سلافوي جيجك
الحديث في المختلف الثقافي، يعني الحديث عن النسق الذي يستوعب الجدل في المجالات المتعددة، التي تجعل من ذلك المختلف أفقا لمواجهة العالم وهو يتغيّر، فعالمنا لم يعد بريئا، ولا واسعا، وأن فعل التغيير يتطلب مناقشة فكرة التغيّر ذاتها، عبر مراجعة أسبابها، والتعرّف على طبيعة معطياتها، فسعة العالم «الضيقة» تحولت إلى مجال مفهومي، وإلى إخضاع «عولمي» يحكمه نظام سري، يرتبط بأدق التفاصيل التي نحيا بها، أو عبرها، والتي تحولت إلى مهيمنات كبرى، بدءا من هيمنة الإعلام والفضائيات، وانتهاء بالوسائط الرقمية.
كيف للفلسفة أن تحيا وسط هذه الهيمنة؟ وهل يمكن للفيلسوف أن يكون كائن تقنيات، أو بطلا وسائطيا؟ هذه الأسئلة قد تبدو محرجة، ومثيرة للجدل، لكنها واقعية في سياق البحث عن تأطير لـ»المختلف الثقافي» وعن إمكانية أن تؤدي الفلسفة كصناعة ثقافية دورا متعاليا، أو وظيفة تساعد في البحث عن المعنى، وفي دعم الإنسان لمواجهة صراعات وحروب وأوبئة وعلل اجتماعية، وتغيرات خرجت عن المألوف إلى الغرائبي..
ثمة من يطالب بالعودة إلى تفكيكية جاك دريدا، والاستعانة بطروحاته عن إرجاء المعنى، وعن تقويض البنى الحاكمة، بما فيها البنى الميتافيزيقية، وثمة من يدعو إلى إعادة النظر في أطروحات ماركس في توصيف الرأسمالية باعتبارها منتجة للأزمات والحروب، وفي معالجة أزمة الفقر والهيمنة، والنظر إلى قوى الإنتاج بأدوات الإنتاج عبر علاقات مغايرة، وفي سياق نظام يؤنسن وجود الإنسان المشترك في ثنائياتها، ويعزله عن مهيمنات الرعب الذي أنتجته الرأسمالية، رغم أن هذا العزل سيكون شبيها بعزلة روبنسن كروزو.
التصديق بالحلول الأمريكية عن الحرية والديمقراطية والسلم العالمي سيكون مخادعا، إزاء ما يجري في العالم، وإزاء ما تصنعه أمريكا من رعب لمؤسساتها الأمنية والعسكرية والرقمية، وحتى الثقافية، وهذا اللاتصديق سيكون عموميا في النظر إلى كلِّ الأفكار التي تفرض وجودها عبر الهيمنة، لانّ تلك الهيمنة ستصنع طغاة وأثرياء وجنرالات ومؤسسات حاكمة، مثلما ستصنع ضحايا وعبيدا وفقراء وهامشيين، وسيكون الدخول في لعبة المناهضة والمعارضة، أشبه بالدخول في حروب سرفانتس، حيث يختبئ الأعداء الحقيقيون خلف متاريس الرقميات، وأن الظاهر أمامها سيكون الأعداء الذين يشبهون طواحين الهواء..
نقرأ هذه الأيام كتابات صاخبة، يطرحها سلافوي جيجك، تحت يافطة «البحث عن المعنى» التي جعلته أكثر صخبا في مواجهة عالم يتجه إلى الغرائبية، فالعولمة لم تعد تقانات مهيمنة، بل تحولت إلى نظام للتفكير، والسيطرة، وإلى رعب مفاهيمي يقوم على إنتاج استعمارات صغيرة، لكنها أكثر بشاعة، وحروب أكثر لعنة، وحتى مفهوم المثقف، في هذا السياق العولمي، سيفقد الكثير من بريقه، فلم تعد له وظيفة أخلاقية، لأن التنافس على الإصغاء صار صعبا، وربما مراقبا بحكم نظام الوسائط، كما أنّ مواجهة نزعات الاستهلاك ستكون عبثية، فلم تعد هناك فرص حقيقية للدخول الناجح والناجع في التعاطي مع إدارات الأزمات، بما فيها أزمة السياسة، ومواجهة ما تصنعه من رعب أمني وأيديولوجي وعسكري.
المثقف، لم يعد عضويا، ليس لأنه بلا جمهور، بل لأنه مُراقب مثل أيِّ طريد آخر، وصولا إلى إفقاده شغفه بالتغيير، وإلى الكتابة الساخرة عن عالم ما بعد السحق النووي، فصار يبحث عن حلول شخصية لمواجهة الخواء واللاجدوى، وكأنه يستعيد حلولا عتيقة اقترحها ذات أفقٍ البير كامو عن العبث الفلسفي، وعن الإنسان المُحطّم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وسقوط باريس تحت الاحتلال النازي. العالم الكاموي ما بعد الحرب، هو ذاته العالم الفوكوي ما بعد الزمن الديغولي، إذ لم يعد أحدٌ يستسيغ الحلول الوطنية الكبرى، ولا حتى الجماعوية، كما حدث في «ثورة باريس الثقافية 1968» لأن الحكومات الغربية صارت أكثر شراسة وعنفا، ولعل ما يحدث في فرنسا هذه الأيام، هو الدليل على هوية هذا المُتغيّر، فالتظاهرات الحقوقية الكبيرة، لم تمنع الحكومة من التصديق على قانون التقاعد. كما أنّ ما يحدث في حرب أوكرانيا يؤكد حقيقة الذهاب إلى عسكرة الديمقراطية الغربية، فتوسّع حلف الناتو شرقا، يعني توسع العسكرة، وفرض المزيد من الهيمنة على العالم، عبر فرض توصيفات جديدة لمفهوم «السلام العالمي» وقواعد مغايرة على الصراع مع العدو الشرقي والأرثوذوكسي القديم..
يقول جيجك إنه «يؤسس لتوجه تفسيري مغاير في المجال السياسي للميراث اللينيني، دون التخلي عن استرشاده بالفكر الماركسي» هذا القول قد يُثير الضحك، لأنّ العودة للماضي تعني العودة إلى الأشباح، وأنّ فرض سياسة النقد على عالم سائل باتت مسؤولية صعبة، وعلى غربٍ لم يتحرر من عقدة «المستعمر القديم» فضلا عن أن المجتمعات الغربية ذاتها أضحت أكثر تشبعا بالعنف الرأسمالي، بوصفه عنفا صيانيا، الذي سيتحول في الأيام المقبلة، إلى عنف عنصري وهوياتي، وأيديولوجي، وسنجد أنفسنا أمام تطبيقات أكثر بشاعة لمقولة روديارد كبلينغ «الغرب غرب والشرق شرق» حيث ستتحول «الغزوات الاستعمارية» إلى غزوات داخلية، يجد فيها المهاجرون إلى أوروبا أنفسهم أمام أخطر عمليات العزل والتصفية العرقية والطرد، وتحت يافطة أن العالم الغربي بحاجة إلى استعادة غربيته بعد إعادة الروس إنتاج ثقافة القيصر القديم.
الغرب وعقدة النقد..
تاريخ المدارس النقدية الغربية، بدءا من مدرسة فرانكفورت، وليس انتهاء بورشات عمل الدراسات الثقافية، لم تتطور، ولم تتأصل، بل بدأت تعاني من النكوص، وأحسب أن أطروحات هابرماس عن «المجال العام» تتويجا لذلك، فهي تؤكد نظرته المحدودة، عبر ما يمكن أن تؤدية البورجوازية المتعالية من فعلٍ لتغذية الحوار والجدل، ولتوصيف العلاقة مع الآخر، فضلا عن أن اليسار الغربي، فقد هو الآخر هيبته الأيديولوجية والأخلاقية، فنتائج الانتخابات في أوروبا تؤكد بدء هيمنة اليمين المتطرف على واقع الحياة، وعلى حسابات السياسة، وعلى البرامج الداعية إلى معاداة الهجرة والقبول بالآخر.. جيجك الماركسي، غير جيجك اللاكاني، فهذه الغيرية تعني التشظي في مواجهة الواقع الصعب، فبقدر ما يسعى إلى إيجاد خطاب نقدي لاذع لمواجهة تدهور الحياة السياسية، فإنه يجد نفسه إزاء عالم متغير، تساكنه نزعات للتمرد، وللخروج بالأفكار من مجال الالتزام إلى الحلم، وعلى النظر إلى الآخر بوصفه معلولا، وأنه يحتاج إلى ما يشبه «أدلجة» التحليل النفسي، والانخراط في حروب معرفية هدفها الكشف عن المرض الرأسمالي، الذي بات أكثر رعبا من كوفيد 19.
السؤال اللاكاني هنا: من يعترف» ولمن الاعتراف؟» فالكنيسة القديمة لم تعد صالحة للاعتراف، والفيلسوف لا يصلح أن يكون كاهنا، والاعتراف بالخطيئة الأيديولوجية لم تعد نافعة أيضا، لأن مفهوم النقد فقد كثيرا من وسائطه، وحتى السعي إلى إعادة قراءة التاريخ ستكون أكثر تعقيدا، لأنها ستكشف عن سلسلة من «العقاب» كما يقول فوكو، التي فرضتها الهيمنة الحاكمة على الفكر والجسد، لكن ما يشفع لجيجك هو توظيفه للتحليل اللاكاني في الكشف عن العلل الفكرية في المرض الرأسمالي، بوصفها عللا تقوم على أدلجة التعصب في الذات المتعالية، التي تهدف إلى تدمير المعنى في المختلف الثقافي، وتحويل الآخرين، بمن فيهم الرؤساء إلى (قراقوزات) كما يحدث في أوكرانيا الآن، إذ سيتم طرد زيلينسكي بمجرد أن تنتهي مهمته في العرض الروسي. أطروحات جيجك، وبقدر طبيعتها الإعلامية، فإنها تؤشر إلى خطورة ما يجري، مثلما تكشف عن طبيعة التحولات التي باتت تستغرق تمثلات النظام الرأسمالي، ونزعته الصاخبة للعسكرة، وتوريط دول فقيرة وبسيطة في شرق أوروبا للانخراط في الحلف العسكري للرأسمالية، وهو ما ينبغي أن ننتبه إلى ما يمكن أن يُثيره، وإلى ضرورة أن يدرك «المثقف الشرقي» أهمية النظر إلى أزمته التي يصنع الغرب الكثير من خنادقها، على مستوى صناعة الحروب الأهلية، وصناعة الإرهاب والفقر، وصولا إلى صناعة الرعب المناخي وأزمات الطاقة والجفاف والغذاء، وهي أزمات سيظل الغرب مُتخما بكثير من حلولها، فبقدر ما يُعطي طنا من القمح، كان يعطي طنا من الترياق الأيديولوجي، وبقدر ما يحدّث به عن الأمن السياسي الإقليمي، فإنه كان يبيع هذا الأمن مقابل أطنان من الأسلحة التي لا تستعمل أبدا، إلا في الحروب الإقليمية، أو الأهلية..
حرب البيئة قد تكون حربنا المقبلة، فبعد أن فقد العرب كثيرا من مركزياتهم السيادية، عبر الحروب المصطنعة، والصراعات الداخلية، سنجد أنفسنا أمام إنهاك بيئي غريب، نحتاج للسيطرة عليه إلى مليارات الدولارات، تشمل برامج المعالجة، وتقانات البحث عن الطاقة البديلة، وهي أيضا صناعات غربية، مثلما تشمل الدور الوظائفي داخل الاتفاقات الدولية التي يتحكم فيها الغرب، فضلا عن دور السياسات المالية التي يتحكم فيها البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.. كلّ هذا يجعلنا أمام سلطة الدائرة، وتدوير منتجات العقل الغربي، بعيدا عن الخيارات الثقافية، التي تخص مرجعياتنا، لاسيما تلك التي نثق بها في مشغلنا الفلسفي، على مستوى الخيارات التي تُعنى بإنعاش الأفكار التي تخص الديالكتيك الهيغلي والماركسي، والتي تحدث عنها جيجك كمعالجة لأزمة التدهور في الفكر الغربي، وكذلك عن الاهتمام بالدرس الأنثروبولوجي الذي يخص عوالم الهويات وأنساقها، والتي تظلّ ومن عقود طويلة شاهدا عن الرعب الغربي في استعماره، وفي أنويته المتعالية..
كاتب عراقي