سلام تل أبيب-أبو ظبي سيعزز الحرب الباردة في المنطقة: تزاحم على قطار التطبيع من سيكون التالي؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

بدأت الإمارات قطار التطبيع والسؤال من سيأتي الدور عليه؟ والدول المرشحة كثيرة، وتتراوح من محيط العالم العربي إلى خليجه وبينها دول في أفريقيا العربية. ولم يتوقف جاريد كوشنر، الذي قدم على أنه عراب الصفقة الإماراتية-الإسرائيلية عن التبشير بأن هناك دولا عربية جاهزة للتطبيع. وفي “مهرجان السلام” غاب الفلسطينيون وصوروا في كل مقال أو تحليل نشرته صحيفة أو مجلة غربية بالخاسر الأكبر وأن المصالح الشخصية تفوقت على القضية التي كانت تجمع قلوب العرب وتؤجج حماسهم. صحيح أن الواقع العربي في ثوراته المضادة وحروبه الأهلية وأزماته الاقتصادية بات منشغلا بهمومه الكثيرة لكن بقاء القضية الفلسطينية بدون حل يعني أن مشاكل المنطقة باقية، فلا فائدة من حديث بنيامين نتنياهو عن “سلام مقابل سلام” مع دولة عربية على صداقة معها منذ سنوات ولم تكن أبدا في حالة حرب معه.

 وكما قالت مجلة “إيكونوميست” (22/8/2020) تغيرت الحقائق ولم يعد هناك غضب كما فعل العالم العربي مع أنور السادات الذي زار إسرائيل عام 1977 ثم عقد معها معاهدة عام 1979 واغتيل في 1980 بتهمة التطبيع مع الكيان الصهيوني. في حينها قررت الجامعة العربية تعليق عضوية مصر فيها ونقل مقرها إلى تونس واتهم قادة الدول العربية السادات بالخيانة. وبعد أربعة عقود لم يتغير شيء، فالفلسطينيون بدون دولة والاحتلال مستمر. وما جرى اليوم هو التقارب المتزايد بين الدول العربية وإسرائيل بذرائع التعاون الأمني والاقتصادي ومواجهة إيران التي اصبحت في نظر ملكيات الخليج العدو وليس إسرائيل. وقالت إن الاتفاقية ليست “اختراقا” أو “نقطة تحول” في تاريخ المنطقة ولكنها تعكس ما حصل من تغيرات بين كامب ديفيد واليوم. فمجرد توقيع اتفاق بين الإمارات وإسرائيل لا يعني أن خطوط الصدع قد انتهت في المنطقة. وما جرى هو تأكيد لوجهة نظر نتنياهو بضرورة فصل المسار العربي-الإسرائيلي عن المسار الفلسطيني-الإسرائيلي وضرورة تعامل الدول العربية مع مصالحها والنظر للإمام لا البقاء أسيرة القضية التي لن تحل.

ذاب الجليد

 ويجري الترويج ضمن هذه الرؤية لعلاقات جديدة مع دول عربية. وكما قال دونالد ترامب “فقد تكسر الجليد وأتوقع عددا آخر من الدول العربية والإسلامية أن تحذو حذو الإمارات العربية المتحدة”. ومن هنا فالرهان يظل على عمان التي كانت أول دولة عربية تستقبل نتنياهو عام 2018 ورحبت بالإتفاق الإماراتي، لكن وزير خارجيتها يوسف بن علوي جرى استبداله بعد حديثه مع نظيره الإسرائيلي. ويبدو السلطان هيثم بن طارق غير جاهز لاتخاذ قرار. ولكن البحرين قد تكون التالية فقد استقبلت مسؤولين إسرائيليين في السابق. واتخذها المسؤولون الأمريكيون نقطة للكشف عن الجزء الاقتصادي من خطة ترامب للسلام فيما عرف بورشة المنامة العام الماضي. وقد يكون السودان مرشحا، خاصة أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان التقى نتنياهو في شباط/فبراير في يوغندا وناقشا التطبيع. لكن السودان حسب “ميدل إيست آي”(20/8/2020) أرسل رسائل غامضة فيها دعم للتطبيع ورفض له في الوقت نفسه. وهو ما يعكس الخلاف بين المدنيين والعسكريين في الحكومة الانتقالية. وكذا خلاف بين قوى المعارضة نفسها التي تدعو للتعامل مع المصلحة السودانية، أي اتخاذ التطبيع كمدخل لواشنطن وحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وبعيدا عن هذا الجدل، فالحكومة الحالية ترى أنها ليست في وضع للمضي بالتطبيع إلا لما بعد انتخابات 2022 حيث يتم عرض الأمر على النقاش. والملاحظ أن السودان الذي نفى علاقات مع السودان كذبته تصريحات المسؤولين الإسرائيليين. وترى “وول ستريت جورنال” (18/8/2020) أن عقد اتفاقية سلام مع السودان يؤكد التغير في مسار القضية الفلسطينية بالعالم العربي، فقد شهدت العاصمة الخرطوم أول قمة عربية بعد هزيمة 1967 وأعلن فيها عن “لاءات الثلاثة” “لا صلح لا اعتراف لا تفاوض”. وهناك المغرب وموريتانيا بالإضافة للسعودية التي تعتبر مركز اهتمام إسرائيل، فليس سرا أن العلاقات السعودية-الإسرائيلية تحسنت منذ وصول الملك سلمان وابنه محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للبلاد. ولكن الرياض التزمت الصمت حول الاتفاق الإماراتي وأكد وزير خارجيتها الالتزام بالمبادرة العربية التي تقدمت بها السعودية عام 2002. وجرى التفريق بين موقف الملك سلمان باعتباره داعما لحقوق الفلسطينيين وابنه محمد الذي قيل إنه ينظر بحسد للتطور التكنولوجي والاقتصادي الإسرائيلي وقال لمجلة “ذا أتلانتك” عام 2018 أن لإسرائيل الحق بالوجود على أراضيها. ومن هنا سياسة الصمت ربما كان ناجعة في الوقت الحالي، إلا أن الإدارة الأمريكية ستواصل الضغط على السعودية الخروج من تحت الطاولة والكشف عن العلاقة. وما هو واضح هو أن السعودية تجد نفسها في موضع غير مريح في وقت يتكلم فيه حلفاؤها بحماس عن صفقة التطبيع. وجاء في تقرير لموقع “بلومبيرغ” (20/8/2020) أن صعود الإمارات كوسيط جديد للقوة بالمنطقة ربما أدى لتحول في القيادة العربية وأضعف النفوذ السعودي وزاد من تشرذم الوحدة الخليجية. ومن هنا ستجد المملكة نفسها أمام تحد للموازنة بين المطالب الجيوسياسية العاجلة والأمور الأيديولوجية النابعة من موقفها التقليدي كحارسة للأماكن المقدسة في مكة والمدينة والتي تعطيها قيادة رمزية للعالم الإسلامي التعاطف التقليدي مع القضية الفلسطينية.

تمزيق الوحدة الخليجية

وجاء التمزق الكبير بين دول مجلس التعاون الخليجي في حزيران/يونيو 2017 عندما قامت السعودية والإمارات والبحرين مع مصر بفرض حصار على قطر. وسيزيد الاتفاق الجديد من تشرذم مجلس التعاون الخليجي، فمن ناحية تبدو الكويت والسعودية الأكثر تشددا في موضوع إسرائيل، فيما ستحذو بقية دول الخليج حذو الإمارات. ولا بد من النظر إلى أن هذه الدول عادة ما تتنافس فيما بينها. ففي قلب الحصار على قطر تبدو مسألة التنافس في كل شيء حتى في مجال الرياضة. وكما لاحظ السفير الأمريكي السابق مارتن إنديك بمقالة نشرتها مجلة “فورين أفيرز” (19/8/2020) فقد شعر محمد بن زايد أن عمان والبحرين تسرقان منه المسيرة نحو التطبيع. والأسوأ من هذا فقد فشلت محاولاته منذ 2011 شراء الجيل الخامس من المقاتلات الامريكية أف-35. وأمل بن زايد أن تعطي خطة السلام الأمريكية له الغطاء للتطبيع والحصول على الأسلحة التي يريدها. ويبدو أن إدارة ترامب باتت تفكر في بيع الاسلحة المتقدمة للإمارات حسب “نيويورك تايمز”(19/8/2020) والتي لو أقرت ستحتاج لسنوات كي تسلم وربما جاءت الإدارات اللاحقة وألغتها. وكما لاحظ فما يهم ترامب الذي نسب لنفسه الفضل في التوصل للمعاهدة أو اتفاق إبراهيم، هي صفقات الأسلحة ولن يهتم لو حضر توقيعها محمد بن زايد بدلا من محمود عباس، طالما حصل على مليارات في صفقات الأسلحة بدلا من المساعدات التي وعدها للفلسطينيين في خطته. كل هذا لن يحل كما يقول إنديك النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وقد تكون المبادرة الإماراتية نافذة لترامب الذي يتصرف كأنه حصل على جائزة نوبل للسلام، فقط لأن دبلوماسيته الفاشلة انتجت “اختراقا”.

تهميش الفلسطينيين

وبالمحصلة فالفلسطينيون كما يقول ستيفن كوك بـ “فورين بوليسي” (20/8/2020) همشوا بالمبادرة الحالية، رغم الإنجاز التجميلي، أي منع الضم، فإسرائيل والإمارات تسيران نحو التطبيع منذ خمسة أعوام تقريبا. وتوصل مسؤولو البلدين منذ وقت أن التقارب يعزز المصالح الجيواستراتيجية والسياسية. ويرى كوك أن ما جرى هي خطوة طبيعية لكل منهما. وعلى خلاف اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية فهذه ليست معاهدة سلام لأن الإمارات وإسرائيل لم تكونا في حالة حرب. كما ان الاتفاق لا يعلم تحولا في نظام المنطقة. فكلا من الإمارات وإسرائيل شريكتان قويتان للولايات المتحدة وتشتركان معها في المواقف خاصة من إيران وعدم التسامح مع الإخوان المسلمين أو الإسلاميين بشكل عام. إلى جانب تركيا التي تصور على أنها تهديد للاستقرار الإقليمي وضرورة الإبقاء على قطر محاصرة حتى لا تستخدم ثروتها لإحداث مشاكل كما يقول الحلف المحاصر لها. ومع ذلك هناك الكثير في الإتفاق الذي ينفع الإمارات وإسرائيل وإدارة دونالد ترامب. وبعيدا عن الجانب الاقتصادي هناك التعاون في المجال الأمني والسياحي حيث ستتعاون الإمارات وإسرائيل في المجال الأمني بشكل مفتوح. فقد حسب الطرفان على ما يبدو أن التعاون سيكون رادعا للاعبين الأعداء بالمنطقة، وكان على إدارة ترامب التلويح به كنجاح حتى ولو لم يكن “صفقة القرن”.

خسارة المنطقة

وبعيدا عن كل هذا فالتطبيع الجديد لن يترك أثره على الفلسطينيين فقط بل على الاستقرار الإقليمي خاصة في ليبيا. فهو سيزيد كما يقول جيسون باك في “فورين بوليسي” (21/8/202) من الانقسام بين الملكيات التقليدية ومنافسيها فيما ستواصل الجماعات الوكيلة عن كل طرف حروبها في اليمن وليبيا. ويرى أن “الحرب الباردة” التي اندلعت بعد الربيع العربي ستصبح أكثر صلابة بشكل يجعل من حل حروب الوكالة صعبا. ويرى أن التطبيع سيدمج إسرائيل في المعسكر التقليدي المؤيد للملكية المعادي للإخوان المسلمين والذي يضم أيضا المغرب والأردن ومصر والإمارات العربية والسعودية والبحرين وبمستوى أقل عمان والكويت والسودان. ورغم أنها تملك القوة الاقتصادية فدول هذا المعسكر مهزومة الآن أمام مجموعة من الحكومات التي ترفض الوضع الراهن وتدعم الإسلام السياسي. ويضم هذا المعسكر تركيا وإيران وقطر. ويقول باك إن المبادرة الأخيرة رغم وصفها كصفقة سلام إلا أنها ستزيد من أمد الحروب الإقليمية خاصة في سوريا واليمن وليبيا التي تنتصر فيها كل قوى التمرد. وحاولت الإمارات استخدام تأثيرها في الرياض وواشنطن لكي تمنح وكلاءها اليد الحرة للتصرف، لكنها تواجه في لحظة انتصارها الدبلوماسي تعثرا على الجبهات الثلاث. ورغم ما تشترك به إسرائيل والإمارات من مزايا وكونهما أهم حليفين لأمريكا بالمنطقة إلا أنهما أظهرتا في السنوات الأخيرة ميلا نحو الديكتاتورية. ومنحت إدارة ترامب للإمارات موافقة على مواصلة محاولات التسيد على المنطقة. وبنفس السياق وافقت على خطوات نتنياهو التوسعية. ويقول إن الإدارة الأمريكية بدأت تتخلى عن الجنرال خليفة حفتر بعدما تجاوزها وحاول التعاون مع عدوها في كركاس، نيكولاس مادورو. إلا أن محاولة أمريكا لعب دور دبلوماسي ووسيط بين الأطراف سيتحول باتجاه إرضاء الإمارات التي أبقت مع روسيا على حفتر رغم هزيمته على يد القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا. وبدلا من ذلك فقد سلم ترامب وكوشنر ملف ليبيا لأبو ظبي مقابل انتصار محلي. ونظرا للظروف الإنتخابية فمن غير المحتمل أن ينخرط الرئيس الأمريكي بالأزمة اللليبية إلا ما بعد كانون الثاني/يناير 2021. ولا توجد أي طريقة لمواصلة أمريكا التعامل مع ليبيا إلا من قانون فرض الاستقرار في ليبيا، وهو القانون الذي يدعو الإدارة الأمريكية لفرض العقوبات على الدول التي تتدخل في ليبيا والمهربين ومنتهكي حقوق الإنسان. ولن تكون أمريكا في وضع لكي تفرض عقوبات على الإمارات، خاصة أن الكونغرس ومراكز البحث حافلة بأنصار الإمارات. وفي وضعه الحالي يسمي القانون روسيا وتركيا وربما مصر التي هددت بالتدخل في ليبيا. وسيكون تذكير بدور الكونغرس في محاولته الوقوف أمام سياسة ترامب الخارجية التي تقدم العلاقات مع الإمارات على القانون الدولي. ولو دخل رئيس جديد البيت الابيض لدى إدارته ميل لفرض العقوبات فستكون هناك فرصة لوقف حروب الوكالة وتخفيف معاناة الناس العاديين. وفي ظل الصدع الجديد في المنطقة الذي حل محل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني على الإدارة أن تلعب دور من يمنع الإنقسام بدلا من مفاقمة معاناة من يتألمون بسبب الانقسام الجديد، سواء كان هذا في ليبيا أم غيرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية