تنشغل المنطقة بالتطور العسكري بين طهران وتل أبيب، واتخاذ الأخيرة قراراً باستهداف المنشآت الإيرانية، والتي أسهمت في مقتل قادة عسكريين بارزين في القيادة الإيرانية والحرس الثوري، وآخرين ضالعين في الملف النووي الإيراني، وتداعياتها على المنطقة التي تغلي على صفيح ساخن.
العراق الذي كان ممراً رئيساً للصواريخ والطائرات الإسرائيلية، التي اتجهت فجر الجمعة الماضية، صوب إيران، يعيش مشهداً ضبابياً ابتدأ بقرار الخارجية الأمريكية سحب موظفيها الدبلوماسيين من سفارتها في بغداد وقنصليتها في أربيل، قبل ساعات من الهجوم الإسرائيلي على إيران، مروراً بترقبٍ حذر لرد فعل الفصائل العراقية الشيعية المسلحة، التي لوح قادة فيها باستهداف المصالح الأمريكية بـ«مئات الاستشهاديين»، حال ضرب الجمهورية الإسلامية.
ورغم إن الحكومة الاتحادية- بزعامة محمد شياع السوداني، المشكلة بالأساس من ائتلاف سياسي شيعي يضم أغلب قادة هذه الفصائل، لا تنوي الانخراط في حربٍ جديدة، وتؤمن بالحوار لحل الأزمات، غير إن مهمتها في كبح ردة فعل متوقعة للفصائل، تبقى مهمة شاقة قد تقوض الهدوء النسبي في البلاد.
سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، رائد فهمي، تحدث عن إن هناك توجها لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وإن استهداف إيران يمثل صفحة جديدة من صفحات غزة ولبنان وسوريا.
فهمي الذي شغل منصب وزير العلوم والتكنولوجيا (2006-2010)، ونائباً في البرلمان (2018-2019) قبل أن يقرر الاستقالة على خلفية حراك أكتوبر الاحتجاجي، يرى أيضاً أن الفصائل المسلحة العراقية تُدرك تداعيات أي خطوة تتخذها، وإنها ستكون في وسط الجبهة وستتعرض لضربات قوية، مؤكداً أهمية وحدة موقف الأطراف العراقية، وعدم تحول البلاد إلى ساحة.
ولم تغب ملفات القضية الفلسطينية، والعلاقات العراقية ـ السورية، والانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، عن الحوار الذي أجرته «القدس العربي»، مع فهمي، وفيما يأتي نصه:
○ كيف تقيمون الضربة الإسرائيلية للجمهورية الإسلامية في إيران، وما هي تداعياتها سواء على المنطقة أو الداخل العراقي؟
• إن الضربة تمثل انتهاكاً للقوانين الدولية والسلم الأهلي في العالم وفي المنطقة أيضاً، لكن هذه الضربة وتداعياتها لم تنته بعد، خصوصاً إن القيادات الإٍسرائيلية تتحدث عن أسابيع، والمسؤولون الإيرانيون يتحدثون عن رد كبير يجعل إسرائيل تندم على فعلتها، وإن الضربة استهدفت قيادات ومنشآت كبيرة جداً.
وفي حال كان الرد الإيراني بهذه السعة، فإنه يستدعي رداً مقابلاً (من جانب إسرائيل)، وسندخل في عملية تصعيدية كبيرة يزداد عدد المشاركين فيها، فهل أمريكا ستقف متفرجة؟ وما هي أهداف الجهات الأخرى؟
العراق هو الممر، لكون الطائرات الإٍسرائيلية عبرت أجواءه والرد أيضاً يكون عبر الأجواء العراقية، فكيف سيكون موقف الجهات في داخل العراق؟ وهل ستكون جزءاً من هذا الرد الشامل؟
تداعيات هذه الضربة التي لا تزال جارية، قد تدفع إلى تصاعد الأمور، بمعنى إن استمرار الأوضاع بهذا الشكل فإن الهدف يتعدى البرنامج النووي، وهذا يقودنا إلى تصريح ترامب عندما هدد بـ«انتهاء كل شيء»، وأن يكون النظام الإيراني هو الهدف.
التداعيات ليست فقط على العراق، بل على الوضع في المنطقة ككل. نحن في بداية عملية لا نعرف حتى الآن نهاياتها، وهي تعتمد إلى حد كبير على نوعية الرد الإيراني وامكانية أن يسهم في انتقال الأمر من ضربات إلى حرب، وفي هذه الحالة فإن الوضع العراقي لن يعود محصوراً على التطورات الداخلية وإنما سينفتح ويتفاعل مع المحيط.
إن هذا المسلسل يسهم في إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وهذه محطة جديدة. نحن مررنا بمحطات عدة في غزة وضرب «حزب الله» في لبنان، وإسقاط نظام الأسد في سوريا وما تلاه، واليوم هناك صفحة جديدة في هذا المشروع الكبير الذي يتعدى موضوع إيران فقط.
○ كيف سيكون رد الفصائل المسلحة العراقية على الضربة الإيرانية، خصوصاً إنها لوحت بالتدخل وزج «مئات الاستشهاديين» في استهداف المصالح الأمريكية؟
• على المستوى الرسمي العراقي، كان موقف الحكومة متوازناً، وأكد على الانتهاكات للقانون الدولي، ودعا مجلس الأمن للانعقاد والمنظمات الدولية إلى اتخاذ إجراءات لمنع تدهور الأوضاع.
وعلى المستوى الدولي، لم نسمع إدانات من الدول الكبرى وخصوصا الأوروبيين، فكيف يمكن أن نتوقع موقفاً من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟ الموقف الدولي كما كان في السابق غائباً أو مشلولاً.
داخلياً، أرى أن القوى العراقية سواء كانت الفصائل أو غيرها، تُدرك تداعيات أي خطوة تتخذها، وإنهم سيكونون في وسط الجبهة وسيتعرضون لضربات قوية. هنا أشير إلى موقف مقتدى الصدر (زعيم التيار الصدري) الذي نبه وأشار إلى مخاطر الذهاب في هذا الاتجاه.
العراق يحاول قدر الامكان ضبط أوضاعه الداخلية وسياسته الخارجية بحيث أن لا يتحول إلى طرف مباشر أو ساحة، لكن نجاحه مرهون بقدرة الدولة العراقية على السيطرة على كل المفاصل المختلفة، بما فيها الأطراف المسلحة. ينبغي أن يكون هناك موقف موحد بهذا الشأن.
○ هل نجحت الحكومة في النأي بالعراق بالفعل عن الصراع الدائر في المنطقة منذ أحداث أكتوبر وسقوط نظام الأسد تالياً، أم إن الوضع يُنذر بتصعيد لاحق؟
• إذا لخصنا موقف العراق بالموقف الحكومي، فإن الحكومة تحاول عدم جر البلاد إلى هذه الصراعات، وقد توفقت في ذلك خلال السنتين الماضيتين، لكن ذلك لا يمثل العراق بأكمله، أو إنه لا يمثل المشهد السياسي العراقي. لدينا فصائل مسلحة ولدينا أكثر من موقف داخل «الإطار التنسيقي» الحاكم، لكن ضمن المرحلة الحالية فإن هذه التوازنات نجحت (الحكومة والإطار) في الحفاظ على درجة من التماسك في المواقف وأن لا ينجر العراق كثيراً في المواجهات، وعندما حدثت بعض المناوشات تم احتواؤها، وبموافقة إيران بهذا الشأن، لكن إذا تصاعدت الأمور واختلت هذه التوازنات فهل هناك ضمانة بأن الحكومة العراقية بشكلها الحالي قادرة على السيطرة على الموقف وتمنع وتتحكم بردود أفعال الأطراف الأخرى، خصوصاً إذا كُنا نتحدث عن ضربات قد تكون كبيرة توجه إلى إيران؟ هذا موضوع آخر.
إن هناك نقطة بُنيوية، تفيد بأن هذه التوازنات والمواقف قلقة داخل الدولة العراقية، لأن القرار ليس بيد الحكومة فقط، إذ أن هناك شركاء سياسيين وهناك أيضاً شركاء غير ممثلين سياسياً- مثل الفصائل التي تحمل السلاح، وبالتالي فإنه لا يتم التحكم بردود أفعال وسلوكيات جميع هذه الأطراف بمنظومة موحدة، ناهيك عن أنه في داخل المنظومة الحاكمة توجد مواقف متباينة بين الأحزاب الكردية والأحزاب السنية. هذه الأطراف غير متفقة أو مجمعة على المسارات اللاحقة أو الحالية. على سبيل المثال هل الجميع متفق على موضوع تداعيات الضربة الإيرانية؟
العراق أمام نوعين من التحديات لا تقتصر على الحرب وخسائرها البشرية والمادية، بل إمكانية بروز تحديات على البُنية السياسية التي من الممكن أن تشهد توترات شديدة جداً، لذلك نحن نقول هل يمكننا إن نحقق إجماعاً على موقف وطني في مثل هكذا مواقف، يحافظ على المصالح العُليا للعراق كدولة ووطن؟ وهل يمكن للدولة أن تتبنى هذا المشروع الوطني الذي هو ضروري للحفاظ على تماسكها، وتحافظ عليه ليكون أساساً لمواقفها الدولية؟ أعتقد أن القوى الحالية غير قادرة على تحقيق ذلك.
ينبغي العمل على رسم الحد المقبول لملامح مثل هكذا موقف وطني يعكس المصالح الرئيسية والأساسية للبلد والشعب بكل أطيافه، لكن هل الدولة والأطراف السياسية الحاكمة بكل تنوعاتها الحالية قادرة على تحقيق ذلك؟ أنا أعتقد أنها غير قادرة بسبب المصالح المتناقضة وارتباطاتهم وقواعدهم الاجتماعية الضيقة، لكن في مقابل ذلك، إذا حظي هذا المشروع بقبول رأي عام شعبي كبير، عابر للحزبية الضيقة، وأن يكون موقفاً مُتبنى اجتماعياً، فسيكون عنصراً ضاغطاً حتى على هذه القوى السياسية تمنعها من أن تتمادى في مواقفها المتطرفة والتي لا تنسجم والمصلحة العليا.
هناك حاجة لكل القوى المجتمعية والسياسية والثقافية وغيرها، للتوافق على مثل هكذا مشروع وأن تعتبره مشتركاً كبيراً، وأن يكون عنصراً ضاغطاً ينبغي على أصحاب القرار احترامه والتمسك به وعدم الخروج عنه.
نحن كقوى مدنية وديمقراطية قدمنا مسودة لمشروع وطني ديمقراطي مدني للتعامل مع الأوضاع، وطرحناها قبل نحو شهرين على العديد من القوى، ولاقت قبولاً كبيراً، وكنا نطمح تحويلها إلى مؤتمر وطني.
التقينا بقوى متنوعة بما فيها قوى ذات فكر إسلامي. هذا المشروع من الممكن له أن يتطور، لكن قرب موعد الانتخابات دفعنا إلى إيقافه مؤقتاً، وبعد تشكيل القوائم الانتخابية يمكن طرحه على المجتمع ليس بشكل حزب، ليكون مسودة ملك لكل من ساهم في إعدادها وليست ملكاً لحزب أو للقوى المدنية الديمقراطية وحدها، وإنما ستصبح إنتاج كل القوى والشخصيات، ومن الممكن طرحها لاحقاً في مؤتمر وطني عام لتصبح وثيقة وطنية وليست حزبية ضيقة، من شأنها تحقيق إجماع وطني يعزز التماسك الوطني أمام هذه التقلبات والعواصف الدائرة حول العراق.
○ كيف تقيمون الأوضاع في فلسطين واستمرار العدوان الإسرائيلي وانتهاكاته، وهل يمكن للمواقف العربية والأممية ومؤتمرات القمم إنهاء آلة الحرب الدائرة هناك؟
• الموقف كارثي، وهناك حرب إبادة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم نعد نحن فقط المتعاطفين مع القضية الفلسطينية والداعمين لها، بل أن قادة دوليين بدأوا يتحدثون عنها، وحتى أوساط داخل إسرائيل يرون أن هذه الحرب هي حرب نتنياهو وبدأت تفقد مبرراتها، لكن الأمر الصادم هو حالة العجز الدولي أمام الجرائم غير المسبوقة التي تُرتكب، والتواطؤ من قبل الولايات المتحدة وغيرها من البلدان.
أما الوضع العربي فهو يدعو للأسى. جميع الدول ضعيفة، وكما نرى الأوضاع في سوريا ولبنان والسودان وليبيا وغيرها. جميع البلدان العربية تعيش مشاكل، حتى العراق الذي يشهد ضعفاً بسبب الانشطارات داخله والتدخلات الخارجية، كما إن مصر تشهد أوضاعاً اقتصادية صعبة جداً، وقدرتها على لعب نفس الدور الذي لعبته تاريخياً، لم يعد ممكناً.
ولو توفرت إرادات سياسية حقة، وجرى العمل بتصميمٍ عالٍ من كل الدول العربية، فمن الممكن أن يحدث شيء، لكن ذلك غير ممكن في الوقت الحالي. رأينا القمم العربية تتوالى من دون القدرة على تأمين وإيصال المساعدات الغذائية إلى قطاع غزة.
إن أي دور فاعل- للعراق أو أي بلد آخر- في ظل هذه الاضطرابات، يفترض وجود دولة قوية، والمقصود بالدولة القوية إنها لا تمتلك السلاح أو الجيش فقط، بل تمتلك قاعدة ومشروعية شعبية ومجتمعية كبيرة جداً، قادرة على أن تمثل إرادة ومصالح البلد وتدافع عنها مستندة إلى عمقها الشعبي.
الدولة العراقية اليوم لا تتوفر بها هذه المواصفات، ليست دولة مواطنة، بل دولة أطياف تلتقي على حصص، وكل طيف يسعى لتعظيم حصته، ولهذا فإن هناك ضعفاً بنيوياً في الدولة العراقية.
○ ما الذي يمنع العراق من إقامة علاقات طبيعية ومباشرة مع الإدارة السورية الجديدة؟ ولماذا يذهب نحو الطريق غير المباشرة المتمثلة بالدبلوماسية الحذرة كما يسميها المسؤولون العراقيون في أكثر من مناسبة أو إيفاد المبعوثين؟
• الحكومة لديها هذا الموقف الحذر- كما تسميه- في التعامل مع القيادة السورية الجديدة، كما شهدنا في لقاء السوداني والشرع في الدوحة، وتم استقبال مسؤولي الخارجية السورية في بغداد (وزير الخارجية أسعد الشيباني)، لكن هناك خطابا آخر من أطراف سياسية قسم منها لها صلة وثيقة بقوى «الإطار التنسيقي» وهناك قوى سياسية داخل «الإطار» لديها موقف غير متطابق مع مواقف الدولة، لعدة أسباب من بينها إن القوة التي مسكت السلطة في سوريا نعرف ماضيها، وقسم منها قريب من الحركات الجهادية ولها دور مع «الإرهاب»، فضلاً عن الضربة التي وجهت إلى إيران والفصائل المسلحة التي كانت تخوض الصراع إلى جانب الرئاسة السورية (في إشارة إلى نظام الأسد). التنظيمات التي كانت جزءا من هذه الصورة لا تشجع العلاقة مع سوريا.
من الصعب على الحكومة العراقية تأمين موقف متماسك وثابت في هذا الاتجاه، وظهر ذلك في مؤتمر القمة «قمة بغداد»، إذ كانت هناك أطراف لم ترغب في أن يخرج المؤتمر في أفضل صورة خشية أن يكون ذلك لحساب السوداني، فضلاً عن الدفع نحو أن لا يأتي الشرع إلى بغداد.
في المقابل إن ذلك لا يعني تزكية للأوضاع في سوريا، فنحن نحترم إرادة الشعب السوري بلا شك، ولسنا مع التدخل الخارجي، لكن في داخل سوريا هناك اتجاهات مُقلقة. الخطاب الرسمي جيد لكن هناك جهات متطرفة أيضاً، وقبل أيام حذر ممثل الرئيس الأمريكي الشرع من احتمال اغتياله، وهذا يعني أن هناك قوى على الأرض ولم يُحسم الأمر بعد، غير إن ذلك لا يعني أن يتدخل العراق في هذه الصراعات.
العراق يحرص قدر الامكان أن يكون عاملاً مساعداً للاستقرار في سوريا من خلال علاقاته الثنائية، ويمكن أن يدعو الإدارة السورية إلى لعب دورها في محاربة أي تنظيمات «إرهابية». هذا من حقه، أما تحرك بعض الأطراف- غير الحكومية- للتدخل في سوريا، فهو أمر يضر بمصلحة العراق.
لدينا علاقات مع الشعب السوري، ويجب أن تبقى العلاقات بين الشعبين قوية، وبين الدولتين مبنية على الاحترام المتبادل، ونحن نريد للشعب السوري أن يقرر هو مصيره بنفسه.
○ في الملف الانتخابي، قررتم في الحزب خوض السباق بتحالف «البديل» مع مجموعة من القوى الديمقراطية والمدنية. كيف ستواجهون القوى السياسية النافذة التي تمتلك السلطة والسلاح والمال السياسي، وما هي فرصكم؟
• تكريس الحياة الديمقراطية هو من مصلحة القوى المدنية والديمقراطية. نحن لدينا ملاحظات عديدة على المنظومة الانتخابية، لكن سياستنا تهدف على المستوى الاستراتيجي أن تتكرس الحياة الديمقراطية والعملية الانتخابية جزء منها.
المنظومة الانتخابية يشوبها الكثير من مظاهر الخلل الجدي، ما يعيق أن تكون معبراً حقيقياً عن إرادة الناخب، وهذا يفسر إلى حد كبير حالة انعدام الثقة بالعملية الانتخابية ومقاطعة نحو 70-80 في المئة، بالإضافة إلى وجود أحزاب تمتلك السلاح، واستخدام المال السياسي بشكل صادم، وصل إلى حد يضاهي الحملات الانتخابية في بلدان أوروبية أكثر ثراءً وأكبر حجماً من بلدنا، فضلاً عن استخدام نفوذ الدولة وتوظيفها بشكل سافر.
نحن لا نعتقد أن المقاطعة والعزوف عن المشاركة في الانتخابات، من الممكن أن تكون بديلاً أو وسيلة ناجعة لإصلاح أو إقامة منظومة انتخابية ديمقراطية عادلة حقة، بل نحن نقول إن هذه العملية لا تتم إلا من خلال الضغط بأشكال مختلفة، منها فضح هذه الممارسات. حالياً نسمع أصواتاً من مختلف القوى السياسية الحاكمة تحذر من استخدام المال السياسي بشكل غير مسبوق، رغم إن لديها حضوراً في الدولة والبرلمان والحكومة، فهل هي تكتفي بتشخيص الوضع أم إنها تمتلك الأدوات لمعالجتها؟ ولماذا تكتفي بالتشخيص من دون اتخاذ أي إجراء عملي وفعلي لإيقاف ذلك؟
العملية الانتخابية هي صراع لكشف العيوب ومكامن الخلل في المنظومة الحاكمة وفي بنية النظام السياسي، ورفع مستوى وعي الناس بطبيعة المخاطر. هذا الوعي يجري تظليله من خلال الطائفية وشحن الشعب بمشاعر وغرائز عاطفية، من دون السماح للمواطن الاعتيادي أن يشخص أين مصدر الخلل، ولماذا الفساد ينتشر يوماً بعد يوم، ولماذا تعجز الحكومات المتعاقبة عن محاربته؟ والسبب منظومة المحاصصة.
هذه الاستنتاجات الأساسية التي يجب أن تصل إلى المواطن والناخب، من خلال عمل فكري وسياسي وتعبوي وجماهيري، وأن تكون الحملة الانتخابية مبنية على برامج ومحاججات سياسية وليس على الخطاب السطحي الذي يسود هذه الحملات من دون الخوض في العمق.