سكرتيرة هتلر تروي مذكراتها عنه بعد نصف قرن من انتحاره
الفيلم الألماني السقوط للمخرج هيرشبيغل:سكرتيرة هتلر تروي مذكراتها عنه بعد نصف قرن من انتحاره وأخيرا قرر الألمان إنجاز فيلم مميز عن هتلر، لا سيما بعد سنوات من الشعور بالخجل من افعاله الديكتاتورية، وما قادهم إليه من هزيمة. ولكن سواء قبلنا بذلك أو رفضناه فإن الكثير من الألمان أيضا ما يزالون معجبين بشخصيته القيادية وتلك الفرادة ذات الطابع الجدلي التي اتسمت بها بعض أعماله. ولعل فيلم السقوط الذي انطلقت عروضه في ربيع 2005 يجعل المرء يحتار كيف ينظر لهتلر وقادته من النازيين في تلك السنوات الحاسمة من الأربعينات، حيث الحرب العالمية الثانية علي وشك أن تضع أوزارها. ولقد أثار الفيلم وما يزال الكثير من النقد في ألمانيا تحديدا، لا لجانبه الفني، بل لموضوعه الشائك وشخصياته المثيرة للجدل التي بدا بعضها إنسانيا وضعيفا فيما الوقائع التاريخية تخالف ذلك.بالنسبة لنا نحن العرب بعيدا عن ألمانيا يمكن أن نتلقي الفيلم بصورة مغايرة، ولا سيما وأن هتلر يصرح بأنه حاول أن ينقي العالم من السم اليهودي، وهذا الخطاب بكل هذه الصراحة يثير وترا حساسا عند الكثير من العرب والمسلمين الذين تجرعوا ذلك السم، وبدا الفكاك منه أمرا صعبا، لا سيما وهو ما يزال ينفث بشدة علي أبناء فلسطين صباح كل يوم.أعود إلي الفيلم (السقوط) الذي أخرجه أوليفر هيرشبيغل عن قصة سكرتيرة هتلر (تروديل جانغ) التي كتبتها بمساعدة ميليسا ميللر، وأيضا اعتمادا علي كتاب المؤرخ الألماني يواخيم فيست الأيام الأخيرة للرايخ الثالث حيث يواجهنا أولا وجه تروديل الحقيقي في شيخوختها (توفيت سنة 2002) وهي تروي قصتها مع هتلر، وهذا يكاد يذكرنا ببداية فيلم تايتنك الشهير، وتلك الناجية التي تروي ذكرياتها، تقول تروديل جانغ هنا كان لا بد أن أكون أشد غضبا من تلك الفتاة الصغيرة التي لم تكن مدركة ما هي مقبلة عليه، لم أكن نازيـــة متعصبة ولكن الفضول هو الذي قادني إلي مقر ذلك الوحش.. لن أسامح نفسي).هكذا نستشف إذا من الكلمات الأولي أن الفيلم صنع ليكون ضد هتلر حتي بعد ستين سنة من انتحاره، ثم ينفتح المشهد علي برلين ليلا في نوفمبر 1942 حيث مجموعة من الفتيات يدخلن مقر الفوهرر هتلر المحصن، وبالطبع من بينهن الآنسة جانغ (الممثلة اليكساندرا ماريا لارا)، التي تلقي القبول عند هتلر (الممثل برونو غانز) ويعينها طابعة لخطبه ومراسلاته. ثم ينتقل الزمن إلي العشرين من إبريل 1945، وقذائف المدفعية الروسية تدك بنايات برلين وشوارعها حتي تقترب من مقر الفوهرر، نتعرف أيضا علي بعض قادة النازيين ووزارئهم، هنا قائد المخابرات هيملر ينصح هتلر بالرحيل عن برلين، ويجري بعض الاتصالات السرية مع إيزنهاور للوصول إلي حل لما يجري من دون علم هتلر بالأمر، والجنرال العسكري مونك (آندريه هينك) يأتي ناصحا هتلر:ـ ما يزال هناك 3 ملايين مدني يجب إخلاؤهم.فيرد هتلر: في حرب مثل هذه ليس هناك شيء أسمه المدنيون.مونك: ولكن ماذا يحدث للأطفال والنساء وآلاف الجرحي والمسنين؟هتلر: شعبنا أصبح ضعيفا وطبقا لقوانين الطبيعة يجب أن ينقرض.إذن نحن نواجه رجلا حاد الطبع، كثير الصراخ، وبلا قلب، رجلاً يحلم ببناء الرايخ الثالث، ليبقي آلاف السنين، ويقف أمام مجسمه المصغر الذي صممه المهندس البيرت شبير(هينو فيرش) متخيلا ناطحات السحاب، والمصانع، ومراكز الثقافة والفنون، وأبنية الدولة التي ستطاول الأكروبولس عزة وزمنا، بينما مدافع الجيش الأحمر تستمر بالقصف لمركز المدينة، وآلاف الجرحي يئنون، والحالة بائسة في ما تبقي من المدينة التي تعاني من الجوع والبرد القارص.الفوهرر في مقره يرفض فكرة الهزيمة، والاستسلام، ويمني قادته بجيوش جرارة ستأتي لسحق الجيش الروسي، وحينما يخبره قادته المحيطون به ورجال مخابراته بأنه ينتظر الوهم يخر صارخا ومنهارا، ويطلق عليهم صفة الخونة، ويهددهم بالشنق، فيما يقف إلي جانبه وزيره النازي غوبلز (أورليش ماثيس) الذي يؤمن به إيمانا لا حدود له، ويكرر أفكاره وكلماته ومنها أن الشعب الألماني قد جلب علي نفسه الدمار وأنه لا أسف عليه. أما ماغدا زوجة غوبلز (الممثلة كورينا هارفوخ) فهي أشد تعصبا من كليهما، وتقول أنه إذا ماتت الاشتراكية الوطنية فإنه لا مستقبل لأولادها الستة، ونتعرف أيضا علي إيفا بروان (جوليانا كوهلر) صديقة هتلر منذ 15 عاما، وهي تموج فرحا في المقر، وتحاول أن تخلق جوا من الحبور علي الجميع عبر الرقص والشراب. وفيما تتسارع الأحداث يقرر الفوهرر الزواج من إيفا، والانتحار معها بالسم والطلقات النارية، و تقتل ماغدا أطفالها الستة بالسم وهم نيام، وتنتحر مع زوجها غوبلز، ويفجر طبيب هتلر نفسه وعائلته بقنبلتين، وهكذا تتوالي الأحداث الدراماتيكية بشكل متسارع، والانهيارات لبرلين وحاميتها تصل حدود الاستسلام، فيما يحرق حارس هتلر الشخصي جثة قائده وزوجته ولا يبقي لها أثرا. التوثيق والتلفيق الفيلم المبني بشكل يقترب من التوثيق بأثر رجعي، عبر استحضار شخصيات حقيقية من لحم ودم، وكانت ملء السمع والبصر قبل ستين عاما، يحاول أن يوهمنا تماما بأننا أمام شخصيات كانت مسؤولة عما حدث، ولكنها في الوقت نفسه عاجزة عن فعل أي شيء يجنب بلادها الدمار بفعل دكتاتورية قائدها الأول والأخير، فالرأي الأوحد له، وهو كما يبدو في الفيلم حالما أكثر منه واقعيا، ورافضا لأي تفاوض أو استسلام أو اعتراف بالهزيمة. وحين يجلس منكسرا والدموع تفيض من عينيه يقول كانت لدي خطط عظيمة للألمان وللعالم، لم يفهمني أحد حتي إخوة السلاح القدامي، يكفيني فخرا أنني حاربت اليهود في كل مكان، وطهرت العالم من سمومهم .. وحين يرجوه أحد قادته المقربين أن ينقذ الشعب يرد الفوهرر إذا كان شعبي لا يستطيع أن يتحمل كل هذه المحنة فلن أذرف عليه دمعة واحدة..إنهم يلقون ما يستحقون .إن شخصية عالمية الطابع ومثيرة مثل هتلر يتم تناولها بكل هذه التفاصيل والأقوال تستحق الكثير من الدراسة، ولهذا فالألمان أنفسهم يستطيعون أن يجيبوا عن سؤال حول ذلك الفاصل الواهي بين التوثيق والتلفيق في هذه الشخصية، ولا سيما فيما يتعلق باليهود، فمع نهاية الفيلم ثمة سرد مختصر لمصائر الشخصيات التي وردت، وبعض الأرقام التي تذكر بأنه قتل في الحرب العالمية تلك 50 مليون شخص، وأبيد ستة ملايين يهودي في المحرقة، وأن الجنرال مونك أطلق سراحه من الأسر عام 1955 ومات عام 2001، وهيملر انتحر، والبيرت شبير حكم عليه بالسجن عشرين سنة ثم أطلق سراحه وعاش في لندن حتي وفاته عام 1981، و الجنرال ويدلنج مات في الأسر عام 1955، وطابعة هتلر عاشت حتي العام 2002. وهكذا بدت واضحة مصائر الشخصيات، وتم متابعتها من قبل الحلفاء وما بعدهم، ولكن من الملاحظ التركيز العالي علي المسألة اليهودية ومعسكرات الإبادة، وكأن المقصود من الفيلم في بؤرته الباطنية إعادة الانتباه لما حل باليهود علي يد هتلر كشعب مظلوم، ومثل هذه الدعوات اليوم لا تخدم إلا دولة محتلة مثل إسرائيل لكي تستمر في احتلالها، وتتوسع من دون رادع فيما الشعوب الأوروبية لا تجد غضاضة في التخفف من ذلك الوزر النفسي الذي أطاح بطمأنينتها منذ ستين سنة أو يزيد وتم تضخيمه مرارا وتكرارا.علي كل حال بدا هتلر في الفيلم متقنا بأداء ممثل قدير مثل برونو غانز الذي حصل علي جائزة الأوسكار كأفضل ممثل أجنبي عن دوره هذا، صحيح أنه في الرابعة والستين اليوم بدا أكبر من هتلر الأصلي ذي الستة والخمسين عاما، ولكنه وبعد دراسة مستفيضة لشخصية الرجل وخطبه والتوغل في أرشيفه السمعي والبصري استطاع أن يتقن دوره تماما ويتقمص شخصية هتلر بكل اقتدار، وليس الأمر بأقل من ذلك عند بقية الشخصيات العسكرية الأخري، ولا سيما الوزير غوبلز الذي بدا شيطانا شمعي الملامح لا يرف له جفن، وزوجته ماغدا التي قتلت أولادها الستة بدم بارد تخليصا لهم من المستقبل المظلم. لقد بدت بعض الشخصيات سائرة إلي أقدراها دون هوادة، وارتضت غالبيتها المصير المحتوم مع القائد الأوحد، ومن استطاع الفرار طورد وأعدم، فالوقت قد فات علي التراجع.بدا أسلوب المخرج هيرشبيغل في فيلمه هذا الاشتغال علي الجانب النفسي للشخصيات ورصد ردود أفعالها، أكثر منه رصد تلك المعارك التي دارت في برلين وما حولها، فلم نر عناصر من الجيش الأحمر إلا في النهاية، ورأينا القذائف التي تصيب المدينة بالدمار ولم نر المدافع التي تطلقها ولا الطائرات، لقد ظهر اشتغال هيرشبيغل أيضا علي الأماكن الداخلية للأحداث في مقر الفوهرر المحصن تحديدا، وفي بعض الملاجيء الواقعة تحت الأرض وبعض البنايات المتهدمة، ورأينا آثار تلك الحرب المدمرة عبر الأشلاء المتقطعة والدماء السائلة ووجوه الناس المعذبة من البرد والجوع والخوف، أكثر مما رأينا مثلا كيف وصلوا إلي هذه الحالة. ولنأخذ هنا فيلما مثل إنقاذ الجندي رايان كنموذح معاكس يشتغل علي الجانب الخارجي من الأرض والأحداث ومصائر الشخصيات، وكيف تتلقي أولا بأول الهجمات، فيما فيلم السقوط يرصد ذلك البعد الأكثر صعوبة وهو ردود فعل الشخصيات وترقبها القاتل. وتم توظيف المؤثرات السمعية المتقنة لأصوات القذائف والطلقات وصراخ الناس، وعلي كل حال فإن فيلم السقوط من الأفلام الألمانية التي ستظل لسنوات طويلة مدار نقاش المؤرخين والسياسيين ما بين المباركة واللعنة، ومجال دراسة أوسع لنقاد السينما وتذوق لعشاقها.ہ كاتب أردني[email protected]