبير لحظة الموت والانطفاء تلك بذلك الممثل المسكين في لحظة لا يسمعه فيها أحد. إنها أقسى من الموت نفسه.
عندما بلغ ماكبث، الشخصية الشكسبيرية الشريرة الشهيرة، نبأ موت زوجته قال ذلك المونولوج المعروف «ألا انطفئي يا شمعةً وجيزة، ما الحياةُ إلا ظلٌ يمشي، ممثلٌ مسكين يستشيطُ ساعتَه ويتبختر على المسرح، ثمّ لا يسمعه أحد». لقد شبّه شكسبير لحظة الموت والانطفاء تلك بذلك الممثل المسكين في لحظة لا يسمعه فيها أحد. إنها أقسى من الموت نفسه.
مع كل ذلك، لن يتجرأ أحد ليقول لعادل إمام وصباح فخري ودريد لحام وأدونيس وجورج وسوف وسواهم اعتزلوا، ما دام الجمهور جاهزاً كي يدفع ليعاين بأم العين لحظة انهيار أصنامه. الأولى القول للجمهور متى يكفّ عن الدفع.
تحت قنابل دمشق
استمعتُ لحلقة من برنامج «ضيف الثقافة» على إذاعة «مونت كارلو الدولية» وهي تحاور أستاذاً جامعياً سورياً يدرّس في واحدة من جامعات فرنسا، يتحدث على هامش الحوار عن رواية يكتبها باللغة الفرنسية بعنوان «تحت قنابل دمشق»، ويتوجه بها للقارئ الفرنسي: «أعتقد أن القارئ الفرنسي عليه أن يعرف ما حصل بالضبط، وبحيادية كبيرة جداً، من دون انحياز لأي طرف».
لكن بعد العبارة أعلاه تجده يقول «أنا خرجت (من سوريا) بعد أن انتهت الحرب، ولم أخرج هرباً من الحرب. أتيت هنا للتدريس، فرصة للتقدم العلمي»، وهي النغمة نفسها التي اعتادها موالو النظام السوري، ومن في حكمهم، تلك التي تدين اللاجئين ولا ترى فيهم سوى هاربين، إنه حتى لا يعترف بحقهم في الخوف، ومن اللجوء خوفاً، فما بالك بمعارضة النظام.
موالو النظام السوري، ومن في حكمهم، اعتادوا على إدانة اللاجئين والنظر إليهم كمجرد هاربين. إنهم حتى لا يعترفون بحقهم في الخوف، باللجوء خوفاً، وفي ذلك إنكار ضمنيّ لفظائع النظام، وبالتالي عدم الحق في معارضته.
لن تتعب كثيراً عندما تحاول اختبار «حيادية» الأستاذ الجامعي، و«عدم انحياز» روائي المستقبل، فوراً ستعثر على رثائيته لأحد المدافعين الأشداء عن النظام، ذاك الذي يقف على يمين نظامه، وله تصريحات مدوية، من بينها ما يتوعّد اللاجئين إن سوّلت لهم نفوسهم العودة إلى بلدهم، يقول الروائي السوري في رثائيته: «العميد البطل عصام زهر الدين/ شهيداً يروي بدمائه الطاهرة ترابك سوريا/الرحمة لروحك الطاهرة/ لك المراثي أيها القديس/ لك ولأمثالك الشجعان ذاكرة حية في نفوس السوريين. ارقد بسلام/ هنيئاً لك/ مجداً لسوريا بك أيها العظيم/.
لا ينكر المرء على الأستاذ الجامعي حقه في الرثاء لأي كان، لكن نرجو، مع هذا التقديس لأحد ممثلي القتل البارزين، أن لا يحاول إقناعنا ثانية بالحياد.

الفنان السوري زكي كورديللو
أكاديمي محايد!
الأستاذ الجامعي السوري يلقي سلسلة محاضرات في الفن السوري في إحدى جامعات فرنسا. وحسب تلخيص له نلاحظ أنه أفرد جزءاً لا بأس به من حديثه لفن خيال الظل. أتى على تجربة عبد الرزاق الذهبي، وشادي الحلاق وأبيه رشيد الحلاق أبو شادي، ولم ينس حتى أن يذكر عرضاً للممثل كفاح الخوص. كيف طاوعه ضميره المهني (وهو كان يتحدث عن الضمير فيما يلخص تلك المحاضرات بنفسه) أن يتجاهل اسم زكي كورديللو، وهو أبرز المخايلين السورييين المعاصرين، وقد يكون الأكاديمي الوحيد من بينهم. لكنه يقبع (مع ابنه الممثل مهيار) في سجون النظام السوري منذ سنوات من دون أي خبر أو علم عن مصيره.
كان يمكن أن لا نلتفت إلى تجاهل اعتقال كورديللو منذ سنوات في سجون نظامك، كنا قلنا إنك باحث ولا تريد أن تدخل في السياسة، لكن إغفال تجربة كورديللو الفنية نهائياً لا يمكن أن يكون بريئاً، أو حيادياً وغير منحاز!
كان يمكن أن لا نلتفت إلى تجاهل اعتقال كورديللو منذ سنوات في سجون نظامك، كنا قلنا إنك باحث ولا تريد أن تدخل في السياسة، لكن إغفال تجربة كورديللو الفنية نهائياً لا يمكن أن يكون بريئاً، أو حيادياً وغير منحاز!
٭ كاتب فلسطيني سوري