سقوط حكومة السنيورة سيكون خسارة للبنانيين واسرائيل والولايات المتحدة علي حد سواء
عون كان المفاجأة الوحيدة.. وانتخابات جديدة لا تعني ابعاد ايدي سوريةسقوط حكومة السنيورة سيكون خسارة للبنانيين واسرائيل والولايات المتحدة علي حد سواء مثل الجنود المنضبطين استجاب مئات الاف الشيعة من كل ارجاء لبنان لنداء امين عام حزب الله حسن نصرالله بالخروج الي شوارع بيروت والمطالبة باستقالة حكومة فؤاد السنيورة، وفي هذا لا توجد اي مفاجأة. فواضح للجميع أن حزب الله يتمتع اليوم في لبنان بتأييد معظم الشيعة، الذين هم الطائفة الاكبر في الدولة.ولا يوجد ما هو مفاجيء ايضا بضبط النفس وبكبح الجماح اللذين مارسهما المتظاهرون. فحزب الله اثبت في السنوات الماضية بأنه يسيطر بيد عليا علي مؤيديه: فاذا شاء أخرجهم في مظاهرات ضخمة تتم بهدوء ونظام مثالي، وان شاء القي بهم الي المعركة.المفاجأة الوحيدة التي وفرتها المظاهرة في نهاية الاسبوع هي هوية المتحدث الرئيسي فيها ـ الجنرال الماروني ميشيل عون. عون كان في الماضي البعيد العدو اللدود للسوريين في الدولة، الا أنه اليوم حليف ـ أو ربما عميل ـ نصرالله الذي يأمل في التعويل علي تأييد حزب الله له في الطريق الي قصر الرئاسة في بعبدا. ضبط النفس لدي المتظاهرين، وكذا حقيقة أنه فضل التخفي وراء الجنرال عون، يدلان علي أن وجهة نصرالله ليست لتحطيم الاواني او الي حرب أهلية مضرجة الدماء. نصرالله يسعي فقط الي الحاق الهزيمة بالسنيورة واجباره علي الخضوع لمطالبه.في هذه المرحلة سيكتفي نصرالله بخضوع السنيورة لبعض من مطالبه، الاساسي فيها هو تشكيل حكومة جديدة يكون لنصرالله وحلفائه من المعسكر الشيعي فيها قدرة تأثير وحق فيتو علي كل قرار. هذا هو هدف نصرالله حاليا، ذلك أنه علي المدي البعيد وجهته تسير نحو السيطرة علي لبنان، بحكم كون الطائفة الشيعية الطائفة الاكبر في الدولة. ولكن لنصرالله صبر وطول نفس، وهو مستعد لان ينتظر الي أن تنضج الظروف للخطوة الكبري.اما رئيس الوزراء السنيورة فتصرف حاليا بشجاعة غير عادية في ضوء مظاهر الرعب من نصرالله. وهو يتمتع بتأييد معظم ابناء الطائفة السنية، المارونية والدرزية، وكذا بتأييد الاسرة الدولية ومعظم الدول العربية المعتدلة. ولكن هذا لا يكفي، إذ أنه اذا واظب نصرالله ومؤيدوه علي مقاطعة حكومته، فان السنيورة سيجد صعوبة في مواصلة أداء مهامه. فعلي اي حال، الساحة اللبنانية غير مبنية علي اداء وظائفها في واقع يكون فيه نحو نصف السكان يقاطعون مؤسساتها.وبالتالي فان المتوقع هو بازار لبناني نموذجي، في ختامه يخرج كل طرف من الاطراف بنصف امانيه بيده: السنيورة سيضطر الي الخضوع لبعض من مطالب نصرالله ونصرالله سيضطر الي التراجع عن مطالب اخري له. وهكذا سيكون ممكنا تأجيل ـ وان لم يكن منع ـ الازمة التالية وما سيأتي بعدها، ذلك أن المعركة علي الحكم في لبنان ستبقي دون حسم واضح.ولكن في لبنان، ليس دوما المنطق هو الذي يقرر سياق الاحداث. فالاحتجاج الهادئ من مؤيدي حزب الله من شأنه أن يخرج عن السيطرة، وكفيل بأن يؤدي الي استقالة السنيورة، والاكثر معقولية هو أن يتلقي رسالة استقالة من الرئيس اللبناني المؤيد لسورية، اميل لحود. ولما كان من الصعب الافتراض أن تتوفر في البرلمان اللبناني الحالي اغلبية لحكومة لبنانية غير حكومة السنيورة، فان المخرج الوحيد من الازمة سيكون التوجه الي الشعب واجراء انتخابات جديدة. واذا ما وصل الوضع بالفعل الي انتخابات جديدة، فيحتمل ان تكون في نهايتها يد مؤيدي سورية هي الاعلي (فلدمشق خبرة ثابتة في تصفية الخصوم المحتملين وتنظيم نتائج انتخابات في لبنان حسب ما تريد). حتي الان صدت واشنطن محاولات دمشق العودة للسيطرة في لبنان، أما اليوم فتهب في واشنطن رياح جديدة، وفي ضوء المأزق الذي علق فيه الامريكيون في العراق، تنطلق نداءات للحوار مع السوريين. اذا ما عاد مؤيدو سورية بالفعل الي السيطرة في لبنان، فان من سيدفع الثمن قبل كل شيء هم اولئك اللبنانيون الشجعان الذين أملوا بأن يصعد لبنان علي طريق الديمقراطية والحرية. وبعدهم ستدفع الثمن اسرائيل، التي ستكتشف بأنها نجحت في ابعاد حزب الله عن الحدود الشمالية ولكنها تلقته كمتوج ملوك السياسيين اللبنانيين والحكومة القادمة في بيروت. وأخيرا ستدفع الثمن الولايات المتحدة أيضا، التي سيشكل سقوط السنيورة نهاية مغامرتها في لبنان كما ستشكل اشارة علي طريق التراجع الامريكي عن العراق وانهاء رؤيا الرئيس بوش بشأن شرق أوسط جديد.البروفسيور ايال زيسررئيس دائرة تاريخ الشرق الاوسط في جامعة تل أبيب(يديعوت احرونوت) 3/12/2006