يعيش التونسيون هذه الأيام على وقع رسالة توجّه بها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى رئيس البرلمان، وهي رسالة تأتي في سياق رفض ختم مشروع القانون المصادق عليه في 25 مارس/آذار 2021، والمعدل للقانون الأساسي عدد 50 المتعلق بالمحكمة الدستورية والصادر في 2015. ولعلّ ما شدّ انتباه الكثير، خاصة على صفحات التواصل الاجتماعي هي صيغة السلام التي ابتدأ بها الرئيس رسالته وختم، وهي صيغة لها رصيدٌ في العرف اللغوي والحضاري، وليست بغريبة على من أبحر في كتب النّحاة والبلاغيين والأصوليين، غير أنّ الغرابة كامنة – في اعتقادي – في طقوس أدائها التداولي، لاسيما وأنّ التونسيين على علم بحيثيات التوتر السياسي بين المتخاطبين، وهو ما يفتح المجال لتوتر لغوي ستكون الغلبة فيه لمن طوّع اللغة لصالحه.
يهمنا في هذه السطور أن نقف عند هذا السلوك اللغويّ، وقصدنا بالسلوك هنا خروج اللغة من بوتقة الوصف إلى الفعل، لتمتد إلى مساحة الفعل بالقول، كما يقول أصحاب فلسفة اللغة. ونظن أنّ التحية بوصفها عملاً قولياً من أفصح المظاهر اللغويّة ارتباطاً بمقامات تخاطبها، وتأثيرها في نفوس المتلقين. وقد يكون من المفيد التنبيه في البداية إلى أنّ التحايا مثلت مصدر قلق للنحاة والبلاغيين نظرا لكونها تقبع في تلك المسافة الفاصلة بين الخبر والإنشاء، فهناك من يعتقد أنّها خبر متضمن للإنشاء، مثلما أشار ابن القيم في حديثه عن السلام عليكم قائلا «فإنَّ السَّلامة المَطلوبة لم تحصل بفعل المسلم وليس للمسلم إلاّ الدعاء بها ومحبتها، فإذا قال سلام عليكم تضمّن الإخبار بحصول السلامة والإنشاء للدعاء بها، وإرادتها وتمنيها». وهناك من يعتبرها إنشاء لأنها لا تخبر عن شيء استقر في الذهن والاعتقاد. وفي كلا الحالتين يبقى الاستعمال سيد الموقف لترشيح معنى على آخر.
لنعد إلى استعمالات الرئيس في الرسالة، حيث افتتح خطابه بقوله «السلام علينا وعليكم مثل الذي ألقينا» وهي طريقة في القول تبدو مدهشة من ناحية تركيبها ودلالتها، فكان من الممكن أن يقول «السلام عليكم» وكفى، لكنّه بادر بالسلام على نفسه، وإن كانت صيغة الجمع هنا (نا) مخاتلة وموضوعية في الآن نفسه، فمن المقصود بـ»علينا»؟ ولا نظنّ أن الإجابة صعبة، فهي صيغة علمية فيها الحدّ الأدنى من إشراك البقية «مؤسسة الرئاسة» بعيدا عن الشخصنة، والمتكلم من أهل الاختصاص في هذا الميدان. أما الشقّ الثاني من السلام فهو للمخاطَب، وهنا تكمن الطرافة، حيث رحّل المتكلم سلامه على نفسه إلى مخاطَبه بضرب من المساواة قائلا «وعليكم مثل الذي ألقينا» أي مثل الذي ألقيناه على أنفسنا. وبعيدا عن «إبليس التأويل المؤدلج» لم يعد في جرعة المعادين لخطاب المتكلم، غير لعبة التقديم والتأخير، ومن حقّ المتكلم هنا أن يقدّم نفسه ويؤخر الآخر، في ضرب من العناية والإبراز، كما يقول شيخ النحاة سيبويه. وتسعفنا في ذلك دوائر الإنجاز والاستعمال.
تبدو عبارة «السلام علينا» مستفزة، لاسيما وأنّ المسلّم يبادر بها إلى الآخر من أجل السلام، وقلّ ما يطلقها على نفسه إلاّ في سياقات لها خصوصية، مثلما جاء في خطاب سيدنا عيسى «والسلام عليّ» وهو سلام في ضرب من الدّعاء يتعلق بيوم ولادته ووفاته ويوم بعثه.
تبدو عبارة «السلام علينا» مستفزة، لاسيما وأنّ المسلّم يبادر بها إلى الآخر من أجل السلام، وقلّ ما يطلقها على نفسه إلاّ في سياقات لها خصوصية، مثلما جاء في خطاب سيدنا عيسى «والسلام عليّ» وهو سلام في ضرب من الدّعاء يتعلق بيوم ولادته ووفاته ويوم بعثه. فهل قصد المتكلم بالسلام علينا هنا دعاء لمن يتوجهم لهم بالخطاب؟ وإن تركنا افتتاحية الخطاب وعرجنا إلى خاتمته التي زادت التأويل سوءا، فإنّنا سنلفي المتكلم يعيد لعبة توزيع الأدوار، حيث يواصل إلقاء السلام على «الأنا الجامعة» ملحقا المخاطَب بواو العطف العاطفة قائلا: «السلام علينا وعليكم» وهذا في نظرنا تعديل طفيف في صيغة الخطاب تبدو فيه الحدّة خافتة نوعا ما، غير أنّ في الجزء الثاني من السلام يركن مخاطَب (2) توجّه له المتكلم بعبارة طريفة استعارها من زمن وسياق بعيد قائلا «وسَلام على مَن اتَّبع الهدى». وبناء عليه فللمتكلّم طرف آخر يتوجّه إليه وهو طرف تكشف عنه هذه الصيغة المتأخرة، التي تحمل في ذخيرتها المعجمية أبعادا دينية تسافر بنا إلى أغوار التاريخ، فالثابت أنّ لغة ليست مفصولة عن أدائها التاريخي مهما حاولنا استدراجها إلى مقامات أخرى.
تثير عبارة «سَلام على مَن اتَّبع الهدى» ذائقة المتلقى فيذهب لها إلى أصول قولها ويبدو من خلال اطلاعنا على بعض المصادر، أنّ سياقها يأتي في إطار متحاورين ينتميان إلى بيئتين (اعتقاد) مختلفتين، فبالعودة إلى خطاب الرسول، صلى الله عليه وسلم» «مِن محمد بن عبد الله ورسـوله إلى هِرقل عَظيم الرُّوم، سَلام على مَن اتَّبع الهدى»يظهر لنا أنّ هذه الصيغة يدعو فيه المتكلم الطرف الآخر للإسلام، فمقتضى القول يوحي بأن المخاطب على غير ذلك الدين. وإن شئنا بضرب من الإسقاط الاستعاري بين المتخاطبين، فإننا نقول إنّ المتكلم لا يتحدث هنا في مجال الدين وإنّما يشير بطريقة طريفة إلى من يخالفونه في الاعتقاد السياسي والذي يراهم مفسدين في العمل البرلماني، فلعلهم بهذا الدعاء المقولب بالسّلام يتبعون الهدى. فهذه الصيغة تكشف أنّ المتخاطبين ينتميان إلى فضاءين مختلفين في الأداء السياسي، وتكشف أيضا عن عمق الأزمة الواقعة في المشهد السياسي التونسي.
ومهما يكن الأمر في قضية هذا السلام فإنّ الثابت أننا إزاء خطاب طريف تركيبا ودلالة وتداولا، وعلى أصحاب القلوب الضعيفة أن يوطّنوا العزم على لغة السلام، فالمتكلم ماهر في الحديث عن الديمقراطية باللّغة، وهذا لعمري سرّ البقاء الديمقراطي، ولا نقول لكم إلاّ «من دخل بيت اللغة فهو آمن». وتبقى صيغة الإضافة في العنوان معلقة إلى أن يأتي سلام آخر لنكتب عنه، فنحن ممن يبحثون عن السّلام باللغة.
كاتب تونسي