سلاح الجو بدأ يخطيء أهدافه في الآونة الأخيرة لزيادة عمليات الاغتيال الممركزة التي تحولت الي سلاح بالجملة
علي الجهات السياسية أن تدرك أن ثمن مواصلة استخدامه سقوط المزيد من المدنيينسلاح الجو بدأ يخطيء أهدافه في الآونة الأخيرة لزيادة عمليات الاغتيال الممركزة التي تحولت الي سلاح بالجملة في يوم الثلاثاء، جلس المنتخب وحلل عشرات عمليات القتل المستهدف من الجو التي نُفذت خلال السنة الأخيرة. الضباط قاموا بتشريح معطيات اطلاق النار علي كافة المستويات والجوانب: عدد المرات التي أصاب فيها الصاروخ الهدف، المسافة التي سقط فيها بعيدا عن الهدف، نسبة الاصابة، من الذي أصيب، نسبة حوادث الخلل التكنولوجية في الصواريخ، وما الي ذلك.هذا لم يكن نقاشا نظريا اعتياديا حول العمليات وما يحدث في الميدان. شعور المنتخب كان أن شيئا ما لا يصيب الهدف المرجو. الهدف كان التحقق من وجود قاسم مشترك من وراء سلسلة الاخفاقات الأخيرة التي منيت فيها عمليات الاغتيال من الجو في غزة. الاستنتاج في نهاية النقاش كان: ليس هناك أي معطيات احصائية شاذة . سلوك الصواريخ التي أُطلقت من الجو في الاسابيع الأخيرة لم يكن مختلفا عن تصرف سابقاتها قبل نصف سنة أو سنة.وكأن الحظ العاثر يلاحقهم، ففي يوم الاربعاء من هذا الاسبوع، غداة اليوم الذي جري فيه نقاش الضباط المذكور، تكرر الأمر مع عملية اغتيال ممركزة اخري تمخضت عن قتل مدنيين فلسطينيين. السبب: عطل فني في التسلح. ليس المقصود هنا عطلا نادرا. هو يظهر عادة في الاحصائيات السنوية. هذا خلل يتسبب في انحراف الصاروخ عن هدفه وفقدان السيطرة عليه في الواقع. عندما يحدث مثل هذا الخلل إبان ملاحقة الصاروخ لسيارة مخربين في منطقة مفتوحة، وفي الحقول، لا يسمع أحد بذلك. ولكن ما أن يحدث في منطقة بلدية مكتظة حتي ينتهي بقتل المدنيين الأبرياء. الفريق المنتخب الذي جلس في يوم الثلاثاء حول طاولة قائد سلاح الجو، هو المجموعة الأكثر تجربة في العالم في مجال الاغتيال الممركز من الجو. كل واحد من هؤلاء الاشخاص أشرف علي عشرات كثيرة وربما مئات عمليات الاغتيال المستهدف. كلهم ضباط بدرجة عميد، وقد تم اختيارهم من قبل قائد سلاح الجو فردا فردا، وذلك حتي يكونوا قادة خلية السيطرة في سلاح الجو ـ الاشخاص المسؤولين عن العمليات.كيف تجري عملية الاغتيال في قطاع غزة؟ خلية السيطرة تتلقي المعلومات الاستخبارية من طرف خارجي: الشاباك أو قيادة المنطقة الجنوبية عبر أذرع الاستخبارات العسكرية المختلفة. ومنذ اللحظة التي يتم فيها اكتشاف الهدف ويصل فيها الإذن بالابادة ـ العملية جوية تماما: الضابط المشرف علي العملية يجلس قبالة شاشة ويشاهد الهدف، والمتابعة قد تتواصل لساعات طويلة الي أن تظهر الظروف الأكثر ملاءمة للابادة. قائد خلية السيطرة هو الذي يحدد متي وكيف يتم ضرب الهدف. وعندما يقرر الضابط المسؤول أن الوقت قد أصبح ملائما بعد تأكده من عدم وجود مدنيين في محيط الهدف ـ يحصل الطيار علي ضوء اخضر لاستخدام الاسلحة الهجومية، واذا لم تتوفر اللحظة الملائمة ـ يملك قائد خلية السيطرة صلاحية الغاء العملية. في الاسابيع الأخيرة جلس هناك قائد سلاح الجو ايضا، اللواء اليعيزر شكيدي.سلسلة من الأعطالللوهلة الاولي لا يوجد أي قاسم مشترك للاخفاقات الأخيرة التي حدثت خلال الشهر الحالي والتي تمخضت عن 16 قتيلا فلسطينيا من الأبرياء ومن بينهم عدد من الاطفال.الحادث الأخير في يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع جري في جباليا. الصاروخ الممركز حصد أرواح ثلاثة اطفال. في هذه الحالة تحديدا ساد في خلية السيطرة شعور بأن الوضع مثالي لتنفيذ العملية. الكاميرا التقطت صورة واضحة وبؤرية للسيارة المستهدفة وأظهرت أن المنطقة من حولها نظيفة وخالية تماما. الصاروخ أُطلق وأصاب السيارة في مقدمتها. أحد المطلوبين قُتل من جراء ذلك، وخرج اثنان آخران منها راكضين. الاطفال الذين كانوا يلعبون علي مسافة غير بعيدة، لم يظهروا في أية صورة من الصور الملتقطة. هناك ضرورة في هذه الحالة للتحقق من السبب. ما هي المشكلة الفنية التي لم تسمح بظهور صورة كاملة في تلك اللحظة الحرجة.قبل ذلك بأسبوع، في يوم الثلاثاء مرة اخري، قُتل ثمانية مدنيين في شارع صلاح الدين وسط غزة. صاروخ اسرائيلي أُطلق علي سيارة تحمل صاروخ غراد، المسافرون علي متنها فروا فأُطلق صاروخ آخر. وقبل ثوانٍ قليلة من اصابة الصاروخ الثاني للهدف لاحظوا في خلية التحكم المشرفة تجمهر الناس حول السيارة المصابة. انحراف الصاروخ عن مساره في تلك اللحظة في قلب منطقة مكتظة قد يتسبب في عدد كبير جدا من الاصابات، وعليه تقرر تركه ليواصل مساره ويصيب عشرات الاشخاص بين قتيل وجريح.الحادث الذي استهل هذا الشهر الدموي جري في العشرين من أيار (مايو). صاروخ أُطلق نحو سيارة مخربين، أصاب سيارة مسافرين أبرياء كانت مسافرة في الجوار. النتيجة: جدة وأم وابنها البالغ من العمر خمسة أعوام قُتلوا جميعا. هذا اعتبر حادثا نادرا جدا. السيارة التي كانت تمر بجانب السيارة المستهدفة لم تظهر عبر الشاشة، ومثل هذه الاخفاقات ستتكرر بصورة أكبر فأكبر عندما تُنفذ العمليات في اماكن مكتظة وليست مفتوحة. وهذا ما يحدث في الواقع في الاسابيع الأخيرة.في عام 2003 كانت نسبة الاصابة بين المدنيين والمخربين 1: 1، وفي 2004 طرأ تغير نتيجة لتحسين التكنولوجيا القتالية وجودة الاستخبارات. ووصل سلاح الجو الي نسبة 1 (مواطن): 12 (مخرب).حوادث الاسابيع الأخيرة تعيد هذه الاحصائية الي الوراء. اصابة المدنيين هي مشكلة اخلاقية، أولا بالنسبة لقائد سلاح الجو، اضافة الي ذلك تنتزع هذه الاصابات الشرعية من يد الجيش ـ خاصة في نظر شعبه ـ لاستخدام هذه الوسائل القتالية.المستوي السياسي يُحب الاغتيال الممركز من الجو لأنه لا يلزمه باتخاذ قرارات صعبة في مواجهة الارهاب في غزة. عندما يرغب وزير الدفاع في التأكيد للفلسطينيين بأن اطلاق الصواريخ نحو اسرائيل يجب أن يتوقف ـ يقوم بكل بساطة بارسال سلاح الجو نحو 20 هدفا نوعيا وإحداث صدمة علي الارض. البديل هو إرسال القوات البرية بكل ما يترتب عليه ذلك من أبعاد مختلفة.التصفية الممركزة من الجو هي اليوم أداة الهجوم الأساسية وشبه الوحيدة في القتال في غزة. وهي في الواقع الأداة الوحيدة التي تُمكّن الجيش من إظهار انجازاته في القتال الهجومي ضد الارهاب في غزة. سلاح الجو يخضع لضغوط هائلة ـ من المستوي السياسي والعسكري ـ لتكثيف الاغتيالات. وهو من ناحيته يُدمن علي المهمة الموكلة اليه. هذه الوسيلة تحولت من سلاح جراحي يُستخدم ضد أهداف نوعية (القنابل المتكتكة) الي سلاح بالجملة.في عام 2005 نفذت في القطاع 16 عملية اغتيال ممركز علي امتداد السنة. في النصف الثاني من عام 2006، تلك السنة التي لم يعد فيها الجيش موجودا في غزة تم تنفيذ 40 عملية اغتيال وهي خمسة أضعاف المعدل السنوي. وإليكم مزيدا من المعطيات للمقارنة: في عام 2005 تمت تصفية 28 مخربا في عمليات جوية، وفي النصف الاول لعام 2006 قتل سلاح الجو أكثر من 70 مخربا وحطم بكلتا يديه المفهوم الذي بُنيت عليه نظرية القتل المستهدف في الأصل. عندما يصبح العمل بالجملة تحت ضغط التنفيذ المتواصل وجلب انجازات ونجاحات اخري، تبدأ الأخطاء في اصابة الأهداف ودفع الثمن المترتب علي ذلك. سلاح الجو سقط في الواقع ضحية لنجاحاته الذاتية.قائد سلاح الجو اليعيزر شكيدي، لم ينتظر وصول الأوامر المغطاة اعلاميا من قائد هيئة الاركان ووزير الدفاع اليه لتدارس الاخفاقات واستخلاص العِبر. منذ يوم الاربعاء وصلت أوامرهم الي المنتخب لتقليل عمليات الاغتيال المستهدف وتهدئة الوضع. الأمر الصحيح حتي الآن أن هناك تصريحا بتنفيذ عمليات الاغتيال الممركزة فقط ضد الأهداف النوعية والشخصيات المركزية في الارهاب التي تسنح الفرص النادرة بضربها أو في حالات وجود خطر حقيقي علي حياة قواتنا. المطلب هو توخي قدر أكبر من الحذر في العمليات، وإن كانت هناك شكوك ـ فالتنازل عن المسألة.ايقاف السباق ليس صدفة، وهو ايضا ليس جزءا من روتين التحقيقات التي تجري في سلاح الجو. سلاح الجو وجد نفسه عالقا في وضع جديد. سلسلة الأخطاء نبعت من مواجهة مستوي صعوبة مغاير ظهر في الميدان. ايقاف السباق هام من اجل التوصل الي الحلول، سواء كانت علي مستوي تقنية القتال أو من خلال تحسين الوسائل القتالية وتطويرها.مستوي الصعوبة المذكور مكون من عدة طبقات: أولا، حجم عمليات الاغتيال الممركزة ارتفع بصورة جوهرية وتحول الي نوع من العمليات الروتينية. ثانيا، العدو نقل ساحة القتال الي داخل المناطق المأهولة والعمرانية. ثالثا، العدو لم يعد مجرد مطلوب وحيد معروف من حيث الحركة والتصرف. هذا المطلوب قد قُتل. ولكن حل محله عشرات كثيرون ليسوا معروفين تقريبا وملاحقتهم أصبحت مسألة معقدة. الخصم أدرك مبدأ الاغتيال الممركز من الجو، وبذلك لم يعد يتجول في الحقول، وعندما يطلق الصواريخ فانه يفعل ذلك من بين المنازل.هذا الوضع يستوجب استعدادا استخباريا مختلفا أكثر نوعية حتي لا يُفوتوا رؤية الاطفال الذين يلعبون في الجوار أو السيارة المارة بقرب الهدف أو الاشخاص الذين يتجمهرون بعد التنفيذ. البيئة الحضرية المكتظة والعدو الذي يعرف كيف يتصرف في مواجهة التصفية الممركزة، تستوجب كلها الارتفاع درجة في مستوي الاستخبارات البشرية، أي من خلال العملاء علي الارض، الي جانب الاستخبارات الالكترونية: المراقبة من الجو ومن الارض وعمليات التنصت. كل هذه المنظومة تحتاج الي الارتقاء حتي يصبح تنفيذ العملية أكثر نقاء نسبيا.من المغري جدا محاولة ربط المشاكل التي طرأت في العمليات الأخيرة في غزة بالقضايا الاعتيادية التي تكشفت في زوايا مختلفة من سلاح الجو وظهرت من خلال تحقيق شرطة التحقيقات العسكرية. من المغري جدا أن نسأل: ربما توجد هناك مشكلة قيادية أساسية. العمليات القتالية هي في نهاية المطاف اسلوب ادارة، والتجاوزات هي في نهاية المطاف ايضا قضية ادارة.ذلك المنتخب الذي يتخذ القرارات بشأن العمليات في سلاح الجو يقوم ايضا باتخاذ القرارات المتعلقة بمعايير السلوك اليومي في سلاح الجو. هل يؤدي فشل اداري في موقع واحد الي فشل في مكان آخر؟ يبدو ذلك منطقيا، ولكن ليست هناك أي امكانية للبرهنة علي هذه الفرضية. ما نملكه اليوم هو اشارات تحذيرية ايضا في المواقع الروتينية الاعتيادية وكذلك في المواقع التنفيذية. سلاح الجو ليس سلاحا في أزمة، هو جهاز يواصل العمل بصورة جيدة ولكن المنتخب ملزم باتخاذ سلسلة من الخطوات القيادية لاطفاء هذه الاشارات التحذيرية.بامكان وزير الدفاع أن يلقي خطابا حتي الغد والقول بأن علي سلاح الجو أن يتحقق من نفسه، وبامكان قادة الجيش أن يتحدثوا عن الحاجة للتحقق من المجريات واعادة النظر في الاستعدادات وفي الخطط التقنية والقتالية والاسلحة الجديدة. الحل الأمثل ما زال متمثلا في العمليات الجوية والقتل المستهدف، وكل عمليات التطوير والتحديث يجب أن تجري خلال الحركة. الاستعداد من جديد مع مواصلة العمليات القتالية يستوجب الآن دفع رسوم تعليمية. علي المستوي السياسي أن يدرك أن ثمن مواصلة استخدام سلاح الجو بصورة مكثفة هو سقوط المزيد من المدنيين. فاذا لم يكن جاهزا لذلك، عليه أن يُفرمل سلاح الجو. أما المدفعية فقد قاموا بايقافها قبل ذلك.اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفة(يديعوت احرونوت) 23/6/2006