■ اللافت في تجربة الحداثيين العرب من أدباء وفلاسفة ومبدعين أنهم نقلوا في ثنايا ما ترجموه ولخصوه واحتذوه فكرا وإبداعا ونقدا؛ نقلوا الانحيازات الثقافية الغربية الدينية والرؤيوية، ما يتصل بها من موقفها من الخالق والكون والمسيحية والعالم، فوجدنا مفردات تشيع في ثنايا النصوص الأدبية المتأثرة بالمدارس الأدبية الغربية مثل: قديس، بطريرك، الراهب والرهبنة، العذراء، الدير، الكنيسة، القداس، والخلاص الروحي في الاعتراف أمام القديس، إلخ. وامتزج كل ذلك بالصور الشعرية، والعوالم الرومانسية، والأحلام والأماني في القلوب، وكان هذا واضحا في التجربة الشعرية للشاعر تي. إس. إليوت، الذي وظف مفردات ورموزا دينية كثيرة.
ونجد هذا واضحا في النقد التطبيقي العربي، وقد يعترض البعض بأن النقد التطبيقي هو تفسيري وتأويلي ووصف للجماليات في العمل الإبداعي وهذا صحيح، ولكن اشتغال الناقد على النص الإبداعي هو عملية إبداع جديدة، بمعنى أنه يقرأ النص الإبداعي في ضوء رؤاه الثقافية والفكرية، وكما ذكرنا في مقال سابق ملاحظات إدوارد سعيد عن ظاهرة النقد الديني التي أطلت برأسها مؤخرا، وانحازت في تحليلاتها النقدية إلى الرؤى الغربية الدينية، في قراءتها للنصوص، وهي ليست رؤى أخلاقية كما يتوهم البعض وإنما الانتصار مثلا لتيارات يمينية مسيحية، أو احتضان النصوص الأدبية المعبرة عنها، أو إحياء نصوص أدبية قديمة والاشتغال عليها، أو إعادة قراءة سرديات الكتب المقدسة وتقديمها للقراء في عالم اليوم على أنها إجابات لأسئلة ميتافيزيقية، تتصل بنشاطات سياسية بمرجعيات دينية، وكان يوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 م لحظة فارقة في إحياء خطابات دينية كولونيالية قديمة .
فإذا تأملنا أشعار وقصص وروايات الحداثيين العرب، سنجد التأثر واضحا بالعهد القديم والعهد الجديد، ولنا أمثلة جلية في أشعار لويس عويض، وأمل دنقل، وجماعة مجلة «شعر» الأدبية التي ظهرت في بيروت خلال خمسينيات القرن العشرين، وثبت في مراجع عديدة أنها كانت ممولة من المنظمات الثقافية الأمريكية. وفي حقبة السبيعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، كان السائد لدى الشعراء والروائيين العرب الاتكاء على الموروث اللاهوتي الكنسي، وكانوا يوصون بعضهم بقراءة الكتاب المقدس، وتوظيف قصص التوراة. وللأمانة فإنهم أيضا وظفوا بشكل أو بآخر القرآن الكريم، ولكنه كان توظيفا غير واع للأبعاد الجمالية، والعمق الفكري، والجوانب الإيمانية في القرآن، أي أنه غير نابع من الرؤية الإسلامية الفكرية للأدب.
التجربة الأدبية والنقدية العربية المعاصرة، المتأثرة بالتجربة الغربية، كانت امتدادا للانحيازات الدينية والفكرية والفلسفية الغربية، شاء المبدعون أما أبوا، لأنهم تبنوا بشكل مباشر المذهبية الغربية، وانطلقوا من مقولاتها ورؤاها.
لذا، يجب علينا ونحن نقوم بقراءة المذهب الأدبي استحضار السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجته، مع دراسة الأعمال الأدبية التي عبرت عن المذهب نفسه، وما أكثر ما سنكتشفه من آثار ثقافية تناقض رسالة النقد الأدبي الغربي المعلنة، التي تقول بالموضوعية، والحياد في الطروحات، والعلمية في التحليل والمنهجية.
وهذا لا ينفي وجود نزعة شك حادة نابعة من التصورات العلمانية الشاملة التي تنأى بالدين تماما عن الحياة، وتجلت تلك في كثير الأعمال الأدبية، ولكن تلك النزعة كانت جزءا من أزمة الإنسان الغربي وموقفه من الدين، فهو إن عارض المسيحية وناقشها وفند الكثير من سرديات العهد القديم، محكما عقله فيها؛ إلا أنه في المقابل سعى إلى نشر المسيحية نفسها وجعلها شعارا تبشيريا له يتحرك من أجله في العالم، بل كانت المسيحية: ديانة وفكرا وحضارة أساسا في الخطاب الاستعماري الذي رافق الحملات الاستعمارية نحو بلدان الشرق وافريقيا والعالم الجديد. فلا يمكن النظر إلى الأدب والنقد الغربيين من منظور أحادي فقط، يربطه بالعلمانية فقط، وإنما علينا أن ننظر إلى كافة وجوهه، والدين المسيحي أحد مكوناته، ويتجلى في سائر منتجاته المعرفية والأدبية، بجانب وجوب قراءة ما هو فكري في تطبيقاته المختلفة، أي قراءة النظريات الأدبية والنقدية، ومجمل الخطابات التي رافقتها وأحاطت بها، والنقد التطبيقي الذي مارسه نقادها.
والمفارقة واضحة جلية هنا، فإذا كان النقد الحداثي الجديد يرفع شعار الاعتناء بالنص من حيث هو نص، بدون ربطه بشخصية الأديب، أو بأي مؤثرات خارجية، فإن النماذج النقدية التطبيقية خالفت ما هو معلن، إما من خلال استخدام مصطلح أيقونات ذات المرجعية اللاهوتية كما تقدم، أو من خلال اللغة ذاتها، التي تقدم صورا سامية، أي خيالا فنيا نابعا من مفاهيم دينية عن السمو الروحاني والنفسي.
وأيضا، علينا الانتباه إلى أن التجربة الأدبية والنقدية العربية المعاصرة، المتأثرة بالتجربة الغربية، كانت امتدادا للانحيازات الدينية والفكرية والفلسفية الغربية، شاء المبدعون أم أبوا، لأنهم تبنوا بشكل مباشر المذهبية الغربية، وانطلقوا من مقولاتها ورؤاها، ولم يقفوا موقف الند: الذي يناقش وهو يتلقى النظرية، ويجادل في الأصول والقواعد، غير منبهر ولا مستلب حضاريا، لأنه في هذا الموقف مستند إلى ثقافة عربية إسلامية راسخة عميقة الجذور، وارفة الأغصان والظلال، يريد الاستفادة والإثراء من تجربة الأدب والنقد الغربيين، ولكن القليل هو من فعل ذلك، وظلت محاولاتهم فردية ومحدودة جاءت على استحياء غالبا.
٭ كاتب من مصر