سقوط بغداد نهاية أم بداية لمستقبل عربي آخر؟

حجم الخط
0

سقوط بغداد نهاية أم بداية لمستقبل عربي آخر؟

مطاع صفديسقوط بغداد نهاية أم بداية لمستقبل عربي آخر؟ هل باتت ذاكرة الكوارث القومية من نوع الكارثة عينها التي تراكم أحداثها. بمعني أنها تحولت تدريجياً إلي مجرد مستودع محايد غير قادر علي استفزاز العقل الذي يضمها، كيما يشرع في استخراج بعض الدلالات التي تبثها الأحداث المفجعة. فهل غدا هذا العقل متنكراً لذاكرته حتي لا يتحمل مسؤوليتها. هناك ثلاث أو أربع كوارث كبري قصمت ظهر النهضة العربية الثانية. الأولي منها سجلها ذلك الفشل العسكري العربي في منع قيام اسرائيل وتقسيم فلسطين. والكارثة الثانية، انهيار أول وحدة عربية في هذا العصر، كان تأسيسها أصلاً كرد فعل علي هزيمة 1948. فقد كان إعلان الجمهورية العربية المتحدة ـ التي لم يعد أحد يذكرها حتي المختصون للأسف ـ كان بمثابة الحدث المركزي الواقعي للمشروع الذي سوف يوصف بالمشروع النهضوي الجامع لشتات الجغرافية العربية التاريخية، والمنتصر علي خارطة الاستعمار الغربي، أو علي الأقل المبشر بإمكانية (ثورية) تخرق هذه الخارطة، أو تضعها في مهب رياح التغيير التي راحت تهب من أطراف الوطن العربي كله، مهللة بالحدث الوحدوي الريادي، كما لو أن شعوب الأمة أمست قاب قوسين أو أدني من لحظة التمرد علي قوقعة القطر، والانضمام إلي الجمــــــهورية العربية المتحدة. هذه الدولة التي اعتبرها جيل الخمسينات من القرن العشرين أنها جمهورية العرب كل العرب.وأما إسرائيل التي لم يكن قد مضي علي انزراعها إلا عقد واحد آنذاك، فقد أحست أن زوالها أو بقاءها متوقف تماماً علي مصير هذه الجمهورية؛ خاصة وأنها، أي إسرائيل، أضحت واقعة بين فكي كماشة، يمثلها كل من إقليمي الجمهورية، مصر جنوباً، وسورية شمالاً. فلم تكن أول جمهورية وحدوية متصلة جغرافياً. لكنها من الوجهة الجيوـ سياسية، فإنها تكاد تطبق علي الكيان الغريب الذي يحتل معظم فلسطين. ثم إن الخطر الأعظم الذي أرعب صهاينة ذلك العصر، هو إمكانية أن تنمو الجمهورية العربية وأن تستقطب أقطاراً أخري، إذ كانت دول المشرق كلها تشهد فوراناً جماهيرياً يبلغ في بعضها حد الثورة وتغيير صيغة الحكم القائم فيها. هذا ما حدث في العراق سريعاً، وبعد أشهر قليلة من قيام جمهورية العرب. فكانت الثورة العارمة التي أسقطت الملكية وعصرها معها، وأوشكت أن تُلحق العراق كله، وفي مدي أيام عقب الثورة، بركب الوحدة الصاعدة. وفي المرحلة عينها كان الأردن يعيش جواً انقلابياً منذراً بالتحول الجديد الذي يجتاح الإقليم كله. وأما لبنان فإنه أشعل كذلك بداية ثورة، لكنها انقلبت إلي حرب أهلية طائفية. وفي الآن عينه دب الاستقطاب الأيديولوجي بين قادة الثورة العراقية. وتم سريعاً انحراف دموي رهيب أعاق الاندفاعة الشعبية العارمة، وأحلّ الانقسام العنفي بين قادتها، من شيوعيين وقوميين. لكن أمريكا وبريطانيا تدخلت عسكرياً علي جناح السرعة. فنزلت البحرية الأمريكية في بيروت لتطفئ حرب المتاريس في شوارعها. وكذلك أعادت بريطانيا سيطرتها علي الجيش الأردني. وقال الوحدويون آنذاك أن الجمهورية العربية ولدت لتنمو. وإذا ما مُنع هذا النمو، فسوف تجفّ حيويتها وتتآكل ذاتياً. فقد تم عزل سورية (أي الإقليم الشمالي للجمهورية آنذاك) في محيطها المشرقي. وبدأ العد العكسي نحو الانفصال، بعد أن تفجرت تناقضات سلطوية سخيفة بين جناحي القيادة الوحدوية المؤلفة من سلطة الثورة الناصرية في القاهرة وجناح من حزب البعث في دمشق.والمفجع حقاً أن كارثة الانفصال قد وقعت، وبتدخلات عربية، ولّدت ما سوف يُعتبر المعسكر المرجعي المتحكم في معظم الأقطار العربية آنذاك. وما زال هذا المعسكر حياً، وإن لحقت به أسماء متعددة، وصولاً إلي تكريسه من قبل البوشية تحت عنوان (المعتدلين) بعد أن شاع عنهم طويلاً لقبهم المميز: عرب أمريكا.نقول انه بعد نكبة فلسطين حلت نكبة الانفصال التي لم تنجم عن هزيمة عسكرية، بل عن هزيمة قومية صار يُراد لها أن تُعتبر كما لو كانت إحباطاً وجودياً لمركزية المشروع النهضوي كله، وهو في عتبة البحث عن براهينه الواقعية. فجاءت ضربة الانفصال لتزعزع من حالة اليقين الشعبي التلقائية بحتمية المصير الوحدوي الذي ينتظره العالم العربي الخارج من حقبة انحطاط لألف سنة، وما بعدها من حقبة السيطرة الغربية لنصف قرن وأكثر.أما كارثة الهزيمة العسكرية لعام (1967) فقد جاءت مكملة لسقوط تجربة الوحدة الأولي. وبذلك تأسست ذاكرة الانتكاب العربي المعاصر، محملة باليأسين معاً: يأس من الوحدة كفكر سياسي كياني، ويأس آخر من صلاحة النظام القطري السائد في حسم الصراع مع الغزو الصهيوني. فيما بعد، وبالرغم من أن حرب تشرين (أكتوبر) (1973) قد سجلت نصراً عسكرياً نسبياً بتحرير قناة السويس من الاحتلال، إلا أن النظام الساداتي القائم آنذاك قد دفع أغلي ثمن تاريخي مقابل هذا الانجاز، بإخراج مصر، القطر العربي الأكبر والأهم دائماً، من ذلك الصراع الذي كان اسمه صراع الوجود واللاوجود مع العدو الاسرائيلي. فقد أنهت حرب (التحرير) تلك حقبة كاملة منوطة أحداثها الجسام جميعها بذلك الاسم الأنطولوجي الغاص بأنبل وعود المستقبل النهضوي، كما بأوهامه أيضاً. لكن تحييد مصر لم يُودِ بالوعود والأوهام معاً فحسب، بل كاد أن يطيح بثقافة التغيير عينها، أن يجهز علي ثوابتها المتوارثة بين أجيال النهضة، وأن يُفرغ مصطلحاتها من زخم الدلالات والإيحاءات، إلي حد أن يمسح أبجديتها من ألسنة اللاهجين بروائعها.تحييد مصر أفقد الأمن القومي ذخيرته المعتمدة أصلاً علي رصيده من إمكانيات الواقع الدفاعي لما كان يُصطلح عليه باسم دول الطوق. أي ذلك الحصار الجغرافي العربي الطبيعي المؤلف من الدول العربية المتاخمة حدودها لحدود الدويلة الاسرائيلية، كما كانت توصف أيام زمان. فانفصال وحدة الجمهورية العربية المتحدة ما بين إقليميها الشمالي سورية، والجنوبي مصر، شكّل الكسر الأول لطوقٍ حاول تجاوز وضع الحصار الجغرافي الطبيعي للدويلة العبرية، إلي نوع الحصار الإرادوي الاستراتيجي الذي كان من المفترض أن يطبق كالكماشة علي الجسم الغريب ويخنقه في مهده؛ فيما لو نجحت جمهورية الوحدة في تحقيق النقلة النوعية الأصعب من صيغة الدمج الدولتي إلي صيغة التواصل الإنساني والاجتماعي بين شعبي القطرين. وهو الأمر الذي فشلت قيادة الوحدة في إدراكه. واعتقدت أن الحماسة الجماهيرية للحدث الوحدوي كانت كافية للتعبير عن حضور القاعدة الشعبية ومشاركتها، ولو من مسافة الأعلي مع الأدني، في صنع المصير العام لدولة الوحدة.إن كلا من نكبة الانفصال، وما تلاها من الهزيمتين العسكريتين بين عامي 1973 ـ 1967، قد عملت كلها علي إحداث الانشطار الأخطر في بنية المشروع النهضوي ما بين قياداته السياسية ومجتمعاته الأهلية. لقد تصدّر المشهديةَ اليوميةَ للواقع الدولتي ما سوف يُدعي بنظام الأنظمة العربية الواحد الحاكم؛ حيثما تضاءلت معظم الفوارق النوعية بين أصحاب السلطة، سواء كانوا في الخط الرجعي أو الخط التقدمي والقومي. صار لدينا طبقة سياسية متماثلة مستأثرة بحكم بلادها مهما كان الثمن الوطني أو الديمقراطي التي ستجبر الشعوب علي دفعها مقابل التشبث الأعمي، الأحادي أو الفئوي، بأسباب الحكم المطلق.لم تعد ذاكرة الانتكاب متوقفة فقط علي رصد وتسجيل الهزائم المصيرية الكبري مع العدو الغازي؛ فقد اندلع النوع الأشقي والأبشــــع من حالات الانتكاب مع عين الذات. أمست علة العـــــقم النهضوي نابعة من جسده، ومتحالفة ـ موضوعياً ـ مع تنامي أساليب الطغيان الاستعماري الجديد الذي تزعَّمه البيت الأبيض الأمريكي، علي اختلاف ساكينه من الرؤساء، ومنذ ستينيات القرن الماضي. واستمرت ثنائية انتكاب خارجي داخلي، إلي حين انفجار الانتكاب الأعظم مع عودة الغزو الاستعماري المباشر إلي عمق الوطن العربي، وتدمير العراق، أكبر أقطار المشرق، وما يشكل له عمقه الاستراتيجي الأخير.قد لا يكون سقوط بغداد في مطلع الألفية الثالثة علي يد بوش أو هولاكو أمريكا، مناظراً تماماً في كل خصائصه، لذلك السقوط الأول قبل عدة قرون علي يد هولاكو التتر. لكن كلا السقوطين قد وضعا نهاية لعهدين تاريخيين. الأول أنهي عصر الإمبراطورية للحضارة العربية الاسلامية، فأفقد العرب استقلالهم السياسي وحرمهم من أية علائم حضارية لكيانهم الوجودي لمئات من السنوات الظلماء الموغلة في تداعيات انحطاط بائس، لا حدود لتفشي أعراضه اللاإنسانية وكوارثه الاجتماعية. أما السقوط الآخر المعاصر، والذي لا يزال عموم الحكام العرب يعدون أيامه، ويتفرجون علي أهواله، فإنه ليس نذيراً مخيفاً بانتهاء عصر كان عنوانه انبعاث المشروع النهضوي، بقدر ما هو يشير كذلك ـ بمعني ما غير محسوم ـ بانقضاء عصر كامل من تزييف ذلك المشروع واستلابه من أيدي بُناته الأصليين. لقد تم عزل الشعوب العربية عن أية مشاركة حقيقية في تصور مصائرها، والإفصاح عن قوي التغيير الفعلية الكامنة في ضمائرها أو سواعدها.لا تزال الطبقة الحاكمة العربية مصرة علي عدم الاعتراف بما تعنيه نكبة بغداد. لا يجرؤ أحدهم علي النظر إليها بما هي نكبة عربية شاملة، لن توفر قطراً، شرقياً علي الأقل، من تداعياتها المباشرة. وهي قد راحت تتوالي علي شكل أزمات حكم مستعصية حارة أو باردة في هذا القطر أو ذاك. ولا تزال الشعوب في موقف المتلقي الممنوع من أية مبادرة. بل توغل السلطات في اجتراح أسباب جديدة لمضاعفة وسائل القمع والمنع والاضطهاد. فالخشية من (الارهاب) يضاعف إرهابها لمجتمعاتها. ولكن أشباح الحروب الأهلية تجول حرة ما بين حدود الدول، وفي عقر دارها.ذاكرة الانتكاب العربي لم تعد تشتغل علي مخزونها الماضي وحده، إنها فاغرة أفواهها نحو هذا الحاضر البائس، لتتلقي منه المزيد من الكوارث التي أضحت حرة من كل رقابة عليها. إنها تتبع قانونها الخاص. فلا راد لإرادتها العمياء.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية