سكان جنوب السودان يتساءلون عن امكانية بقاء الوحدة

حجم الخط
0

جوبا /السودان ـ من كيتي نجوين:

اجتذبت رائحة أطباق الطعام التقليدية الشهية مجموعة من الجنود السودانيين وأبعدتهم عن لعبة الدومينو التي كانوا يلعبون بها معا فوحدت الاعداء السابقين ليأكلوا من طبق واحد. تحت الشمس اللافحة في ثكنات تطل علي جوبا عاصمة جنوب السودان يجلس جنود حكوميون القرفصاء الي جوار متمردين سابقين يأكلون بأيديهم من طبق واحد يتصاعد منه الدخان. ولسنوات كانت نقطة الاتصال الوحيدة بين الجانبين هي جبهة المعارك في الجنوب حتي جاء اتفاق السلام عام 2005 منهيا الحرب بين الشمال والجنوب. وأعطي الاتفاق الذي لم يحسم صراعين منفصلين في الغرب والشرق قدرا من الامل في المصالحة في أكبر الدول الافريقية مساحة. ولكن بعد مضي اكثر من 18 شهرا ما زال الكثير من السودانيين يتساءلون عما اذا كان يمكن لما يصل الي 500 جماعة عرقية مختلفة تتحدث 130 لغة وتدين بمعتقدات دينية متباينة ان تحيا معا في تجانس. وما زال الكثير من سكان الجنوب مستائين من محاولة حكومة الخرطوم فرض الشريعة الاسلامية عليهم قبل اكثر من 20 عاما كما بدأت النزعة القومية في الجنوب في الظهور. وفي ثكنات تعلو سهول جوبا الخضراء يظن الكثير من الجنود فيما يبدو أن الوحدة ممكنة بالرغم من عشرات السنين من العداء بين الشمال والجنوب. وقال ايوب محمد خاطر وهو جندي عمره 32 عاما من القوات المسلحة السودانية التابعة للحكومة في الخرطوم اذا جاء أحدهم مادا يده لا بد أن تمد يدك حتي وان كان عدوك.

وخلال حرب اهلية استمرت 21 عاما كانت الحكومة السودانية تسيطر علي بلدة جوبا وعلي الحامية وقاومت محاولات من الجيش الشعبي لتحرير السودان للسيطرة عليها. والان تمثل الحامية قاعدة لوحدة تتكون بشكل متساو من الجيش الشعبي لتحرير السودان والقوات المسلحة السودانية. وتحدث المقاتلون عن صداقة محتملة دفعهم اليها سخطهم المشترك من الحرب المريرة التي لم يتمكن أي من الجانبين من الفوز بها. وقال خاطر في حالة وجود جنازة أو حفل زفاف يتبادل الجانبان الزيارات ويتقاسمان نفس مشاعر الحزن او الفرح. وردد بيتر بانداك وهو جندي في الجيش الشعبي لتحرير السودان كان يجلس بجوار خاطر نفس الشكاوي المتمثلة في تدني الاجر وحنين العودة للاهل والزوجة والابناء الذين يبعدون مئات الكيلومترات. وقال بانداك أنا شخصيا لا أكن أي عداء لسكان الشمال… أجد ان من السهل ان نعيش معا في مكان واحد.

وتمثل هذه الوحدة باكورة الجيش الوطني بعد الحرب الاهلية والذي تشكل بموجب اتفاق السلام عام 2005 للدفاع عن السودان وليكون رمزا للوحدة العسكرية خلال فترة انتقالية مدتها ست سنوات تنتهي باجراء استفتاء في جنوب السودان علي الانفصال عن الشمال. ويبدو أن الجنود الذين يرتدون ملابس عسكرية مختلفة ويتجاذبون أطراف الحديث وسط مجموعات ويتبادلون النكات ويلعبون بأوراق اللعب يجسدون رؤية الوحدة التي دافع عنها جون قرنق الزعيم الراحل للجيش الشعبي لتحرير السودان. ورغم مرور عام علي مقتل قرنق في حادث تحطم طائرة هليكوبتر ما زالت صورته منتشرة علي القمصان الرياضية ومعلقة علي جدران المتاجر ومطبوعة في ملصقات في شتي أنحاء جنوب السودان. ولكن في الشوارع المتربة لجوبا فان حلم السودان الجديد الذي كان يتحدث عنه قرنق والذي يمكن أن يعيش فيه الناس جنبا الي جانب بغض النظر عن العرق أو الدين او القبيلة أو الجنس يتلاشي بنفس السرعة التي عاودت فيها النزعة القومية الجنوبية الظهور. فعلي سبيل المثال يرفرف العلم المميز للجنوب وهو عبارة عن نجمة صفراء علي خلفية زرقاء قرب المكان الذي دفن فيه قرنق كما يزداد عدد الالواح المعدنية لسيارات الدفع الرباعي في جوبا التي تحمل حروفا رومانية بدلا من الكتابة العربية. وما زالت مشاعر الاستياء الشديد من محاولة الخرطوم فرض الشريعة الاسلامية علي الجنوب عام 1983 والتي أشعلت الحرب الاهلية التي أسفرت عن سقوط مليوني قتيل قائمة مما يشعل رغبة بين أغلب سكان الجنوب في الاستقلال. وقال التاجر فيليب كوكواو وسط الضوضاء الشديدة التي يحدثها العمال في موقع للبناء حاولنا الوحدة لمدة 50 عاما ولكننا فشلنا. اخواننا في الشمال لا يحترمون حقوقنا كإخوة. وقال الاسقف باولينو لوكودو لورو لم يشارك قط اي جنوبي في رؤية الوحدة هذه.

وأردف قائلا الشماليون نظروا الينا كعبيد.. انهم يريدون تعريبنا وفرض الاسلام علينا نحن وغالبيتنا من الكاثوليك. ان لم تكن هناك مساواة فان التعايش السلمي صعب للغاية.

وفر الكثير من التجار العرب الشماليون من جوبا بعد أن تسبب مقتل قرنق في اشعال أعمال شغب والحديث عن وجود مؤامرة لاغتياله. ولكن بعض الذين بقوا تعهدوا بالاستمرار هناك حتي اذا كانت نتيجة الاستفتاء الذي يجري عام 2011 هي تقسيم البلاد. وقال كريم علي من مخزنه المليء بالمياه المعبأة وزجاجات الكوكاكولا الاحوال التجارية هنا جيدة والوضع الامني طيب. الحال علي ما يرام. لا توجد مشكلة.

ومضي يقول هذا موطني وأنا سوداني لذلك سأبقي.

ويري العاملون المحليون في محطة اذاعة تابعة للامم المتحدة انطلقت في تموز (يوليو) أن التغلب علي سنوات من الاضطهاد للحفاظ علي الحيادية في البرامج والتقارير الاخبارية يمثل تحديا يوميا. وقال ليون ويلمز رئيس المحطة في هذا البلد الجميع معرض للانتماء الي هذا الجانب او ذاك.. ما زال الطريق طويلا.

وتهدف محطة الاذاعة علي موجة (اف.

ام) والتي تبث ارسالها بلغات عدة بما في ذلك العربية الفصحي والانكليزية الي تعريف جميع المواطنين بمعاهدة السلام وان كانت الخرطوم قد منعت وصول ما تبثه المحطة الي الشمال. وبالرغم من هذا الحظر يحاول المذيعون تقوية الاحساس بالوحدة لذلك فانهم يذيعون الاغاني العاطفية العربية الي جانب أغاني الجنوب التي تتحدث عن الوحدة. وقال المذيع جيمس مودي وهو ينقر بأصابعه علي لحن عربي سكان الجنوب يحبون الرقص كثيرا حتي يتصببوا عرقا وتزداد دماؤهم سخونة ولكن في بعض الاحيان يحبون تلك الاغاني القادمة من الخرطوم. (رويترز)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية