سقوط الأنظمة وسقوط اقنعته

حجم الخط
0

في السنوات القليلة الماضية، رحل من الزعماء العرب كثيرون ممن اعتدنا رؤيتهم على مدار عقود طويلة، فمنهم من رحل وفقاً للدستور وانتهاء مدة ولايته، ومنهم من انتهت مدة ولايته ولا يزال متشبثاً بالكرسي وكأنه من ميراث جده، ومنهم من غيّبه الموت، ومنهم من رحل مكرهاً بعد أن تم خلعه من سدّة الحكم بإرادة الشعب، ومنهم من تم التآمر عليه وإعدامه. أما الرئيس التونسي المخلوع فقد قدرّت أوساط متخصصة ثروته بمليارات الدولارات، كذلك الرئيس المصري المخلوع أيضاً اتضح بأن ثروته تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات إن لم يكن أكثر، وأما الرئيس الليبي والذي يرفض أن يسمي نفسه رئيساً بل قائداً للثورة، اتضح حتى الآن بأن (قائد الثورة) تجاوزت ثروته مائة وثلاثين مليار دولار وما خفي كان أعظم، مع العلم بأن آنفي الذكر وصلوا إلى سدّة الحكم مواطنين عاديين لا يملكون أية ثروات على الإطلاق.

وهنا لي وقفة مع من تم التآمر عليه وإعدامه وسط تصفيق وتهليل من قبل الكثير من وسائل الإعلام العربية والأوساط السياسية العربية، ألا وهو الرئيس العراقي صدام حسين، والذي تمت محاربته بحجة أسلحة الدمار الشامل واتضح لاحقاً بأن العراق لا يملك أياً من هذه الترهات، هذا الرئيس الذي أعدموه غدراً وبأسلوب فج ورخيص وفقاً لمؤامرة دنيئة تبرأ منها حتى الاحتلال الأمريكي يومها، اتضح بأنه لا يملك (دولارا واحدا) في أي مصرف عربي أو أجنبي، بل كان يمنع على وزرائه ومعاونيه فتح أية حسابات مصرفية خارج العراق، ومع رفضي لبعض التجاوزات التي ارتكبها النظام العراقي في حق شعبه والتي لا ترتقي بأي حال من الأحوال لمستوى التجاوزات التي اتضح بأن العديد من الأنظمة البائدة كانت ترتكبها يومياً بحق شعوبها، إلا أن التاريخ يجب أن يسجل لهذا الرجل بأنه لم يمتلك فلساً واحداً في أية حسابات مصرفية مشبوهة مثل الكثير من الزعامات العربية، ولم يقم بإدارة شركات خاصة من عرق الشعوب في دولته بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يثبت على أي من أبنائه إدارتهم لشركات داخل العراق أو خارجه لحساباتهم الشخصية بشكل مباشر أو غير مباشر، كما لم يثبت على أي من أركان نظامه من قيادة مجلس الثورة العراقي امتلاكهم لحسابات مصرفية مشبوهة خارج العراق، أو حصولهم على امتيازات تجارية خاصة داخل العراق أو خارجه، ولم نسمع بعد التآمر على سقوط النظام العراقي عن اكتشاف طائرات خاصة أو يخوت أو قصور في أوروبا للرئيس العراقي أو أبنائه أو حتى أركان نظامه من مجلس قيادة الثورة.

إذاً فهم أعدموه لأنه أمّم النفط العراقي، ولأنه عمل على محو الأمية وجعل التعليم إلزامياً على العراقيين حتى المرحلة الثانوية، ولأنه قام بإنشاء صناعات عراقية متوسطة وثقيلة يفتخر بها كل عربي، ولأنه أولى اهتماماً خاصاً بالقطاع الزراعي حتى أصبح العراق يصدر منتجاته الزراعية للخارج، ولأنه جعل التعليم الجامعي مجاناً للعراقي والعربي أيضاً على حد سواء، ولأنه قام بإرسال الآلاف من العراقيين في بعثات دراسية إلى أعرق الجامعات الأوروبية والأمريكية ليعودوا بعدها علماء مبدعين، ولأنه رفض أن تنتهك كرامة العراق وسيادته من قبل أحد، وأخيراً وليس آخراً، لأنه وجيشه الباسل تجاوزوا الخطوط الحمراء بضربهم عمق الكيان الصهيوني بصواريخ عراقية، ولذلك كان أول قرار اتخذه (بول بريمر) الحاكم العسكري للعراق بعد احتلاله هو حل الجيش العراقي الذي قض مضاجعهم في واشنطن وفي الكيان الصهيوني.

أما عراق اليوم فتنهشه الذئاب، وتتقاسم ثرواته قيادات جاءت على ظهر دبابة أمريكية، يصنعون فنوناً في الفساد والاختلاس ونهب الثروات العراقية، وفنوناً في القمع والعنصرية وانتهاك الانسانية وانتهاك كرامة العراقي العزيز.

حسبنا الله ونعم الوكيل، وعسى الله أن يعيد العراق العظيم إلى سابق عهده ومجده وهيبته، وعاش العراق العظيم، وعاشت فلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر.

فراس برهم[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية