لقد شاءت الاقدار ويا لحسنها ان نعيش عصر التقنية والانترنت ونقل الصورة والاخبار بسرعة فائقة مما ادى الى ولو بشكل بطيء حسن استخدامها من اجل السعي الدؤوب للسير في خطوات التغيير والتطوير، وقد اتت أؤكلها في كل من تونس ومصر وليبيا مرورا بسورية واليمن والبحرين، ولا تزال تستشري كل ما سنحت الفرصة للتغيير والتحول الى الديمقراطية الحقة والتعبير الحر للرأي لبناء مجتمع عصري حديث يواكب ما وصلت اليه شعوب العالم من رقي ورفاهية وتطوير للبنى التحتية في تلك المجتمعات. ومن سوء الطالع ان ينجب القرن العشرين اكثر من هولاكو عربي ارتدى عنوة عباءة الثورة ساترا بها عقد طفولته وامراضه النفسية كملك ملوك العالم معمر القذافي، هكذا كان يصف نفسه امام الملأ بكل غطرسة، ولكل هولاكو عربي عقده الخاصة به وان اختلف من ديكتاتور لآخر، الا انهم كلهم قد نهلوا من أبشع مدارس الفكر الانتهازي وتتلمذوا على يد اقبح الديكتاتوريين في العالم.
فالقذافي الذي نشأ في ظروف غامضة في خليج سرت الليبي قرأ في مطلع شبابه وتأثر في كل من ستالين الشيوعي وموسوليني الفاشي وهتلر النازي الى درجة الكبت الأعمى بأن خطى وخطط لنفسه بأن يفوقهم جميعا بل وأن يجعل من نفسه موسوعة فلسفية توزع الحكمة لشعوب العالم عبر نظريته العالمية الثالثة التي اصدرها ضمن كتاب اسماه الكتاب الأخضر الذي يحوي في ما احتوى على فقرة ضمن صفحاته يقول فيها (بأن المرأة تحيض والرجل لا يحيض؟!). لقد وثق الشعب الليبي به وأمنه على مستقبله، لكن القذافي لم يكن ولو للحظة يثق بهذا الشعب البسيط العظيم الذي اثبت للعالم عظمته.
القذافي كان يكره العرب وكل عربي وكان يكره الاسلام والمسلمين وحاول تحريف كل شيء وفقا لمزاجه وقد صرح للعالم وعبر عن هذا في أكثر من مناسبة، ففي كل لحظة من لحظات حياته كان يعقد اتفاقا مع شياطين الأرض ويتحالف مع ديكتاتوريي الشر، وقد ربى كل افراد اسرته وأولاده على ذلك.
لقد باع الشعب الليبي لنفسه ولاولاده واشترى نفط واملاك الشعب الليبي لزوجاته واحفاده وتلاعب بعواطف كل ثوار العالم من المحيط الى الخليج فأذل ارقى ثورة حقيقية قامت في فلسطين وهي الثورة الفلسطينية ولف بمليارات الشعب الليبي أعناق الشعوب الافريقية بقادتها لتبقى تحت عباءته ووفق هوسه، وأخضع الكثيرين من مناضلي الحق والحرية لهوسه ودعم الكثير من المنظمات الارهابية التي خطط معها لعمليات ارهابية في العديد من دول العالم وما حادثة طائرة لوكربي التي دفع تعويضات تقدر بمليارات الدولارات الا دليلا قويا على ذلك.
لقد فتح ابواب ليبيا مرتين ليصطاد الكثير من المثقفين العرب والاكاديميين الذين كانوا يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة في بلدانهم وكانوا يبيتون الليالي وعلى مدار اشهر طويلة في الحدائق وخرائب ليبيا، في الوقت ذاته كان يستقدم شعوب اوروبا لتنعم في أفخر الشقق والتمتع في ارقى انواع العمل ذي الاجر العالي واستقدم الكثيرين من نساء اوروبا وفتح لهن ابواب ليبيا. ثم فتح حدود ليبيا في سنة 1984 ومن ثم اغلقت وفتحت مرة اخرى عام 1988، فالنهر العظيم الذي يدعي انشاءه قد تكلف مليارات الدولارات ضخها في جيوب الغرب ولم يستفد الشعب الليبي من هذا النهر قيد انملة ولم يبن في طرابلس العاصمة سوى ثلاثة ابراج اضافة للفندق الكبير من اجل استضافة المأجورين والضحك على الأبرياء ممن كان يدعى الى ليبيا للتبشير باللجان الثورية والكتاب الاخضر، ففي الوقت الذي كان اتباع القذافي يطوفون فيه ارجاء جزيرة مالطا كان الكثيرون من الليبيين يصطفون على ابواب المطاعم الصغيرة المكتظة في كل انحاء البلاد املا في الحصول على سندويشة تونا المشهورة. وما تحويل كنائس ليبيا الى مساجد الا خدعة انطلت فقط عليه وعلى من والاه.
ستة أشهر مليئة بالتضحيات الرائعة التي سطرتها أيادي ثوار ليبيا الاحرار وهم يقودون ثورتهم المجيدة حفاة كانت كافية لتقضي على أعتى ديكتاتور، اندحر امام ثورة نقية سيذكرها التاريخ ويسطرها بأحرف من ماس.
عبد السلام فرانبرلين – المانيا