محمد ابو راشد المرصفي لابد ان نقول ان الشعب المصري هو الرابح الاكبر فليس هناك رابح او خاسر. فمجرد اجراء الاستفتاء بهذه الصورة الحضارية، هو ابلغ رد على كل الاقاويل التي رددها النظام السابق كثيــــرا، حيث كان يزعم ان الشعب المصري اما غير مؤهل للديمقراطية او انه لم ينضج بعد. وما رايــناه يوم الاستفتاء يظهــــر بوضوح عظمة وتحضر هذا الشعب. والان جاء وقت الاختـــبار السياسي الحقيقي في القبول بنتائج الاستفتاء.
ولكن اسوأ ما رأينا هو استدعاء النخب السياسية والاعلامية لغة النظام السابق، من التخويف من الاخوان والتشكيك في نتائج الاستفتاء بالطعن في الوعي السياسي الشعبي. اذا كانت النخبة السياسية والاعلامية جاهلة او تجاهلت الاختيارات الشعبية وافتقدت الحس السياسي، فتكون قد سقطت قبل ان تمارس العمل السياسي. الانكى هو سقوط كافة المرشحين لمنصب الرئيس حينما اختاروا جانب الاقلية.
النخبة السياسية والاعلامية في ظل النظام السابق: لقد ابتلينا في ظل الانظمة العربية القمعية بمجموعة تسمى النخب السياسية والاعلامية، التي تخلى لها المنابر الاعلامية والاجتماعية، والتي من المفترض انها غير حكومية، للتكلم في الشأن العام على انها تمثل الشعب وليس الحكومات، ولكن هيهات، فهذه النخب اعتادت على الظهور في وسائل الاعلام واخراج لسانها للشعوب والميل كل الميل نحو المنهج والرأي الحكومي، بل وقضاء الساعات في تحليله وايجاد المسوغات والاسباب، وفي احيان كثيرة كان يعلم الجميع ان هذا قرار مفروض من الخارج على النظام، وان ليس له مبرر على الاطلاق ولكن ما باليد حيلة، علينا ان نستمع لهذه الاراء المفروض علينا سماعها. ولاكمال الصورة الباهتة كان يتم استدعاء نخبة سياسية معارضة او مستقلة، ولكن كانت هذه النخبة مقيدة في احاديثها ولا يمكن ان تخرج عن النص. ولا يخفى على الجميع ان جهاز امن الدولة كان يختار الضيوف ويعطي التعليمات عما يقال وعما لا يقال. كانت هذه النخبة المعارضة والمستقلة تنتقل بين المحطات الفضائية واعمدة الصحف، في حين ان هناك شخصيات كثيرة كانت محرومة من الظهور في وسائل الاعلام. وحتى نضع الصورة كاملة، فان هذه المعايير والمحاذير كانت تطبق على جميع الفضائيات الحكومية والخاصة ايضا، بل ليس مفاجأة انه كانت تطبق نفس الرقابة على القنوات الدولية.
فافرز الوضع نخبتين الاولى مع النظام قلبا وقالبا، وهذه تضم ليس فقط اعلاميي وسياسيي الاجهزة الاعلامية الحكومية، ولكن كثيرا ممن سموا انفسهم مستقلين او خبراء. والنخبة الثانية تضم معارضين او مستقلين، ولكنهم تربوا على ان لهم سقفا معينا ولا يمكن ان يخرجوا عن النظام العام. لكن القاسم المشترك في النخبتين هو انفصالهما عن الشعب. فحتى نخبة المعارضين والمستقلين اعتادت ان تعبر عن رأيها وليس رأي الشارع نتيجة هذه الثقافة.
النخبة السياسية والاعلامية بعد سقوط النظام: تشكلت نخب سياسية واعلامية بعد الثورة من بقايا نخب النظام السابق، التي استطاعت ان تغير جلدها، ومنهم من استدعى مقالات من 5 سنوات واكثر ليدلل على انه كان يريد كتابة دستور جديد، واخر يدعونا لمراجعة حديث مرئي اجراه من عدة سنين وهكذا. واستمرت النخبة التي كانت تمثل المعارضة وتيارات الاستقلال في نفس النهج، ولكن بدأت تخرج من تحت السقف الذي سجنها فيه النظام السابق. اضف الى هذه النخب المجموعات الوليدة من رحم الثورة وميدان التحرير، التي تمثل تيارات سياسية ناشئة. المشكلة ان بعض هذه النخب القديمة او الحديثة، اضافة الى المرشحين للرئاسة مازالت منفصلة عن الشارع ولم تتغير كثيرا من جهة التحامها وتعبيرها عن الجماهير، ولذلك رأينا السقوط المريع في التعامل مع الاستفتاء.
النخب السياسية والاعلامية والتحضير للاستفتاء: بعد صدور قرار طرح التعديلات الدستورية للاستفتاء مباشرة حدث تباين كبير. هذا التباين كان مفاجأة للكثيرين الذين لم يتعودوا على الجو الديمقراطي. سمعنا عدة احاديث سواء من شباب الثورة او من ناشطين اعلاميين، احدهم كان مدير مكتب فضائية عربية يتهم الاخوان بانهم خرجوا عن الاجماع الذي كان موجودا في ميدان التحرير، واخرون اتهموا المؤيدين للتعديلات بانهم خانوا شهداء الثورة. ولا ارى اي غضاضة في هذا التراشق السياسي كظاهرة ديمقراطية، ثم توالت الشخصيات والاتجاهات السياسية التي تحالفت ضد التعديلات، وعلى رأسها مجموعة المرشحين للرئاسة وانضمت لهم المؤسسة الكنسية في استمرار لنهجها القديم، بعد ان تعافت، او هكذا يبدو من مشكلة تأييدها للنظام السابق والتوريث. واصبحت هناك حملة رهيبة ضد نعم ومن خلف نعم. ووصلت هذه الحملة ذروتها بدعم احد رجال الاعمال الذي يملك عدة وسائل اعلامية، فقام بالانفاق على اعلانات صحافية ومرئية مدفوعة لصالح رفض التعديلات. تم حشد كافة النخب المعارضة للتعديلات وبعض الشخصيات العامة، منها رجل الاعمال المذكور في هذه الاعلانات، وتمت ايضا برمجة حوارات مثل تلك التي تعودنا عليها في ظل النظام السابق، ولا يستثني من ذلك الاعلام الحكومي. وتركزت هذه الحملات على ان الموافقة على التعديلات هي مصلحة للاخوان في استدعاء فج لفزاعة النظام السابق، بل وزادوا عليها ما سمي بفلول النظام السابق. كانت رؤية المؤيدين للتعديلات الدستورية لصالح الاسراع بعودة مؤسسات المجتمع المدني لاستلام السلطة من الجيش وانتخاب الجمعية التأسيسية للدستور بدلا من تعيينها لضمان صياغة دستور يمثل تطلعات الاغلبية الجماهيرية. لكن التكتل المضاد للتعديلات الذي تشكل من نفس النخب السياسية والاعلامية وبانضمام المؤسسة الكنسية ورجل الاعمال الشهير استفز تيارات اسلامية اخرى، وكان اشدها استفزازا التيار السلفي الذي كان يتجنب العمل السياسي.
لكن اللافت ان التخب السياسية والاعلامية الرافضة للتعديلات كانت متفوقة اعلاميا واستعملت سلاحا غير مشروع، الا وهو فزاعة الاخوان والسلفيين وفلول النظام. وزاد الطين بلة المال السياسي الذي استخدم في الحملات الاعلانية المكتوبة والمرئية.
سقوط النخب السياسية والاعلامية مع نتيجة الاستفتاء: ماذا يعني ان نتيجة الاستفتاء لصالح التعديلات 77′ وكل النخب السياسية والاعلامية كانت ضد هذه التعديلات؟
سقوط النخبة السياسية القديمة بكافة مشاربها لان هذه النخب ليست لها علاقة بنبض الشارع ومنفصلة عنه.
سقوط كل المرشحين للرئاسة لانهم انحازوا الى الاقلية اي نسبة 23′. درس للنخب الجديدة بمراعاة نبض الشارع.
نشوء نخب جديدة تعكس نبض الجماهير.
لم تستطع هذه النخب التأقلم مع العهد الديمقراطي الجديد. في النظم الديمقراطية يتبنى السياسي ليس فقط وجهة نظر الشارع، بل يقف دائما على يمينه. يمكننا اعتبار هذه النخب جزءا من النظام السابق وقد سقطت اخيرا في اول ممارسة ديمقراطية.
لاشك ان العصر الجديد يحتاج الى سياسيين جدد من نفس الشارع السياسي يمثلون افكاره واحلامه او على الاقل قادرين على قراءة واستمزاج تطلعاته.’ كاتب مصري