محمد معتصمفي رواية ‘سلالم النهار'(1) للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم يتمثل جليا مفهوم ‘المتخيل المختلف’ في بعديه ‘متخيل الظل’ و’متخيل الذات’، يقوم ببناء مسرد ‘متخيل الظل’ العم جاسم حارس ‘مال’ العائلة وضامن استمراره ونمائه انطلاقا من كون المال قوة، والبقاء للأقوياء، والغاية تبرر الوسيلة، حيث تداس من أجل ذلك كل القيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية فالثراء يمنح صاحبه كل الحقوق للدفاع عنه وحمايته من الطامعين، ويلحق بالعم جاسم الخال مرداس ننه، الذي يقاوم من أجل الإفلات من وحل الفقر والجوع والحاجة، أما ‘متخيل الذات’ فيقوم به كل من الأم ‘فهدة’ وابنها ‘السارد الشخصية’.أنماط السرد:تتميز رواية ‘سلالم النهار’ باسترسال السرد وتدفقه متأثرا بموضوع الرواية المحوري ‘البحث عن الذات’ وبحالة الشخصية الروائية الرئيسية -‘فهدة’ و’ابنها’- في تأملها وقلقها الداخلي وأسئلتها الوجودية، لذلك يقترب كثيرا من السرد الداخلي المتأمل في الذات وفي العالم المحيط بالشخصية، ويقترب من المونولوج حيث تخاطب الذات نفسها وتسترسل في وضع الأسئلة المتناسلة دون حلول نهائية أو أجوبة شافية،،، لكن السرد في الرواية ليس نمطا واحدا بل هو أنماط متنوعة تتحكم فيها تقلبات حالات الشخصيات الروائية الرئيسية والثانوية، والمستويات اللغوية وتراكيبها، ودرجة قرب أو بعد السارد – المشارك أو المحايد- عن الموضوعات التي يطرحها، مثل موضوع ‘الصراع الطبقي’ بين الفقراء والأغنياء (العم جاسم والخال مرداس ننه) ومسألة ‘الهوية الوطنية’ لدى فئة (البدون) الذين يعيشون بلا هوية وطنية حقيقية إنهم نوع من ‘الباريا'(2) من المنبوذين في الهوامش الاجتماعية، و’سؤال الذات’ و’سؤال المصير’ و’سؤال الوجود’ لدى شخصية ‘ابن’ فهده الفقيرة وضاري الثري، يقول:’…لماذا أتخلى الآن عن حضوري؟ لماذا لا أجد أي معنى لهذا الحضور؟ عبثية مجيئي، ولحظة خلقي هل هي حقا لحظة عبثية؟ وهل مروري بهذه الحياة هي العبث واللا معنى؟ من أكون؟ وما الذي أريده؟’ ص (203)… وهي موضوعات يتم تناولها بدرجات مختلفة ومتفاوتة من حيث حساسية ووعي الساردين.ينهض السرد في رواية ‘سلالم النهار’ على أربعة مستويات من المحكي تتصل مباشرة بتنوع الساردين، وهي:المحكي الذاتي: من أكثر أنواع السرد شيوعا، لكنه في الآن ذاته سرد إشكالي، يطرح العديد من الأسئلة الجمالية، وقد صنف الدارسون عددا من أنماط الكتابة السردية بحسب المفاهيم الآتية:’الذاتية’ ويقصد منها إقحام ‘الذات’ في الكتابة واعتبارها مركز الوجود والمعيار الوحيد للمعرفة والمحرك الأساس للإبداع سردا وشعرا، وحضور الذات بهذا الشكل في أنواع أدبية مختلفة هو ما جعل مفهوم ‘الذاتية’ عاما وشموليا، وفارغا في الآن نفسه من أية خصوصية، وكل كتابة تمجد الذات تعتبر كتابة ذاتية.’كتابة الذات’ وهي أشمل وأعمق من المفهوم المجرد أعلاه، لأنها ارتبطت بالسرد سواء ‘السيرة الذاتية’ أو ‘التخييل الذاتي’ وتميزت كثير من ركائزه ودعاماته كالبوح والاعتراف عبر الاسترجاع والاستذكار، وكالتأمل والتفكر والحوار الداخلي (المونولوج) حيث يسود الصوت الواحد المتدفق والملتاع. وقد سمح التخييل الذاتي باختراق ‘الميثاق الأوطوبيوغرافي'(3) الصارم بالمزج بين السرد الذاتي والتخييل الأدبي مما فتح الآفاق واسعة أمام ولادة نمط سردي جديد هو ‘التخييل الذاتي’. ‘الوعي بالذات’ وهي مرحلة متطورة من الكتابة الذاتية حيث يتم وضع ‘الذات’ في سياقات متغيرة للوقوف على تحولاتها؛ كالسياق التاريخي والسياق السياسي والسياق الاجتماعي وسياق القيم الأخلاقية والفنية والفكرية، ففي المرحلة الذاتية المبكرة يكون الوعي بالذات في الدرجة الصفر نظرا لتضخم ‘أنا’ الكاتب الذي لا يرى غير الذات مركزا للوجود ويعمى عن حضور الموجودات الأخرى المجاورة له والمختلفة عنه، فهو – الكاتب – مصدر القيم، وهو الذات الوحيدة العارفة بالحقائق، ولا وجود حقيقي خارج الذات، أما في المرحلة الثانية فالذات تنقل تجربتها من زاوية نظر محددة وغالبا ما تكون تعليمية وتوجيهية، فتراوح الذات بين الوجود التاريخي والبعد القيمي الأخلاقي، باستثناء الفجوة التي فتحها التخييل الذاتي ليعيد الذات إلى حقيقتها السردية واللغوية والتخيلية، لكن في مرحلة الوعي بالذات تتجرد الذات من ذاتيتها ومن تضخمها لتكتشف أنها ذات مشروطة بالخارج ذاتي، فهي حلقة في سلسلة طويلة متداخلة، ليست الذات إذن، إلا نتاج السياقات التي تفاعلت فيها ومعها، فتاريخ الذات غير محدد بتاريخ الولادة بل هو أبعد بكثير وأعمق من ذلك، لأنه مرتبط بالموروث الفكري والثقافي واللغوي، وأكثر من ذلك.من هنا تتولد الأسئلة القلقة حيث تصل ‘كتابة الذات’ إلى مرحلة متطورة ومتقدمة، هي:’مساءلة الذات’ وهي المرحلة الأكثر تطورا حيث تتخلص الذات من تضخمها الذي ملأه بها الإنسان الأول، في دهشته الأولى، وتتجاوز حتى لحظة الوعي بالذات حيث توضع الذات في سياقاتها المتنوعة والمتعددة والمختلفة، وتبدأ مرحلة الشك وفقدان اليقين والطمأنينة، فالذات ليست سوى ملتقى لتيارات خارج ذاتية، فتبدأ مرحلة البحث عن حقيقة الذات، عن جوهر وجودها، وعن مصيرها وحقيقة الكينونة والفوارق الدقيقة بينها.يولد السؤال القَلِقُ حول الوجود والمصير(4) من وقوع الذات في قبضة الشك غير المنظَّمِ، من اهتزاز داخلي يربك لحظة الوعي، ويأتي بالسؤال من غير موقعه، لذلك يجانب سؤال القلق السؤال عن المقدرة والإرادة والحق في الاختيار، في رسم معالم الطريق، ويقبع في ظلام السؤال عن لماذا أنا بالذات من دون إخوتي المفترضين (الحيوانات المنوية)؟ لماذا وُجدتُ هكذا مقذوفا في العراء ودون استشارة، إذن، الوجود قدرٌ وحتميةٌ، أما الكينونة فتتحقق بالتجربة والاختيار والصراع والوعي والسؤال الحق؛ هل ينبغي أن أكون هكذا؟ سأختار هذه الصورة للظهور! لأن الاختيار هو حقيقتي وصورتي التي سأكون بها وتكون بي، أما المصير فمتروك للأقدار، متروك للخطط التي سأضعها، حتى الهزيمة اختيار، والفشل اختيار أو هما نتيجة لاختيارات لم تكن موفقة أو لم تحسب بدقة. إن النتيجة ليست سوى أثار الطريق/ الطريقة التي حددنا معالمها بحرية واختيار وإرادة ووعي، هنا تتحقق الذات من ذاتها، تقبل الهزيمة كما تقبل الفشل، لكن ترفض الاستسلام لظلام اليأس وعتمة الانكسار، تتحقق الكينونة من المقاومة ضد الصدأ الذي يتولد عن القلق والخوف والضعف.يحتل محكي الذات مكانة سامية في رواية ‘سلالم النهار’ وهو يميل بالخطاب الروائي جهة الرواية الوجودية التي ظهرت معالمها بعد نهاية الحربين العالميتين وما خلفتاه من دمار في العمران والإنسان، فبدأ طرح السؤال المقلق حول حقيقة الإنسان في ظل التقدم الصناعي والقوة العسكرية، حيث انتهكت كل حقوقه ومنها حقه في الوجود، لقد شعر الإنسان المعاصر بضعفه أمام القوة الصناعية وفقد كثيرا من قيمته ومكانته ليصبح مجرد أداة في دواليب آلة عملاقة ‘تفرمه’ وتستعبده من جديد. وأهم الشخصيات الروائية الممثلة لهذا المحكي؛ شخصية ‘فهده’ و’ابنها’، يرسم السارد بضمير المتكلم مراحل تطور شخصية ‘فهده’ منذ لحظة ولادتها واختيار اسمها الذي سَيَسِمُ شخصيتها ويحدد أبعاد المحكي الخاص بها، إلا أنني هنا سأقف عند المحطات الأساسية التي وقع فيها التحول السردي والتي يمكن اعتمادها كمتواليات سردية أو اعتبارها مقاطع سردية أو مشاهد منفصلة وموزعة بدقة على مسار ‘الحكاية الإطار’ ومجموع الخطاب السردي، علما بأن الرواية بُنِيَ سردها على نمط الفسيفساء، ساهم في تشكيله تناوب الساردين الثلاثة على تقديم وجهات نظرهم من زوايا متفاوتة ومختلفة – السارد المحايد العالم وفهدة ثم الابن- أو هو عبارة عن قطعة ‘بوزل’ عند تجميعها وإعادة ترتيبها الترتيب الكرنولوجي المنطقي والمتسلسل التقليدي -‘في القصة التقليدية’- سيتشكل خطان رئيسيان لمحكيين مهيمنين هما؛ محكي فهدة بضمير المتكلم، ومحكي ابنها بضمير المتكلم كذلك. المتوالية السردية الأولى: ‘في هذه الشوارع، عشت وتعلمت وتربيت، ومنها اكتسبت تشكل ملامحي الأولى، واستقيت تفاصيل تركيبة شخصيتي’. ص (21)يحرص السارد/الشخصية (الأنثى) على رسم ملامح الشخصية المحورية الأولى ‘فهدة’ بتبئير ‘Focalisation’ (التركيز على) الوسط الاجتماعي والمحيط الذي ترعرعت فيه وتكونت الشخصية (Personnage) ليُكْسِبَهَا أولا طابع الشخص (Personne) الواقعي وبالتالي ليَكْسَبَ إلى جانبه ثقة القارئ. وقد جاء السرد بضمير المتكلم وعلى لسان ‘فهده’ ليعضد الاختيار السابق، فالسارد ليس ساردا خارجيا ولا محايدا بل السارد هو ذاته الشخصية المتكلمة في النص، أي أن السرد في ‘المحكي الذاتي’ سرد أوطوبيوغرافي، تكون فيه الشخصية ساردا يعترف بل يقرُّ بواقعية المحكي ويجرده من ‘تهمة’ التخييل الذاتي. في المرحلة الأولى تتضافر كل هذه التقنيات السردية من أجل كسب ثقة القارئ، ورسم ملامح الشخصية المحورية الأولى، ولتحديد الصيغة الخطابية التي اختارتها الكاتبة، وقد نجح هذا انطلى هذا الاختيار على ‘الرقيب'(5) الذي منع الرواية من التداول لأنه نظر إليها من زاوية الخطاب ‘الشهادة’ الذي يعترف بحقائق قائمة على الواقع، وغفل في الوقت ذاته عن البعد الجمالي والفني للرواية، ثم أكيد أن ‘الرقيب’ الذي منع الرواية لم يقرأها حتى النهاية ليكتشف أنها خطاب روائي تخييلي يعالج قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية ووجودية أدبيا، أي كمعادلة أدبية (لغوية وتخييلية).اختيار الكاتبة البداية من لحظة ولادة الشخصية المحورية الأولى وتداول أفراد الأسرة الاسم الذي سيطلق عليها ويرافقها مدى الحياة طالت أم قصرت:’- نسميها فهده.. لأنها قوية وشرسة، وافترست توأمها أخي’ ص (19)- تندرج الرواية من هذه الجهة ضمن ‘رواية تكون الشخصية’ أو ضمن ‘رواية التربية/ التربوية’، لكن الأسئلة القلقة التي ستمر بها الشخصية المحورية الأولى ‘فهدة’ والشخصية المحورية الثانية ‘ابنها’ تتجه بالرواية نحو ‘الرواية الوجودية’، لكن هذه الاتجاهات الممكنة دليل على غنى الرواية وثرائها الذي لم يدركه ‘الرقيب’ فأدخلها من الباب الواسع ضمن زمرة كتابة ‘المتخيل المختلف’ الذي يناقض العرف والعادة والمسلم به والسائد، والذي يقترح حسب كتابه ومبدعيه نافذة أخرى ممكنة للانفتاح على معرفة جديدة لكنها مهملة ‘إيديولوجيا’. تبدأ الكاتبة من الشارع والمحيط لتطرح قضية غريبة في مجتمعها وهي مثال صارخ عن انتهاك أهم حق من حقوق الإنسان ومن حقوق المواطنة، أي ‘الكرامة والحرية والمساواة’ لفئة ‘البِدُونِ’ الذين يولدون بدون هوية ويقذفون هكذا في العراء بلا وطن يحميهم ولا ثقافة أو تاريخ، كما أنهم بدون مستقبل ولا يحق لهم ولوج الجامعات حتى يبقى تعليمهم وبالتالي وعيهم بحقوقهم كمواطنين محدودا، مجرد عبيد وجيش من الهامشيين و’فضلة’ لا حاجة إليها، إنه تمييز عنصري فاضح لفكرة ‘الدماء النقية’ تذكر بتاريخ طويل من التمركز العقدي والفكر النازي والشوفيني المهووس في بقاع مختلفة من العالم قديما وحديثا.إن ‘فهده’ الشخصية المحورية الأولى في رواية ‘سلالم النهار’ بنت هذا الواقع المرير الحافل بكل أشكال الانتهاك الحقوقي والحرمان استطاعت أن تتجاوز الحواجز لتصل إلى حظ ونصيب في مال و’مكانة’ إحدى العائلات ‘الأصيلة’ كما استطاعت أن تدخل الجامعة للدراسة العليا، والخروج من ‘المصير’ الحتمي الذي يفرضه المجتمع على مثيلاتها من مجموعات ‘البدون’، لكن طريق الوصول ليس معبدا ولا مفروشا بالورود، فقد بذلت الكثير من أجل ذلك، سواء في لعب دور الحارس الأمين على أسرار ‘نورة’ بنت الذوات وعلاقتها بالشاب اللبناني ‘زياد’ أو من خلال قبول لعب دور دمية المتعة لابن الذوات ‘ضاري’ الذي تزوجها سرا ثم أنجبت منه ابنها الشخصية المحورية الثانية في الرواية. المتوالية السردية الثانية:’في المرحلة الجامعية اكتشفت كم تختلف الشوارع، وأن بعضها لا يشبه بعضها، وأن لها وجوها تشبه قاطنيها، تشبههم ويشبهونها، وأن شوارعنا أو سككنا وحوارينا مفصلة على مقاسنا، تشبهنا ونشبهها، صالحة لنا مثلما شوارعهم صالحة فقط.. لهم’. ص (28)تَعَرُّفُ ‘فهده’ على ‘نورة’ سمح لها بالوقوف على الفوارق الطبقية بين فئة ‘البدون’ التي تنتمي إليها بالولادة وبين فئة ‘الأصيل’ صاحبة الامتيازات، لكنها تسمح لنا بإبراز موضوعة أساس في ‘المتخيل المختلف’ تعرضنا لوجهها الأول من خلال ‘الأحياء الخلفية'(6) الفقيرة في روايات محمد زفزاف(7)، وعرضنا وجهها الثاني من خلال رواية ‘الطاطران’ للكاتب العراقي عبد الستار ناصر الذي كشف عن الأحياء الراقية وما تخفيه الواجهات البراقة والستائر الوردية. لقد اكتشفت ‘فهده’ الفوارق حتى في ‘الجنس’، ففئة البدون تمارس الجنس للحاجة وسد الجوع ومن أجل البقاء بينما فئة الأصيل تمارسه للمتعة وتزجية الوقت، تقول:’ اعتدت على انتظار نورة.. وعلى انتهاء وصلة عشقها مع زياد.أكتفي بالانتظار ومراقبة الطريق، وحركات العشاق المفضوحة في تأججها، وجيشانها المهرول باتجاه أعشاشها الدافئة’ ص (30)وأهم ما تقدمه الرواية في تحليل أدبي لكن ذي بعد ‘اقتصادي’ هو تلك الحياة الاقتصادية والمالية التي تم تهيئتها للعشق المسروق والمتخفي بعناية ورعاية مادام مدرا للمال وبسخاء، تقول: ‘وبما أن أوقات العشق والغرام سويعاتها قصيرة لا تكفي لأداء مهمات أخرى كإعداد الطعام، لذا قامت سلسلة من المطاعم السريعة بتوفير كل احتياجات الطاقة المطلوبة للحرق في اشتباكات وارتجافات الشغف القادم. فكل ما يحيط بهذه العمارات مهمته تغذية البدن وإسعاد الكيف بالعصائر والمشروبات الباردة والساخنة مثل أنواع القهوة والشاي والدارسين والسحلب.الغرام محتاج إلى رعاية وعناية، شعللة، دلع، وكيف.. حب مخطط له ومدبَّرٌ بعناية ومدارى عن العيون، مكلف للجيب حتى وإن كان لفترة من زمن عابر، أو لمتعة تنقضي بانقضاء وانتفاء الحاجة إليها’.(8) ص (31)المتوالية السردية الثالثة:بتعرُّف ‘فهده’ على شخصية ‘نورة’ ارتقت درجة أخرى في السلم، لكن ذروة المعرفة ستكون مع ‘ضاري’، إنها معرفة الجسد وغرائزه وطاقاته الدفينة(9). ‘معه عرفت نفسي، واكتشفت ذاتي وحقيقتي التي كنت أعيش غيرها.. اكتشفت جوهري وماهيتي، عاداتي وطباعي، ورغباتي وجوعي الأزلي، الذي كنت أخجل من كشف أوراقه. علمني كيف أظهر حقيقتي، وأن أتخلى عن كل أقنعتي، وأن أكون أنا كما خلقني الله، من الداخل والخارج معا يمثلان طبيعتي وحقيقتي معا. أسقط عني كل تلك الأقنعة الكاذبة التي كنت أزيف بها نفسي، وكنت أظن أنها تجملني وتجعل صورتي براقة وراقية، ومحتلة المكان المناسب لها’. ص (71)هناك معرفة مطموسة لم تكن ‘فهده’ على معرفة بها، معرفة كامنة بالقوة في أعماق جسدها المقموع والمحرَّم، مسار معرفي؛ سلم معرفي خاص تقوم أركانه على معرفة خبايا الجسد ومكامن طاقاته الخبيئة. مع ‘ضاري’ ستجرب ‘فهده’ كل الأفكار المعروفة والمبتدعة التي ترقى بأحاسيس الجسد إلى ذروة الشهوة والمتعة واللذة، ستجرب معه الجنس الطبيعي وغير الطبيعي، العادي والغريب، سيطالبها حتى بمعاشرة لامرأة مثلها، يبحث ‘ضاري’ عن المتعة الحسية، وهي مستسلمة لنزواته تفجر في الآن ذاته مكنوناتها الخبيئة والتي علاها غبار العادات والتقاليد والمأثور من كلام المنع والتحريم، والثقافة التي تجرم النظر إلى الجسد، لأنه كما قال القديس فرانسيس بطل رواية نيكوس كازانتزاكيس(10) ‘حمار’؛ الجسد حمار الروح، خادمها المطيع، وكما قيل عنه ‘موطن الشهوات’ لذلك لا يرقى إلى مقام الروح فيُلْقَى في الحُفَرِ ‘القبر’. وقد تبين في ‘متخيل الإيروتيكا'(11) كيف يحتل الجسد مكانة رفيعة في الرقي بالمعارف الحسية، وتبين كيف أن الجسد بغرائزه البدائية وميوله ورغباته خزانا لحقائق ما كان للإنسان وصولها بالمعرفة المجردة وحدها، وتبين كذلك كيف أن الجسد كان محورا لفنون كثيرة ذات تأثير قوي على معرفة الإنسان في جل العصور، فالجسد يخفي حقيقة ‘مراد’ طرشقانة عند مسعودة بوبكر، والجنس طريق إلى معرفة الذات عند سلوى النعيمي في ‘برهان العسل’، وهو محور تفكير وممارسة الإنسان (رجلا وامرأة) عند لينة كريدية في ‘خان زاده’ و’نساء يوسف’.وفي رواية ‘سلالم النهار’ للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم يتجلى الجسد والجنس معا كدرجات سلم الارتقاء بالشخصية في تكوينها، وكطريق للمعرفة بالذات وحقائقها الكامنة، وكوسيلة للمتعة، لكن طريق الجسد ليست محطة الوصول حيث تطمئن الذات وتستقر ويخمد اضطرابها، بل هو محطة على طريق المعرفة، محطة مهمة ستظل دائما متخفية وراء الستائر والجدران العالية رغم قوة حضورها وسطوتها التي تمثلها اقتصاديات الجسد والجنس المدرة للمال، وستظل سوقها رائجة حتى في الأوساط الفقيرة. فما هي المحطة الموالية في الارتقاء المعرفي بالذات؟المتوالية السردية الرابعة:’التائه يجد الملاذ.. يجد ما يسد جوعه، الجوع الدائم المهاجم الذي لا يشبع لم يكن مصدره جوع الجسد. كان الجوع الغائب فيه هو جوعا آخر خفيا، جوعا سرى له ممرات ومسارات أخرى.ز لا يتصل عبر الجسد، ولا من خلال الحواس، كان في مكان آخر، لا يتم التواصل معه عبر الغرائز.. الوصول إليه لا يتم إلا عبر جسر الإيمان وحده.. الإيمان هو ما كان ينقصني، ما كان ينقص جوعي الدائم.. جوع الروح كان هو جوعي’. ص (148-149)الإيمان هو محطة اليقين والطمأنينة التي كانت الشخصية المحورية الأولى ‘فهده’ تبحث عنها، ووصلت إليها بعد موت ‘ضاري’ في أوج الرغبة فوق جسدها، لتكفر بالجسد وتهرب بعيدا إلى مكان معزول بقمة جبال ‘ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، المتقاسم ما بين إيران وسلطنة عُمان’. ص (146)هنالك ستجد ضالتها، وستتعثر بديوان ‘رابعة العدوية’ فتدخل في مرحلة جديدة من مراحل حياتها، التي ستتوج بولادة ابنها، وبمحاولاتها التأثير في محيطها ودعوتهم إلى عالم الطمأنينة واليقين، لكن هل يمكن أن يكون لنتيجتها تأثير على غيرها دون مرورهم هم أيضا بالتجربة ذاتها؟ إن الحياة هي التجربة، لذلك لم يؤمن بها أغلب أفراد الأسرة، بل خرج من رحمها ‘ابن’ أكثر منها قلقا وتمردا على الحياة المحيطة به، وعلى يقين أمه، مطالبا في حقه في التجربة وتحقيق ذاته بالصورة التي يرغبها وتمليها عليه اختياراته، يقول:’ سوف أسافر إلى باريس، لأدرس في جامعتها مثلما فعل أبي، ليس حبا فيه، ولكن هذه هي فعلا رغبتي.. لن أدرس هنا، سأسافر لأعيش اختلافاتي بكل ما فيها، من دون مكابح، ولا خوف ولا تبكيت. سأكون لأول مرة أنا’. ص (188) المصادر والمراجع والإحالات: شويش، فوزية السالم: سلالم النهار، رواية. منشورات دار العين. ط1. 2012مالباريا فئة منبوذة في الهند وتنتمي للفئات الدنيا في السلم الاجتماعي ولا يقربها الناس. سبق شرحها في هذا الكتاب.لوجون، فيليب: السيرة الذاتية (الميثاق والتاريخ الأدبي). ترجمة عمر حلي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 1994ممعتصم، محمد: الرؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن العشرين. منشورات دار أزمنة. ط1. 2004ممنعت الرواية من التداول في معرض الكتاب الدولي بالكويت سنة صدور الرواية.’متخيل الأحياء الخلفية’ الفصل الأول من الكتاب.نفسه.ملاحظة ذكية أبرزت النفاق الاجتماعي والاقتصادي والمالي للمجتمعات المحافظة، فهناك تجارة رائجة تستثمر الكبت والجنس والخوف والفقر والغنى على حد سواءتم بلورة الفكرة ذاتها في ‘متخيل الإيروتيكا’ لدى دراسة رواية سلوى النعيمي ‘برهان العسل’.كازانتزاكيس، نيكوس: القديس فرانسيس، رواية. ترجمة سهيل نجم. منشورات دار الكنوز الأجنبية. ط1. 1996مالفصل الثاني ضمن هذا الكتاب.