في البحث عن معنى الشاعر ..
استحضار الشاعر للذات لا ينبع من اهتمام شعري تأمّلي فحسب، بل ينبع كذلك من حاجات معرفية أو روحية، والشاعر لم يدلل على أن الذات أعلى مرتبة من الشعر وإنما دلل على أن كلاً من الذات والشعر له طريق واحد يوصل إلى الفكرة الواحدة بحيث يلتقيان في نهاية المعنى وعليه لابد للشاعر من الانسراح مع القصيدة كبداية لترجمة الخيال الذي يصيب المتلقي بالذهول، ولكي لا نتعلق بالمعنى وحسب، علينا أن نعرف، مجدداً، أن للشعر أو مخيلة الشاعر قوة الخلق أو الابتكار نظلل بها ذلك المعنى التائه بمحطات افتراضية تجعلنا نصل إلى أقصى طبقات الكلمة، بينما الشاعر يمضي مع ذاته والمعنى، النص واللغة الجديدة حاسر الرأس، وبهذا تكون نقطة الانغمار الفني الجمالي عائمة بهدوء مدهش مع معاني الشعر الأخرى التي تنحدر مع جمال الفكرة إلى ما لانهاية أو إلى حد تصوّر إمكانية قيام الذات بممارسة منطق القياس الشعري الذي يجعل من نصوص الشاعر مرايا صغيرة متناثرة نرى من خلالها الوجه الآخر للشاعر .
عنوان هذه المجموعة (سلام سرحان) لم يكن أكثر من مناورة شعرية مغايرة تجعلنا أكثر قرباً للشاعر ونصوصه، إذ يقف الأسم (العنوان) عند حافة المعنى، يمر عبر اللغة المتحررة من الزوائد اللفظية أو المخزونة في سرية المعنى نفسه، إذ نعتقد أيضاً أن دلالة العنوان تقترب كثيراً في مضمونها الشعري والدلالي من معنى الذات الشاعرة التي تأخذ المتلقي إلى التخييل الشعري واللغوي والرمزي الذي اعتمده الشاعر، وهذا ما نراه في أعلى الغلاف حين أقدم العنوان على تفعيل دور النص لنجد حروف الاسم مركبة ومنتظمة واسم كاتبها متوسداً إحدى الزوايا العلوية للغلاف، ويبدو لي أيضاً أن طبيعة العنوان أو تراتبية الأسماء يتناسب وهذا النوع من الكتابة الشعرية حيث البلاغة الموجزة متناثرة، ومتشعبة ومتشظية في فضاءات النصوص، ولذلك لم يقف الشاعر عند محطة من محطات العالم أو نص من نصوصه الشعرية إلا وحيداً وأعزل، لنتأمل هذا النص: (ذهاب: وحيد وجاف/بلا اتجاه أو ملامح/أدفع عن رصاصتي جثة العالم) من هنا جاء العنوان أيضاً ليكشف عن معنى الشاعر وتوجهاته الفكرية والتأملية، الشعرية واللغوية .
تعددت مواقف الشاعر، في هذه المجموعة، من المعنى، فهناك المعنى الشعري المتناثر ضمن دلالات النص وهناك المعنى الآتي من رؤية الشاعر للتفاصيل المحملة بذاتية مفرطة، نقول مفرطة لما فيها من جمالية فنية ولغوية ودلالية، وقدرة على توظيف الومضة الشعرية باقتدار لغوي، لنقرأ هذه الجمل الشعرية المكثفة: (إليَّ: اتسلقك لألمس جبهة العدم/أذهب فيك إلى ضوء وحيد في نهاية العالم) أو (أصحو أخيراً/أفض اشتباك العالم بأصابعي/اكنس ما تعفن على جلدي من النجاحات والهزائم/وأقفز عالياً لأتاكد من حريتي) وهكذا يشحن الشاعر نصوصه بالإيجاز ليجعلها تحلق بعيداً في فضاء المعنى، فاللغة الباهتة تجعل النص ملتصقاً بالسكون بينما الشاعر يريده محلقاً إلى ما لا نهاية .
ثمة محاولة تميل إلى رغبة في التجريب بروح الوعي المعرفي الجمالي لهذا النوع من الكتابة الشعرية، إذ استطاع الشاعر بقدرة اللغة أن يفرض على القارئ طريقة للبحث عن المعاني الضائعة خاصة عندما تكون ذات طبيعة صورية أو رمزية كما هو الحال في هذه المقتطفات: (تفتح نافذة: إليك وربما/ربما إليَّ أيضاً) (علاقة: من بعيد/من مسافة تناسب شغفي باللانهاية/أنظر إليك لأرسم علاقتي بالكون) وهناك أمثلة شعرية كثيرة على ما كتبه الشاعر في المجموعة لنكتشف خلالها هذه القدرة اللغوية من جهة وما يطرحه، من معان، من جهة أخرى، جاعلاً القارئ في تأمل النص أو تأويله أو نسفه وعدم تصديقه، أحياناً، بوصفه كتابة شعرية وليس كتابة حقيقية، ولأن الخيال الشعري يحكم معطيات النص ويتجه نحو صرامة المخيلة التي تتطلب من القارئ أو القراءة النقدية المتحررة من الاصطلاحات النقدية الجامدة التمعن في التشكلات الفنية واللغوية والرمزية للنص الشعري، وبالتالي ستعطينا اللغة الشعرية مؤشراً بأن كتابة النص من قبل الشاعر ثم قراءة النص هي حالة تبادلية تحقق غرض الوصول للمعنى مثلما تتيح لنا دلالة الفاظه الشعرية الانتقال أو الخروج من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية وبالعكس.
2
جمالية الإيجاز اللغوي ..
عملية الاعتناء باللغة في تراكيبها، إن كانت جملة أو عبارة أو نصاً تحرك مخيلة القارئ، واللغة الشعرية المغايرة وما فيها من جمالية في الإيجاز والبناء والتركيب هي لغة متحررة أيضاً ومعبرة عن معاني ومضامين النصوص ولكي نؤكد ما نحن بصدده علينا التأمل في هذه الالتقاطات: (هروب كبير: هروباً كبيراً/ يشعل المسافة بيننا/كي أبقى على بعد خطوة واحدة من الأبدية) (إثراء: رائحة أنوثتها إضافة ماكرة) (رأفة: أشفق من قلقي عليّ/وأنا أرقب الجموع) (اعتداء: أنوثتك، نعم أنوثتك أكبر اعتداء عليّ اطلاقا).
تكاد الفواصل والنقاط، في هذه المجموعة، التي تؤدي دوراً رمزياً موازياً للمعنى أن تكون جزءاً من الجملة الشعرية، أما تدفق الذات، في أغلب النصوص، فيشبه تموجات الطبيعة التي تشكل جسد نصوصه، والشاعر هنا يعيش بمحاذاة نصه/ذاته/جسده، ومن خلال هذه الحالة أو من قراءة نصوصه يتجلى حس إنساني شفاف كما تتكشف حساسية مفرطة إضافية في تعامله مع اللغة وفي تجسيده لموضوع الذات في الكتابة الشعرية الحديثة، وهذه الأخيرة هي موقف من الذات قبل أن تكون تفسيراً للموضوع حسب تعبير جاك دريدا، ولكي نفهم عبارة جاك دريدا علينا التمعن في هذين النصين: (إضاءة: جميع الأسرار البعيدة/تقع في انتباه الجسد) أو (سيزيف: مرة أخرى /سأتسلق ذرى اللذة) إذن، هذا هو المعنى المشترك المشتق من رمزية اللفظة الشعرية المغايرة المطابقة للذات والتي اكسبت، بدورها، المعنى رؤية متفردة حتى في طريقة تناوله أو تركيزه لفكرة الخلود في ملحمة كلكامش وكأنها معادلة شعرية قائمة في الراهن وفي تشكيل فضاء النص وبناء دلالته التي تستدعي من القارئ فضّ مغالقها والوقوف على معناها في النص الشعري وليست لعبة شكلية تقوم على اللامبالاة، لنقرأ هذا النص: (خلود: جلجامش، الذي أضاع عشبته/لم يدرك أن (الآن) يساوي= الأبد).
خاتمة: الكتابة الشعرية الحديثة التي تاخذ منحى شعرياً ذاتياً تتجنس في النص الجديد، وأن مسعى القارئ المعاصر أن يصل المعنى وحين تتولد حيرة القارئ أمام النص الشعري المعاند والذي لا يسلم نفسه لأول عابر أو قارئ باعتباره أمام كتابة مغايرة ومتحررة تتجول بين السرد والنثر والحكاية والومضة والالتقاطة والتجاوز وبهذا تتقطع أنفاس القارئ وكأن الكتابة الشعرية هنا تمارس نوعاً من التمزيق للغتها، تمزيق يرتبط بالكتابة المغايرة مثلما يقوم على تكسير النقد القديم، الذي يقدس الاسم على حساب النص، والمعنى التقليدي الغائم . إذن، الشاعر والقارئ تواطآ مع العنوان في كشف المعنى وذهبا معه إلى الدلالة كي يؤكدا الرمز والفكرة .
هامش:
1ـ سلام سرحان/شعر/دار الشؤون الثقافية العراقية
2ـ الكتابة والاختلاف/جاك دريدا/ترجمة كاظم جهاد