الثورات الكبرى عبر كل تاريخ الجنس البشري كانت فعلا تغييريا عنيفا معبرا عن ارادة الواقعين تحت نير الغبن الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي والقمع السياسي، للاطاحة بالمتسلط.. سواء كان المتسلط حاكما أم حكومة أم نظاما حاكما؛ وإلا لما كان الثوار ثوارا، بل عصابات مافياوية هي أشد شرا وإجراما من المتسلط المستبد. فهل انت يا صاحب الخيمة قائد ثورة أم زعيم مافيا أم أنهم ضللوك؟
أفاق الشعب الليبي – المتطلع الى مستقبل افضل – صباح يوم 1/9/1969 على مشهد زحف العسكر للاستيلاء على الحكم تحت شعارات الثورة، وما لبث الأمر الا قليلا حتى ظهرت حركة الفاتح من سبتمبر على حقيقتها، عندما استأثر قادتها ومنفذوها لانفسهم بالمغانم والمكاسب الشخصية: هبات مالية من الاخ القائد، وامتيازات خصوصية تراوحت من المركوب المجاني الى الاستيلاء على عشرات الاف الهكتارات من الاراضي المملوكة للدولة الليبية، استأثروا بها لانفسهم دون سواهم من ابناء الشعب الليبي.. عدا المجرورين بالإضافة والمفعول بهن. فهل أنت يا صاحب الخيمة قائد ثورة أم زعيم مافيا أم أنهم ضللوك؟
ومع إعلان نفسك حاكما مطلقا مدى الحياة على الارض الليبية، ظهرت علينا بحركة ميليشياوية للاجرام المنظم.. أعطيتها اسم (اللجان الثورية)، وأطلقت يدها في السلطة والثروة، وأطلقت لها العنان.. تعمل تقتيلا في الليبيين وتنكيلا بهم وتكميما لأفواههم واستحلالا لأرزاقهم وانتهاكا لحرماتهم ونهبا لثروة بلادهم، من دون رقيب او حسيب. فهل انت يا صاحب الخيمة قائد ثورة أم زعيم مافيا أم أنهم ضللوك؟
وبتنصيب نفسك رمزا وإلها لا ينطق عن الهوى، طلعت علينا بتشكيلات حزبوية مقطوعة الصلة بآمال ومصالح وحقوق الشعب الليبي، وما انزل بها فقه الثورة وتاريخ الثورات من سلطان: كرابطة الرفاق ورفاق الرفاق وابناء الرفاق، ورابطة مواليد الفاتح، والروابط (القبلية) المسماة زورا وبهتانا روابط اجتماعية، والحرس الثوري، والحرس الشعبي، لتستولي لنفسها على ما شئت لها ان تستولي عليه من غنائم عينية وقروض مالية وتسهيلات اجرائية وامتيازات خاصة فتحت امام منتسبيها الطريق للاستغلال والاثراء والاستقواء على الآخرين. فهل أنت يا صاحب الخيمة قائد ثورة أم زعيم مافيا أم أنهم ضللوك؟ وفي حين أبحت لنفسك وللانكشاريين والمماليك معك أن تغرفوا من خزانة الدولة الليبية ما شاء لكم الجشع من ثروة الشعب الليبي؛ تنزحونها الى حساباتكم السرية في الخارج، وتنفقون منها بلا حساب ذات اليمين وذات اليسار في الداخل والخارج؛ فقد فرضت علينا تجميدا للمرتبات والمعاشات وتخفيضا لقيمة الدينار لأكثر من ثلاثة عقود (والمأساة لازالت مستمرة) لتتراجع بذلك مداخيلنا الفعلية الى ما يوازي نسبة واحد الى عشرة مما كانت عليه؛ فإذا بك انت وعصابتك في القمة، وإذا بنا نحن الملايين الستة من الشعب الليبي في الحضيض. فهل أنت يا صاحب الخيمة قائد ثورة أم زعيم مافيا أم أنهم ضللوك؟
وقد نكون قوما متحضرين متحررين من الغرائز البدائية، وقد نكون رحماء نعفو عند المقدرة، وقد نكون طيبين (أو مغفلين) بذاكرة ممسوحة، قد نكون شيئا من ذلك وقد نكون كل ذلك؛ فنغفر لك كل شيء. نعم قد نغفر لك كل شيء، على الرغم مما تبين لنا من انك لست قائدا ثوريا كما شبِّه لنا، ولست – في الاختبار – إلا زعيما مافياويا.
لكننا لن نكون أبدا شيئا – ولو يسيرا – من ذلك، لنغفر لك ما ألحقته بأجيالنا الشابة من قهر وغبن، لن نغفر لك أبدا ما فعلته بعشرات بل مئات الآلاف من شباب بلادنا العاطلين عن العمل، لن نغفر لك أبدا ما فعلته وما أجرم به نظامك في حق أولادنا فلذات أكبادنا وأمل مستقبل وطننا.. من حرمان وإقصاء وتهميش وتجويع وإذلال. ففي حين تخصون أولادكم بفرص غير محدودة للتعليم وجمع الشهادات العلمية العليا، فيستمرون في الدراسة سنوات وسنوات بالجامعات والأكاديميات الأوروبية، ينفقون الاموال بلا حدود وتدفع عنهم الحكومة الليبية من خزانة الدولة بلا حساب؛ فإن حكومة نظامك تقرّ سياسات ولوائح ونظما تعليمية تحرم أولادنا (فعليا) من حقهم في نيل فرص حقيقية كاملة للتحصيل العلمي والتأهيل المهني في مؤسسات التعليم بجماهيريتك العظمى (عظمى حتى الثمالة) بل لقد بلغ بكم الحقد علينا وعلى اولادنا حد الإقدام على خصخصة التعليم والمؤسسات التعليمية وتحويل العلم الى سلعة لا يقدر على اقتنائها غير لصوص المال العام من مافياتكم السلطوية.
وفي حين تضعون أولادكم في اعلى مواقع السلطة، وتمكنوهم من السيطرة على مفاصل الاقتصاد في دولة الحقراء (أولادك وأولاد عصابة الجنرالات خصوصا) فإنك ومن خلال حكومة نظامك (الجماهيري البديع جدا) تلقي بأولادنا الى البطالة تفترس أعمارهم وأحلامهم ومستقبلهم، فيتجاوز الواحد منهم سن الشباب (35 سنة) وقد يبلغ سن التقاعد من دون ان يحصل على وظيفة أو عمل. وتمضي حكومة نظامك – بتوجيه أو بتزكية منك – في إذلال أولادنا إمّا بطردهم من الخدمة.. وإمّا بمعاملتهم وظيفيا – في حالة الاستخدام ـ كما لو كانوا لاجئين أفارقة ليس لهم الحق في العمل الرسمي المضمون، فتفرضون عليهم قبول العمل بعقود محددة الأجل قابلة للفسخ في أية لحظة، ليعودوا الى البطالة.. فلا يكون أمام الشباب غير المخدرات، ولا يكون أمام الفتيات غير الدعارة.
وفي حين تبيح لأولادك استباحة المال العام، فيمتلكون القصور والمزارع الاقطاعية والشاليهات واسهم الشركات وأساطيل السيارات بالداخل، وينفقون مئات آلاف بل ملايين الدولارات في اسفارهم ورحلاتهم الاستجمامية والتسوقية التي لا تنتهي حول العالم، حتى صارت أخبار سفههم مادة مفضلة لصحافة الفضائح، تطاردهم في سويتات الفنادق الفخمة ومنتجعات الطبقات المخملية ومقصورات اليخوت الفاخرة؛ فإن أولادنا ينامون جياعا، كل ثلاثة أو أربعة منهم في غرفة فقيرة صغيرة واحدة، يفترشون الارض بحشيات (منادير) بالية متهرئة من طول الاستعمال.
فهل تجرؤ بعد هذا أن تدعي لنفسك شرف الثورة ومجد الثوار؟ ومن ذا الذي سيصدقك ويكذّب الواقع وهو بكامل قواه العقلية؟ فلا تنم قبل أن تستحضر في مخيلتك صورة محمد البوعزيزي. فجميع أولادنا محمد البوعزيزي، لكنهم استوعبوا الدرس وسيحرقون شيئا آخرغير أنفسهم.
لا تنم قبل أن تستدعي الى ذاكرتك مشهد هروب دكتاتور تونس (الشين) وقد لفظه التاريخ ورفض استقباله -لاجئا – صديقه ساركوزي وصديقك برلسكوني. لا تنم قبل أن تواجه نفسك وتسترجع شريط (انجازات) القمع والتهميش والإفقار التي ارتكبها نظام حكمك المزمن بحق الشعب الليبي، وتستخلص الدروس والعبر من المآل المهين الذي انتهى اليه صاحبك حسني مبارك.. مشيعا بنقمة الناس ومدانا في محكمة التاريخ، وحذارِ حذارِ فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.
هواري عبدالناصر