سلام عبود في روايته زهرة الرازقي : محاولة لاستعادة فردوس الطفولة الآفل روائيا!

حجم الخط
0

سلام عبود في روايته زهرة الرازقي : محاولة لاستعادة فردوس الطفولة الآفل روائيا!

علاء اللاميسلام عبود في روايته زهرة الرازقي : محاولة لاستعادة فردوس الطفولة الآفل روائيا!عُرف الكاتب سلام عبود ناقدا متميزا أكثر من كونه كاتبا روائيا علي الرغم من أنه أصدر حتي الآن ست روايات هي علي التوالي: سماء من حجر، الإله الأعور غزل سويدي ، أمير الأقحوان، ذبابة القيامة، يمامة، وأخيرا روايته موضوع هذه البسطة النقدية التعريفية زهرة الرازقي ، و الرازقي، نوع من الزهر أشبه بالزنبق الأبيض إن لم يكن هو نفسه، يكثر في العراق ويهواه العراقيون كثيرا، إضافة إلي مجموعتين قصصيتين هما: العودة إلي آل إزيريج، و ضباب أفريقي.يبدأ سلام روايته زهرة الرازقي بتنويه قصير بعد الإهداء ليقطع وينفي به أي احتمال لنسبة روايته هذه إلي روايات السيرة الذاتية الجديدة ، والتي صدرت في أفيائها نماذج عراقية كثيرة في السنوات القليلة الفارطة حتي كادت تكون الجنس الروائي السائد خلا بعض الاستثناءات، وبما يعدِّل المقولة التي شاعت خلال العقدين الماضيين، والقائلة لكل عراقي قصة لتكون لكل عراقي رواية ! ولكن عن أية رواية يجري الحديث لدي العديدين ؟ إنها من ذلك النوع المعروف في أوروبا الغربية بـ كتاب البروفيل الذي قد يروي عطش الذات الكاتبة مرة واحدة فلا تتكرر، ولكنه لا يضيف جديدا علي صعيد العملية الإبداعية الذاتية لأنها توقفت، أو علي صعيد العملية الإبداعية العامة والتراكمية، لأن تلك الأعمال البروفيلية تكتب غالبا خارج شروط أو مواصفات إبداعية مألوفة أو سائدة أو ريادية. ومع ذلك، فزهرة الرازقي، لا تمت بصلة لهذا النوع من الكتابات، بل تتوسط موضعا يخصها تماما، وسنحاول مقاربتها كعمل له اشتراطاته الخاصة، محاولين تأكيد فرضية نقدية لا تكمن أهميتها في صحتها أو خطئها، بل في ما قد تثيره من أفكار وتنتجه من أسئلة متجددة حول ظاهرتي الواقعي والتخيلي في الأعمال السردية المعاصرة، واللتين لا تناقض بينهما ـ كما نري وسنحاول أن ندلل ـ بل تكاملا وتفاعلا لا حدود لها. بقراءة نص التنويه القصير، إذاً، والقائل (هذه القصة من نسج الخيال، وأي تشابه بين أسمائها أو أحداثها والواقع هو محض مصادفة، من صنع القدر الأعمي) نلاحظ ونحن نتقدم في متن الرواية، أن ذلك التنويهَ الباتَّ شكلاً ونبرةً، لا يفلح كثيرا في تمرير الفكرة النافية لسيرية الرواية، مما يقربه إلي نوع من البلاغة التي تبطن عكس ما تعلن أو كما يعرفها البلاغيون (خروج الحال عن مقتضي الظاهر) علي أرجح تقدير. فمنذ الصفحات الأولي، يضعنا الراوي في مرحلة تاريخية محددة من تاريخ العراق، حيث ينفتح النص بعبارة جازمة صيف 1962 ! أوانها، كان العراق الخارج لتوه من ثورته الجمهورية الدامية، عبر انقلاب 14 تموز / جوليه 1958، يستعد للانغمار في سنوات الجمر التالية، وفي بيئة جغرافية ومجتمعية واضحة المعالم ونافذة الحضور ومصاغة بحميمية وشاعرية هي بيئة الجنوب العراقي التي جاء منها الكاتب. فهل يتعلق الأمر بنص سيري ذاتي أم آخر متخيل أم بمزيج من كليهما ؟قبل هذا وذاك، لا بأس بلمحة تعريفية عن الرواية السيرية، لتسهيل وتوضيح الفكرة المركزية لهذه القراءة، وبعدها نعود لمعاينة هذه الرواية من هذه الزاوية نفسها، علي أمل أو وهم الدمج بين ما ادّعاه المؤلِف من تقديم عمل من صنع الخيال ، وبين المؤلَف كما هو واقعه السردي السيري. بكلمات أخري: سنحاول التدليل عبر هذه القراءة النقدية علي أن من الصعب، إن لم يكن من المحال، فصل ما هو متخيل عما هو سيري في هذا العمل الروائي لدرجة تضيع الفواصل بينهما، لتنشأ وتنمو أمامنا، وفي متن النص السردي، مادة واحدة تنتمي إلي الثيمة السيرية أكثر مما لغيرها، بما يعني، ويبني، حقيقةَ اختلاط الواقع بالخيال اختلاطا توحيديا وصانعا لا فكاك منه حتي إذا كان نصيب ما هو خيالي من حيث الأساس أكبر وأثقل مما هو غير خيالي.. ظلت كتب السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية، ولزمن طويل، تحتفظ لنفسها بمسافة معينة من الرواية كجنس أدبي أوروبي بامتياز وفق القولة الشهيرة لإنجلز (الرواية هي ملحمة البرجوازية الأوروبية الصاعدة) وربما استقرت علي نوع من الاستقلال النوعي الذي قد نجد مثيله في أدب الرحلات، ولكن هذا الاستقلال تلاشي تدريجيا ولكن بحسم، حين بدأت السيرة الذاتية بالابتعاد عن نوعية السرد والنثر في المذكرات الشخصية، و طفقت تقترب من الرواية الأدبية التقليدية ؛ وقد بلغ هذا المنحي ذروته قبل قليل من اندلاع الحرب العالمية الثانية مع سلسلة روايات الكاتب الأمريكي الجنسية والأوروبي الإقامة هنري ميلر المفعمة بانشغالات جمالية وإيروتيكية صادمة أحيانا بل غالبا والتي لم تأخذ بالانتشار إلا مع قدوم الجنود الأمريكان إلي أوروبا حيث كان يقيم ميلر. ومن أشهر روايات ميلر مدار السرطان و مدار الجدي و عملاق ماروسي و الربيع الأسود .. الخ. عربيا، لم تتبلور الرواية السيرية الذاتية كجنس أدبي مستقل ضمن الرواية إلا في عقد الثمانينات من القرن المنصرم، ويمكن التأشير علي عدة أسماء ريادية من مثل توفيق يوسف عواد في روايته (حصاد العمر) سنة 1984 والمصري رؤوف مسعد في (بيضة النعامة) أما رواية شكري التي سلف ذكرها فقد صدرت باللغة العربية سنة 1981 وسرعان ما منعت من التداول ولكنها كانت قد ترجمت إلي الإنجليزية وصدرت بتلك اللغة قبل تلك السنة وبعدها ترجمت إلي الفرنسية واليابانية واللغات الحية الأخري ولم يرفع المنع عنها في بلد الكاتب إلا قبل أعوام قليلة فقط. ويمكن تقنين ثلاثة أنواع من هذا الجنس النثري السردي من حيث مكوناته الداخلية وتقنياته التنفيذية ومواقعه المعيارية القيمية:النوع الأول، وهو الأقدم والأشهر وهو السيرة الذاتية التقليدية، ويعتمد كاتبها بشكل رئيس علي الذاكرة والوثيقة المادية والتأرخة الدقيقة.ومن أنواع الوثائق المستعملة: اليوميات والرسائل والصور الفوتوغرافية وأشرطة الفيديو والشهادات والبيانات والتقارير الرسمية وغير الرسمية ولا يلجأ الكاتب إلي تقنيات الروائية التقليدية إلا في حدود ضيقة جدا. وأما القيمة المعيارية لهذا النوع من النثر فتكمن في دقة أو عدم دقة وصحة أو عدم صحة وثائقيته.النوع الثاني، وهو الرواية السيرية الذاتية ، وفيها يلجأ الكاتب إلي تقنيات التوثيق السيري كما عرفناها في النوع الأول ولكن ليس بشكل طاغ ورئيسي وهو أيضا يستعمل الطرائق والتقنيات المستعملة في الرواية التقليدية أو رواية النص الجديد المفتوح حيث نجد الأساليب الوصفية والاسترجاع والبوح العادي والآخر الهذياني والحلم والفانتازيا وهذا النوع من النثر قيمته المعيارية في خياليته المبدعة وليس في صدقيته الوثائقية أو عدمها.النوع الثالث وهو ما يدعوه روائي وناقد عراقي آخر هو حمزة الحسن في أحد نصوصه النقدية السيرة الذهنية . وهذا النوع كما يصفه الحسن في اقتباس دقيق وموفق عن الفرنسي فيليب لوجون في كتابه (السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي) هو مزيج من النوعين الآنفين (يستفيد كثيرا من النوعين السابقين وينفرد عنهما في خصوصية الرؤية / الرؤيا ). وعلي سبيل شرعنة وترسيم اسم هذا النوع بالسيرة الذهنية كما يبدو يضيف الحسن قائلا في تعريفه السابق (وقد نعيش معا أنا وأنت حادثة محددة ولكني أرويها بطريقة مختلفة عنك أي أن انعكاسها الذهني جاء بصورة أخري). بالعودة إلي رواية زهرة الرازقي ، نلحظ ومنذ صفحاتها الأولي أن الكاتب يعتمد علي ذاكرته بشكل رئيس وحيوي، فعبر مشاهد استرجاع وفقرات سردية وأخري وصفية يبني الكاتب نصه:مستذكرا عمه الأخرس والعملاق الطيب علوكي ، اسم التحبب العراقي لعلي، وهو شخص لا يخلو من شيء من الجنون أو الملائكية كما يشيع الناس بحسب الراوي، والذي ولد مختونا من قبل الملائكة!والذي يجيد ـ رغم خرسه ـ التحدث بلغة الطيور إلي بلبله الصغير في القفص، علوكي هذا سيكون ربيبا وتُربا للرواي علي امتداد عشرات الصفحات وسيمنح الرواية مذاقا خاصا عابقا بروائح الماضي الفردوسي لطفولة ولت وتلاشت تحت وطأة الأحداث المتلاحقة. ليس علوكي فقط هو ما يشي بسيرية هذه الرواية، بل إن شبكة الشخصيات المهمة لا تعدو كونها عائلة متماسكة بذل الكاتب جهدا ملحوظا في رسم ملامح أفرادها، تؤدي تلك الوظيفة البنائية: فالأب المسافر غالبا في رحلات غامضة، لن نعرف عنها الكثير، شأننا في ذلك شأن الراوي، مع أن العمة تعلن بأنه تاجر صوف، الأمر الذي لا يصدقه الراوي وهو يري إلي أمه المجبرة علي خياطة الملابس الرخيصة بأثمان زهيدة للناس، ومن الأب الذي يتحرك كشبح في سمت الرواية وفي مناسبات قليلة، إلي الأم الخياطة الحزينة التي تقوم علي رعاية وإدارة كل شاردة وواردة في البيت، إلي العمة التي تأخذ وضع الند وأحيانا الخصم دون مبرر في وجه الأم وثمة أيضا بنت العمة والأخت الصغيرة.. الخ. تكتمل شبكة الشخصيات الرئيسية، مع أن شخصيات أخري من خارج الأسرة قد لا تقل أهمية عنها في الفصول اللاحقة، وخصوصا حين يسرد لنا الراوي مشاهد عديدة وطازجة من الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها مدينته الجنوبية والتي يبخل علينا المؤلف بذكر اسمها إلا في مناسبة أو اثنتين لدرجة أنني ما عدت متأكدا إن كانت هي مدينة العمارة أم أن ذلك مجرد خاطر عَنَّ لي! وقد لاحظت تكرارا عدم ذكر اسم المدنية أو القرية في أعمال روائية عراقية عديدة مما يجعلنا إزاء تقليد عراقي شديد الخصوصية والإيحاء مع أنه لا يخلو من الغرائبية في النظر إلي المكان والتعامل مع اسمه العلم علي طريقة الحذف.تنتشر أحداث الرواية علي مساحة زمنية وسردية واسعة ومختلفة الكثافة من حيث الأهمية والفاعلية، ولكن، ومع تقدمنا في النص، أي مع تقدم الراوي في السن، نترك فردوس الطفولة رويدا رويدا، لندخل عالم الكبار والنهارات المرة والمضرجة بالاضطرابات السياسية التي حملتها الستينات والسبعينات العراقية. نغادر مغامرات الطفولة والمراهقة في البساتين الساحرة واستيهمات الفتوة حيث سحر الأنثي ذات البشرة السمراء والعيون الخضر هيام يمنح الزمان عمقا لا مثيل له في أزمان أخري، نغادر هذا العالم الحلمي ونيمم شطر مقرات الميليشيات القومية الفاشية الحرس القومي التي انتشرت بعد الانقلاب العسكري في 8 شباط (فبراير) 1963 والذي فتح صنبور الدم منذ ذلك الحين ولم يتسنّ تسكيرُهُ حتي الآن. الهم الجمالي لدي عبود لا يقل حيوية عن الهم المجتمعي السياسي غير أن هذا الأخير لا يتصف بالمباشرة والخطابية. إنه مسلك أسلوبي يذكرنا بمقولة الجوادين الروائيين اللذين تكلم عنهما المكسيكي كارلوس فوانتس صاحب رواية نشيد العميان حين قال (ثمة جوادان: الجمالي والسياسي والروائي الأمريكوسباني غارق في المهمة الصعبة، مهمة أن يمتطي الجوادين معا.). يمكن لنا أن نستشف شيئا ذا قيمة نوعية من جعل الكاتب أسماء شخصياته عناوين لفصول روايته غالبا: فثمة فصل باسم علوكي، وآخر باسم شهاب، وثالث باسم زهرون ورابع باسم القتيل فعِل، وخامس باسم كفاية، رباب، سعدية، فريال…الخ. أقول، يمكن لنا أن نستشف من هذا المسلك معني قريبا من مقاومة الذكريات الحدثية الحزينة أو السوداء عبر التركيز علي الذات الإنسانية المصاغة كشخصية. هذه الملاحظة، قد لا تصح دائما، ولكنها ستكون كافية متي ما أدركنا المعاني العميقة والأقرب إلي الحدوس التي تشكل كنه الأحداث الأكثر فجائعية وخصوصا فيما يتعلق بالمرأة ذات الحضور الكبير والطاغي..لعل من المفيد الذي يمكن أن أختم به هذه القراءة، هو التوقف عند موضوع اللغة الحوارية التي استعملها الكاتب، والتي هي مزيج غير منسجم من العامية والفصحي، الأمر الذي سجلناه لدي زميل آخر في قراءة نقدية سابقة علي صفحات السفير هو الروائي عارف علوان في روايته غرفة البرتقال . فدونما أي مبرر، نجد الكاتب ـ سلام عبود ـ يجمع العامي بالفصيح حتي في الجملة الواحدة أحيانا، في حين كان بوسعه أن يحسم أمره ويكتب حواراته إما بالعامية أو بالفصحي. ومن أطرف الأمثلة علي ذلك، ما نقرأه علي ص22 (أنت طلَّعت روحي، أنت جبان، تكظني من يدي التي توجعني.). خطأ طريف آخر، وأقرب إلي السهو، وقع فيه الكاتب، حين مر علي ممارسة من الموروث الشعبي الجنوب عراقي العريق فقد جعل عقد إصبعيْ الوسطي بين الخصمين من الفتيان علامة المصالحة، و أما عقد الخنصرين منهما فيعني العكس ص 23، والصحيح هو أن عقد الخنصرين يعني إعلان الخصام وقطع العلاقة الصداقية فعلا، ولكن إعلان الصلح بينهما يتم عند عقد السبابتين وليس سواهما من أصابع اليدين.كاتب من العراق يقيم في جنيف ومحرر القسم الثقافي في موقع البديل العراقي:www.albadeeliraq.com0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية