سقوط ترامب أو عندما تخسر الثقافة السائدة شيطانها

تبدو خسارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانتخابات الأمريكية الأخيرة، إعلان بشارة للأيديولوجيا السائدة، فعلى الرغم من امتلاكه قاعدة واسعة من الأنصار والمؤيدين، لم ينجح بالاستمرار سياسيا في مواجهة التيار السائد، بعد أن صُوّر بوصفه نقيضا لمعظم قيم العالم المعاصر، التي تم رصّها وعرضها بصورة متناقضة نوعا ما: ترامب عدو الليبرالية السياسية والاجتماعية، مراعاة حساسيات الأقليات العرقية والجنسية، البيئة، إلخ؛ وكذلك هو نقيض لتضامن دول حلف شمال الأطلسي، ولطيف أكثر من اللازم مع روسيا، ومعادٍ للتجارة الحرة. بدون أن يتم التركيز كثيرا على التساؤل حول مدى توافق قيم الصواب السياسي عموما مع النزعة الأطلسية، العسكرية بالضرورة، والنوستالجية للحرب الباردة، أو حلّ التناقض بين النزعة البيئية والتلوّث الذي تخلفّه الأسواق المفتوحة.
ليست الغاية من طرح هذا السؤال إثبات «نفاق» ما في قيم معارضي ترامب، أو الحديث عن «إمبرياليتهم» بل محاولة لفهم الأيديولوجيا السائدة، التي قدمت ترامب بوصفه الشيطان السياسي، وجمعت فيه عناصر من كل ما يكرهه خصومه، على اختلافهم. قد تبدو شيطنة الخصم السياسي، وسلبه الأحقية الاجتماعية والأخلاقية، واعتباره مصدر كل الشرور، فعلا غير عقلاني، ويعكس تفكيرا خرافيا، يسبغ أفضلية على طرف، يستمد مبادئه من الحقيقة والأخلاق، بحد ذاتهما، في مواجهة طرف آخر شرير، تفسّر المشاكل والتعقيدات الاجتماعية والسياسية بجهله أو لا أخلاقيته. إلا أن تحويل ترامب لما يشبه إله الشر الليبرالي -اليساري، جعل لعنه والسخرية منه علامة اجتماعية للانتماء لفئات تقدمية Progressive، بالمعنى السائد حاليا لهذا المصطلح، وساهم في تصليب معسكر خصومه السياسيين، الحائزين الهيمنة الثقافية والأيديولوجية، من خلال سيطرتهم على أكبر الشبكات الإعلامية، ومئات المنظمات غير الحكومية النشيطة. وبهذا المعنى فإن شيطنة ترامب، رغم عدم عقلانيتها، فعل سياسي نافع، إذا وافقنا على تقديم تعريف غير ليبرالي للسياسة، بوصفها تمييزا بين العدو والصديق، يعتمد على أساطير مؤسِّسة عن الذات والآخر.
إلا أن معسكر التقدميين يُعرّف نفسه بوصفه طرفا شديد الليبرالية، ولن يوافق نظريا بالتأكيد على ممارسة سياسية تقوم على تحديد العدو وتجريمه، تمهيدا لإلغائه سياسيا وثقافيا، كما أن تشكيل إرادة جمعية، من خلال التناقض مع العدو السياسي، تبدو غريبة على أيديولوجيا تحتفي بالتنوع. هنا قد تكون الشعبوية اليسارية، بالصيغة التي طرحتها شانتال موف، حلا لهذا التناقض، أي المواجهة مع الخصم السياسي ضمن المؤسسات الليبرالية القائمة، ومحاولة فرض هيمنة أيديولوجية لطرف، يمثل ائتلافا شعبيا متعدد الفئات والمطالب، تمكّنه من صياغة الحس السليم Common sense سياسيا واجتماعيا ومؤسساتيا.
السؤالان الأساسيان وفق هذا المنظور: هل يمكن لمعسكر سياسي، يضم طيفا طبقيا وهوياتيا واسعا، من أصحاب المليارات البيض، وحتى العمال والمُعطلين عن العمل من الملونين، أن يشكّل ائتلافا شعبيا؟ وما نوع الحس السليم الذي أدت إليه شيطنة ترامب وأنصاره؟

الصراع على الحس السليم

انتشرت، مع فوز ترامب في انتخابات 2016، مقولة تُنسب لخصومه من غلاة اليساريين: وصول ترامب إلى الحكم سيجعل التناقض الاجتماعي في الولايات المتحدة يبلغ ذروته، بدلا من حاله التوافق غير المستقر، الذي مثلته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. بالنسبة لسلافوي جيجيك مثلا فإن الصراع الطبقي الأهم في العالم حاليا، هو الذي يدور داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، ووجود ترامب سيجذّر هذا الصراع، دافعا إلى الواجهة مرشحين أكثر راديكالية، مثل بيرني ساندرز.

قد يمنع استقطاب الحرب الأهلية الباردة انهيار التحالف الهش في معسكر التقدميين، ويجبر المهمشين على التعويل دوما على اللوبيات المالية والسياسية الموجّهة للتيار السائد، لتلافي خطر عودة أمثال ترامب.

لم يحظ هذا المنظور بشعبية كبيرة لدى معادي ترامب، وتم انتقاده بشكل كبير، وربما بشكل محق، فالتطورات اللاحقة بيّنت أن حضور ترامب، بوصفه شيطانا سياسيا، ساهمت بإبقاء التوافق الهش في معسكر الحزب الديمقراطي، بدلا من دفع الصراع بين يمينه ويساره إلى نقطة اللاعودة. الأهم أن التقدميين نجحوا فعلا بتغليب حس سليم ما في المؤسسات ووسائل الإعلام والتواصل، ولكنه قائم أساسا على تفسير أغلبية المشاكل الاجتماعية والسياسية بوجود شخص غبي وعنصري على سدّة الحكم، يتّبعه جمهور أبيض جاهل يشبهه. اليوم، وبعد طرد الشيطان، ما الحس السليم، الذي يمكن لكافة الأخلاقيين والتقدميين الاتفاق عليه؟ ربما كان هذا السؤال هو ما سيدفع الصراع الاجتماعي إلى أوجه، وليس وجود إله الشر في المكتب البيضاوي.
يحوي معسكر معادي ترامب تيارا واسعا من أنصار التقاطعية: يوجد استغلال طبقي، وتمييز عرقي وجندري وجنساني هيكلي، يعاني منه الأفراد، حسب موقعهم في هرمية الضحايا، وبالتالي فإن المنظومة الرأسمالية الذكورية البيضاء هي العدو، والحزب الديمقراطي بدوره جانب من هذه المنظومة، وإن بشكل أقل وقاحة من التيار الأكثر يمينية بين الجمهوريين. يعاني هذا الطرح من مشاكل أساسية، قد تمنعه من فرض هيمنته وحسه السليم في الفضاء العام، فتنوع هرمية الضحايا تسمح لمعظم الأفراد، مهما بلغ نفوذهم وامتيازهم، أن يُدرجوا أنفسهم فيها، أصحاب الملايين يمكن أن يكونوا نساء أو مثليين، أو من أصول غير بيضاء، أو حتى شبابا لم يتلوثوا بتراث «الرجال البيض العجائز» دعك من أن كثيرا من أشد المتحمسين ضد الذكورية البيضاء، يتمتعون بكل الامتيازات الكلاسيكية لـ«الرجل الأبيض» لدرجة يمكن القول معها، إن معاداة الرجل الأبيض هي آخر صيحة بين من هم اجتماعيا في موقع الرجال البيض، على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وميولهم الجنسية. تحالف بورجوازية المدن الكبرى الكوزموبوليتية مع «مهمشي» الأقليات، وهو أساس الائتلاف المعادي لترامب، قد يجعل مهاجرا مكسيكيا فقيراَ يجد نفسه في معسكر واحد مع رب عمله التقدمي، الذي يُشغّله بأبخس الأجور. ووقائع استغلال العمال المهاجرين في المدن، التي أعلنت نفسها مفتوحة للهجرة، نكاية بترامب، معروفة وموثقة.
المشكلة الأخرى، التي تعيق تشكيل حس سليم جديد في غياب ترامب، هي استبعاد «الطبقة العاملة البيضاء» ليس فقط بسبب عرقلته تأسيس ائتلاف عمالي معادٍ للمنظومة، بل لأسباب أخرى، يمكن الاستعانة بالنظرية السياسية لتوضيحها.

أصول حرب الإلغاء

إذا عدنا للتعريف غير الليبرالي للسياسة، فإن تحديد العدو يستلزم السعي لإلغائه سياسيا، إما عن طريق شن حروب إبادة ديمغرافية ضده، كما فعل النازيون مثلا، أو عن طريق إنكار واقعية وجوده أصلا، وتعامل الأنظمة الشرق أوسطية في ما مضى مع القضية الكردية مثال ممتاز عن هذا: بكل بساطة لا يوجد كُرد، بل عرب وأتراك وفرس، تدّعي ثلة من المتآمرين على هذه القوميات أنهم «شعب كردي». وحتى حسب مبادئ الشعبوية اليسارية، فإن بناء الائتلاف الشعبي يستلزم تحديد ذات سياسية تدّعي أنها «الشعب» في مواجهة أقلية من أصحاب النفوذ والامتياز. ولكن ماذا عن أيديولوجيا تحدد العدو بوصفه «الرجال البيض» غير التقدميين وعائلاتهم، أي حوالي نصف الشعب الأمريكي؟ بالتأكيد لن يسعى التقدميون لشن حرب إبادة ضد هؤلاء، فيبقى الحل السياسي الوحيد إنكار الوجود الاجتماعي للرجال البيض، وسلبهم هويتهم، وهو أمر لا يمكن للأيديولوجيا السائدة القيام به، لأنها قائمة أساسا على التضاد معهم، بل وتعرّف جمهورها بناء عليه.
زوال «الرجل الأبيض» سيكون كارثيا لأيديولوجيا التظلّم، لأنه سيصبح من الصعب عندها توزيع المكاسب والامتيازات على أساس تمكين «الضحايا» ولن يصبح بإمكان نائبة الرئيس الأمريكي الجديدة كامالا هاريس، على سبيل المثال، الدعاية لنفسها بوصفها «أول نائب رئيس أنثى من أصول لاتينية». دعك من أن غياب «الرجل الأبيض» سيدفع كثيرا من المهمشين للخروج من مساحاتهم الآمنة، وعندها سيواجهون أسئلة صعبة عن نمط السياسة والاقتصاد والحيز العام الذي سيقيمونه في غياب مُضطهدهم الأبدي.

أيديولوجيا الحرب الأهلية

وبما أن التقدميين غير قادرين أو راغبين بإبادة أعدائهم بمحرقة ما، ولا مصلحة لهم بإنكار وجودهم السياسي، فربما لن تؤدي سياستهم التجييشية ضد خصومهم البيض، اللاأخلاقيين، الأغبياء، إلا إلى نمط من الحرب الأهلية الباردة الدائمة، لا يمنع تحوّلها إلى حرب ساخنة، إلا قوة مؤسسات السلطة التنفيذية في الدول الغربية. قد يمنع استقطاب الحرب الأهلية الباردة انهيار التحالف الهش في معسكر التقدميين، ويجبر المهمشين على التعويل دوما على اللوبيات المالية والسياسية الموجّهة للتيار السائد، لتلافي خطر عودة أمثال ترامب. ورغم هذا يصعب التغاضي عن مدى هشاشة وضعف اتساق الأيديولوجيا السائدة، فعلى الرغم من أنها تحوز مؤسسات شديدة الهيمنة والرسوخ، لم تتوفر على أي أيديولوجيا سابقا، إلا أنها غير مقنعة حتى لأشد أنصارها حماسا: معظم أنصار الصواب السياسي ينكرون أنهم مؤيدون للصوابية، ومعظم جمهور سياسات الهوية يدّعي رفضه لمبدأ الهوية، وأغلب المتكسّبين من دور الضحية يرفضون نعتهم بـ«الضحايا» كما أن كثيرا من منتخبي جو بايدن لا يطيقون مرشحهم العتيد. إنه مصير محزن للأيديولوجيا عموما، إحدى أهم الصيغ الخطابية للحداثة السياسية.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية