سكة الحديد للأوزبكي حامد اسماعيلوف: رواية عن أيتام الامبراطورية السوفييتية.. وقطار الحكايات وشهادة عن التحرر والعودة الي الطريق الصوفي
ابراهيم درويش سكة الحديد للأوزبكي حامد اسماعيلوف: رواية عن أيتام الامبراطورية السوفييتية.. وقطار الحكايات وشهادة عن التحرر والعودة الي الطريق الصوفيهذه رواية مسكونة بالناس والشخصيات، تحتشد بالاصوات والوجوه والالقاب، اضطر مترجمها عن الروسية الي وضع معجم (150 اسما) لابطالها، وشروحا وحواشي في نهايتها. سكة الحديد للكاتب الاوزبكي حامد اسماعيلوف، هي رواية فولكور، ملحمة عن تاريخ وسط آسيا في اكثر من قرن. وهي عن حكاية سكان الجبال والوهاد والسهول، عن المزيج السكاني في قرية متخيلة، تعيش في قلب العالم ومنتهاه. و سكة الحديد فيها شاعرية ساخرة، حادة او خفيفة، وفيها قلق الانسان الوجودي الذي يتزاوج مع المعتقد الصوفي الاصيل في حياة السكان الذين حافظوا علي معتقداتهم وتراثهم الثقافي اثناء الحكم الشيوعي. سرد يجمع بين الواقعية التي تقترب احيانا من السحرية، والفنتازيا التي تستعيد الف ليلة وليلة، واشعار حافظ، والمعلقات وامرأ القيس، اصحاب العمائم الذين يجيدون اجتراح المعجزات يتعايشون جنبا الي جنب مع كوادر الحزب الشيوعي. حامد اسماعيلوف، الذي يعيش في المنفي منذ عام 1994 ويعمل في قسم آسيا الوسطي التابع لهيئة الاذاعة البريطانية لا يكتب سياسة ولكن السياسة تبدو واضحة في قصصه التي لا يجمعها الا تمحورها حول بلدة غيلاس ، ومحطة القطار، وخط السكة الذي ينزل الي البلدة ويصعد اليها، ويربطها مع العالم. ومع ذلك فقد منعتها الحكومة في اوزبكستان. خط الحديد، وشخص يتكرر في سياق الرواية ولد هما ما يجمعان كل خيوط السرد، الذي يغوص في عوالم فتنازية لاهالي الجبال، حكاياتهم، طقوسهم، طعامهم وشرابهم ومعتقداتهم والعالم اجمع، خاصة العالم السوفييتي، وايتامه الكثر فاليتيم في العرف السوفييتي القديم والده ستالين وجده لينين . القطار في صعوده وهبوطه يذكر في اطار اخر بالطريقة التي عبر فيها الكاتب الانكليزي – البولندي المعروف جوزيف كونراد قلب الظلمات عن التيمز الذي يبدو مثل ثعبان يتلوي، وفي سياق رواية اسماعيلوف، يبدو القطار وخطة السكة مثل ثعبان يصفر ويهدر مثل الحية مليء في داخله وخارجه كفار يلوحون بأيديهم ، هكذا اعتقد كل من محمود حجة وجبريل، السني والشيعي.تدور احداث الرواية في الفترة من نهايات القرن التاسع عشر وحتي عام 1980 في قرية غيلاس كما اشرنا بداية والتي تقع علي طريق الحرير، ويقدمنا الكاتب حامد اسماعيل الي حيوات الناس المتعددة الاتجاهات والملونة بالوان من التراث والافكار، فهي عن المشايخ اصحاب العمائم، عن البلشفيك وقيادة الحزب عن الروس والعرب واليهود والكوريين والتتار والغجر. وعبر هذا الحشد من الشخصيات يمزج اسماعيلوف بين السرد الادبي المقنع وبين السرد التراثي الحكائي الساذج. و سكة الحديد تشير الي التغيرات الهائلة التي حدثت في هذه المدينة في وسط اسيا. اسماعيلوف يعيش الان في انكلترا بعد ان خرج من بلاده اوزبكستان. ويعيش ويعمل في خدمة هيئة الاذاعة البريطانية الموجهة الي اسيا الوسطي منذ عام 1994. وقام بترجمة الرواية روبرت تشاندلر. مع المحطة، وقريبا منها، مركز الحزب الشيوعي، ووصول وسفر القطار يعطي صورة عن الترابط بين حيوات السكان واقدارهم المرتبطة بالقطار. تقوم الرواية علي الرغم من تنوع شخوصها، واصولهم الاثنية والعرقية علي فكرة القص الفولكوري المتجذر بين شعوب الجبال في آسيا الوسطي والادب المعادي للشيوعية. لدينا قصص عن بطولة ابناء الجبال وحيلهم وقدرتهم علي اداء الالعاب. ولهذا فالكاتب يتعامل مع روايته علي انها ملحمة روائية، عن الشعوب والسكان وعن الافراد.فعندما يتم ارسال عدد من سكان المدينة الي المعتقلات والغولاغ يشاهد السجناء من ثقب في الشاحنة خط سكة الحديد الذي يتحول الي مجاز عن السجن وكأن العالم كله يعيش خلف الاسلاك.تجذر الرواية في تاريخ وادب وسط آسيا، لا يعني انها معزولة عن سياق التاريخ في اوزبكستان، فالمجتمع الذي يصوره اسماعيلوف يعيش الان في معظمه في هذا البلد الذي كان واحدا من جمهوريات آسيا الوسطي، والقاريء المطلع علي شيء من التراث الفلولكوري والاسلامي لهذه المنطقة يجد متعة في اقتباسات اسماعيلوف وبالنسبة للذي لا يعرف شيئا عن تاريخ المنطقة لا يهمه كثيرا هذا التاريخ لان السرد والتقاطع والتجاذب بين ابطال الرواية يعوضه عن هذه الثقافة الناقصة، والمترجم روبرت تشاندلر يضع سياقا لهذه الثقافة في المقدمة للرواية، ومعجم الابطال والحواشي والشروح في النهاية، ولا يعدم القاريء ان يجد في السرد نوعا من الحس الغيبي الصوفي في تفاصيل واحداث هذا العمل. الكاتب يتجنب النقد المباشر لما يحدث في اوزبكستان اليوم، ولكن الممارسات تصب في هذا الاتجاه، فهناك تفاصيل عن محاولات ضابط شرطة ابتزاز فتاتين ساذجتين فاطمة وزهراء واغتصابهما تحت ذريعة انهما قامتا بمحاولة لرشوته، ولتجنيبها مصير الاعتقال في حقول الموت في سيبريا يخيرهما بين بيع جسديهما له او الاعتقال، كما يصور اسماعيلوف مصير المزارع الجماعية، وصعود الشخصيات التي أدارتها ضمن النظام الشيوعي الجديد.وبالعودة الي ما يمثله القطار وخط سكة الحديد لهذا المجتمع المتعدد الاثنيات والعرقيات، فهو يرمز لوصول الحداثة، والروس والثقافة الروسية المتمثلة بالفكر الشيوعي الذي بدأ يفرض حضوره علي مجتمع زراعي رعوي. ولتمثيل الصراع او التجاذب بين الحداثة والتقاليد يستخدم اسماعيلوف استراتيجية تعكس تجربة البلدة التي دخلتها الحداثة، وهي استراتيجية، تعكس حكايات عن اسطورية كما تتمثل في قصة عبيد ـ قوري ( القاريء الذي عشق اويمتشا وعذب والده ميزاريام ـ بي الذي خسر كل ثروته من الشياه، في البداية عندما كان والدا نزقا يقطع الرؤوس منها رأس احد السفراء. وعندها قرر الاب حل معضلة هذا الابن الذي هو نتاج زواج مختلط بارساله الي سكان السهول، حيث يتعلم ويدرس في احس مدارس القرآن في بخاري ويعود ليتزوج اويمتشا، وزواجه هذا يعني نهاية ثروة الوالد والعيش فقيرا. عبيد ـ قوري هو والد الولد الذي يقف عند خط السكة يراقب القطار ويطبع قبلة في الهواء لفتاة شاهدها في واحدة من عرباته. او قصة الملا ذي العيون الخضر الذي تزوج من اخت رئيس فرع الحزب في غيلاس، اكثم المتواضع والتي خطت طريقها في الحزب واصبحت مسؤولة الحزب او السوق في البلدة، ويتعرض الملا اثناء الثورة البلشفية للاعتقال وبمعية يهودي اسمه بنحاس ينقلان الي حقول الموت، حيث يعرف الملا ان اهم شيء في الحياة التعليم وتأخذه خطواته في رحلات يعبر بها اوروبا، ويعيش في فرنسا، ويتنقل عبر عدد اخر من الدول الي اليونان وتركيا ثم يعود الي بلدته وفي جعبته الكثير من اللغات والتجارب والحكايات. مع هذه يزاوج في سرده حكايات وقصصا متقطعة ذات حس واقعي سحري، اعاصير من الغثيان، دموعا تغمر كرسيا في دار سينما، وتغسل سجادا.. وهذه القصص مع الابطال الخياليين تعطي صورة مرعبة عن الحياة في المدينة، ولكنها تصبح في الخلفية مع تقدم قراءة هذا العمل. شيئا فشيئا نعثر علي وصف واقعي عن الحياة في المدينة التي تمثل الحقيقة، عن روث البهائم، ورائحة النعناع، وعن ادمان السكان علي متابعة الافلام الهندية في السبعينات، ووصول جماعة من الكوريين. ومن خلال هذا الحس الواقعي نعثر علي البطل اليتيم الذي يعطي الرواية بعدها الانساني، حيث نتابع في سلسلة من الاحداث تطوره وتقدمه نحو سن الشباب، خاصة عندما يحضر جنازة جده ويهرب من البيت، ولكن الحدث الاهم في حياة الشباب هي طهوره الذي يحتفل به وتحضر له الولائم، وهذا الفرح العام يتناقض مع شعور الطفل ـ الشاب بنهاية عهد الطفولة، بالالم الذي يعتصره، فكؤوس الكونياك التي شربها لينسي الالم لا تفلح بتخفيف شعوره بالخجل والقرف في آن واحد. يقول شاندلر ان رواية سكة الحديد هي عن الايتام. وينقل عن اسماعيل قوله انه لا يوجد شيء غير حقيقي في هذا العمل، او انه قائم علي فكرة المبالغة والتخيل، فتاريخ الاتحاد السوفييتي السابق يشير الي ان اعدادا كبيرة من الاطفال نشأوا في مراكز الايتام، معظمهم فقدوا آباءهم اثناء الحرب العالمية الاولي، او اثناء عملية التطهير الذي قام بها ستالين، والبعض الاخر اثناء الحرب العالمية الثانية. وقد اكد الادب السوفييتي، خاصة المكتوب للاطفال علي نبالة اليتم ، فاليتيم هو حالة مثالية فوالد كل يتيم هو ستالين وجده لينين . ولكن هذا التركيز علي اليتم لا يستبعد اهمية غيلاس التي تمثل في نسيجها السكاني صورة عن سفينة نوح، ففيها الكوري، والشيشاني، والارمني والروسي والقوقازي، وهي بالتالي صورة عن الاتحاد السوفييتي السابق في طموحاته لاقامة المجتمع الشيوعي. وهذه الصورة ليست متخيلة كما يؤكد اسماعيلوف، فمدن مثل طشقند كانت في اثناء الحرب العالمية الثانية، متنوعة، كوزوموبوليتية، ينشط اهلها في السفر فيما تم طرد وترحيل اخرين الي بقاع اخري في الامبراطورية. نكتشف اذن ان سكة الحديد في بعدها الحداثي، وغيلاس في شكلها التراثي المحتشد بالناس هي عن صورتين للاتحاد السوفييتي، فغيلاس هي الامبراطورية ذاتها، وفي داخل هذه الامبراطورية البعد الصوفي وموضوعاتها التي لم تمت. وهنا فالسكة التي بنيت في العهد القيصري تمثل بالنسبة للحجيج العائدي من مكة خط الصعود الي العالم من بدايته الي نهايته، وبالنسبة لعبيد ـ القوري الذي سجن في الثلاثينات وحمل في عربة لكي يقتل رميا بالرصاص، فخطا السكة، والحامل الذي يثبتهما هي بمثابة مجاز عن السجن الكبير، وبالنسبة لامرأة تولد في المهجر، فخط سكة الحديد هو بمثابة غلاف للارض وسكانها يغير شكل الحياة ، اما بالنسبة لغوغوشكو، العضو السابق في الحزب، والصوفي الفاشل، فسكة الحديد هو الطريق الروحي الذي فقد معناه وافرغ حياته من معناها الحقيقي. ولكن سكة الحديد هي عن الثمن الانساني الفادح الذي دفعته القبائل التركمانية عندما اجبرها القياصرة علي بناء وحفر اساسات السكة، وخلال العذاب والقهر، كانوا يكسرون قطع السكة ويحولونها الي سلم تصعد فيه ارواح الموتي الي السماء. خلف هذه القساوة فان مشهد الولد في سكة الحديد، في قبلته الطائرة في الهواء تعكس حالة من التحرر من ظلم الماضي وقتامة اللحظة. فموقفه هذا يعكس لحظة العودة الي النبع الصافي وتحررا من ربقة العالم الذي عاشه السوفييتي، اي العودة الي الطريق الصوفي احبك هي صرخة العودة. يقول تشاندلر ان اسماعيل في رسالة كتبها له، اشار الي البعد المجازي والرمزي في قصة الولد، فهو ان تخيلناه في واحدة من عربات القطار، فكل القصص والحكايات هي استعادات ولحظات عن حياة مدينة. ومثل اي قصص او حكايات بعضها يبقي وبعضها يختفي بدون اثر. ولكن ما يجمع القصص العابرة والمؤثرة هي لحظة الجذل والامل، والسخرية المثيرة للضحك. وقدم اسماعيل هذا من خلال لعبه بالكلمات، او تمرير حس بقوة الكلمة التي تتحول الي تعويذة تخيف فيها حاجة اطفال المدرسة عندما يمرون من امام مقبرة، ونقرأ في الرواية عن اشخاص يجمعون الكلمات، القصص، المخطوطات، وعن رجل يجمع الشعارات، وهنا تبرز اهمية الشعار الذي حفظه وردده ملاـ ذو العيون الخضر عن الولاء الشيوعي وطبع كله في كلمة واحدة غطت ثلاثة اسطر.رواية حامد اسماعيلوف، كما يقول مترجمها تحمل الكثير من ملامح اعمال الروائي الروسي اندريه بلانوتوف خاصة روايته الروح التي ترجمها تشاندلر الي الانكليزية، ويقول ان هناك ملامح مشتركة بين العملين ولكن اهم ملمح هو تلاعبهما بفكرة الصداقة بين الشعوب التي كانت شعارا للاتحاد السوفييتي السابق، فمثل سكة الحديد، فعمل بلانوتوف يصف بلدة اسمها داجان علي انها مسكونة بشعب بدوي مترحل صغير، ولكن من اصول مختلفة. رواية سكة الحديد مليئة بالالوان والسرد المتنوع، وهي عن الحياة في آسيا الوسطي في الثمانين عاما من القرن الماضي، فهي عن الاصوات مثل مفيودي ـ الفقيه ، ومثقف البلدة المخمور، والقس الروسي الاب ـ لوان، وكارا موساييف، ضابط الشرطة، ومقرض الاموال عمرالي ـ حقيبة النقود. وقد وردت اسماء الابطال او شخوص الرواية مشفوعة بألقابهم. ہ ناقد من اسرة القدس العربي The RailwayHamid Ismailov Translated From Ruian by:Robert ChandlerHarvill SeckerLondon/20060