كابوس ايران النووية يطارد العرب والاسرائيليين علي حد سواء، ولكن القوة المحركة في محاولة صد التطلعات الايرانية هي الولايات المتحدة واسرائيل. في المثلث الامريكي ـ الايراني ـ الاسرائيلي يمكن ان نجد جذر المشكلة وكذا الحل المحتمل. مع ان ثورة الخميني فسخت الحلف القديم بين اسرائيل وايران الا ان الدولتين واصلتا ادارة الاعمال بينهما بتشجيع من أمريكا. قضية ايران ـ كونتراس التي زودت فيها اسرائيل ايران بالسلاح في الحرب ضد العراق هي مثال ممتاز. كقوتين غير عربيتين في محيط عربي معادٍ، كان لاسرائيل وايران مصلحة مشتركة، حتي الثورة الاسلامية ما كان بوسعها ان تلغيها.
فقط في عهد حكومة رابين وصلت اسرائيل وايران الي صدام مباشر. ويعود السبب في ذلك الي التحول الاستراتيجي الذي طرأ بعد الانتصار الامريكي في حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفييتي. ووفرت المسيرة السلمية الاسرائيلية ـ العربية برعاية الولايات المتحدة سلسلة من الانجازات حابسة الانفاس ـ مؤتمر السلام في مدريد، اتفاقات اوسلو، السلام بين اسرائيل والاردن، تقريبا اتفاق مع سورية واقامة ممثليات اسرائيلية في معظم الدول العربية. وشكلت كل هذه كابوسا لايران التي شعرت بانها تنعزل أكثر فأكثر. في هذا المفترق اختارت اسرائيل وايران ـ القوتان المتنافستان علي التفوق في منطقة تتغير بسرعة ـ عرض المنافسة الاستراتيجية بينهما بتعابير ايديولوجية. ودارت المواجهة الان بين اسرائيل، التي تحمل شعلة الديمقراطية ومكافحة انتشار الامبراطورية الشيعية، وبين اسرائيل، التي اختارت الدفاع عن الثورة من خلال تجنيد الجماهير العربية من أجل قيم الاسلام وضد الزعماء الخونة الذين قرروا التفريط بحقوق الفلسطينيين.
ايران، اكثر مما هي عدو لاسرائيل، كانت عدوا لامكانية المصالحة الاسرائيلية العربية. ولهذا فقد اختار نظام آية الله توجيه الجماهير الي خطاب مناهض لليهود ومؤيد للسلام، كسبيل لاخراج ايران من عزلتها، وعرض تطلعاتها الاقليمية في ضوء تقبله جماهير السُنّة. فايران لا تتطلع الي قدرة نووية كي تدمر اسرائيل، بل كوسيلة لنيل السمعة والنفوذ في منطقة معادية وتعزيز تحديها للنظام القائم في المنطقة. ومع ذلك فان للاسرائيليين مبررا للقلق، إذ أن ايران نووية من شأنها أن تشجع اعداء اسرائيل في المنطقة وتكون محفزا لتطورات تخرج عن نطاق السيطرة. هجوم علي المنشآت النووية الايرانية من شأنه ان يكون خطيرا جدا ونتائجه غير مضمونة. العقوبات الاقتصادية، مهما كانت شديدة، فلن تؤدي أغلب الظن الي استسلام طهران. كما أن الانشقاق الداخلي بين آيات الله في ايران لن يؤدي الي تغييرات في النظام في المستقبل القريب. ولكن الراديكالية لا تشير بالضرورة الي عدم العقلانية، وايران الثورية وفرت في الماضي براهين علي البراغماتية. فقد أيدت ايران الولايات المتحدة في حرب الخليج الاولي، ولكنها بقيت خارج الدائرة في مؤتمر السلام في مدريد، بل انها ايدت الولايات المتحدة في حربها ضد نظام طالبان في افغانستان. وفي صيف 2003، عندما تغلب الجيش الامريكي علي جيش صدام حسين، سارع الايرانيون المحاصرون الي عرض صفقة كبري، تطرح فيها كل نقاط الخلاف علي الطاولة، من الموضوع النووي وحتي اسرائيل، من حزب الله وحتي حماس. واضافة الي ذلك، فقد صرحوا بأنهم سيكفون عن التخريب علي المسيرة السلمية الاسرائيلية ـ العربية. ولكن غرورا محافظا منع رد فعل براغماتيا علي الصوت الجديد الصادر عن طهران: نحن لا نتحدث مع الاشرار، هكذا كان خط محور تشيني ـ رامسفيلد. عندما ظهرت السياسة الامريكية بالنسبة للشرق الاوسط غير مستقرة، كان تغير ايضا المزاج الايراني. ومع ذلك، فلا يزال يبدو الطريق الوحيد للخروج من المأزق هو المساومة الكبري. وهذه لن تحصل من خلال سياسة العقوبات او الاستخدام الامريكي لاساليب الحرب الباردة والتي ترمي الي كسر شوكة الايرانيين من خلال ادخال ايران في سباق تسلح هدام. النفوذ الامريكي المتعاظم لايران لا ينبع من ميزانيات التسلح لديها، والتي تقل اليوم ايضا عن ميزانيات اعدائها، بل من التحدي الذي تطرحه امام الولايات المتحدة واسرائيل باستخدامها قوة اللين.
السبيل الافضل للقضاء علي استراتيجية ايران في خلق عدم استقرار في المنطقة هو من خلال سلام اسرائيلي ـ عربي شامل، يترافق واستثمارات هائلة في التنمية البشرية ويأتي في اعقابه تمويل دولي لبناء نظام سلام وأمن في الشرق الاوسط نقي من النووي. شلومو بن عامي وزير الخارجية الاسبق(يديعوت احرونوت) 29/8/2007