قد تكون الدعوى التي ترى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو زعيم قوي جدا أما محمود عباس فأضعف من أن يصنع سلاما، قد تكون عنوانا ناجحا لتقرير صحافي في صحيفة «نيويورك تايمز»، لكنها اشكالية جدا حينما لا يكون من يعرضها هو صاحب العمود الصحافي توم فريدمان بل من يُجري اللقاء معه، أعني الرئيس براك اوباما على الخصوص.
يجب أولا على رئيس دولة ما أن يمتنع عن منح نظرائه الدرجات وأن يحتفظ بذلك بكتابة مذكراته (يستطيع اوباما أن يفعل ذلك بعد سنتين وخمسة أشهر، في اطار عقد محترم من المؤكد أن تتنافس فيه عدة دور نشر امريكية). ومن الصعب جدا الاستمرار على تحادث جارٍ بين زعماء بعد أن يصف بعضهم بعضا علنا.
وثانيا، السبب الوحيد الذي يمكنه أن يخطر ببالي لانحراف اوباما عن هذا المبدأ هو استقرار رأيه على عدم العودة الى الشرق الاوسط والتخلي عن محادثة نتنياهو وعباس معا وأن يُبين للعالم ولا سيما ناخبيه أن فشل حكومته في احراز سلام في الشرق الاوسط ينبع من وضع اللاعبين الرئيسين في الساحة لا من أخطاء ذريعة لوزير خارجيته جون كيري وله هو نفسه.
ويُذكرني ذلك باعلان رئيس الوزراء اهود باراك بعد فشل قمة كامب ديفيد الذي قال فيه: «كشف عرفات عن وجهه الحقيقي»، ليُبريء نفسه من الأخطاء التي قام بها خلال التفاوض، وليُبين أن كل شيء ينبع من الوجه الحقيقي لغيره. وإن قول هذه المقولة حتى قبل انتهاء نصف فترة ولاية اوباما يشبه الاستسلام قبل الوقت.
لا يوجد أي قانون طبيعي يقول إن الزعماء الأقوياء في اسرائيل لا يصنعون سلاما أو ليسوا مستعدين للتخلي عن ارض، فقد كان مناحيم بيغن قويا حينما عقد معاهدة السلام مع مصر وتخلى عن مساحة تزيد على مساحة اسرائيل السيادية بثلاثة أضعاف، وكان اريئيل شارون قويا حينما تخلى عن قطاع غزة دون أي اتفاق.
ولم يكن اسحق رابين قويا حينما بلغ الى اتفاق اوسلو ولم يكن ضعفه الائتلافي هو الذي أفضى به الى صنع تسوية مع م.ت.ف.
وبلغ ياسر عرفات الى اتفاق اوسلو في ذروة ضعفه بعد حرب الخليج الاولى حينما طُردت م.ت.ف من كل العالم العربي تقريبا. وما زال محمود عباس يتولى الرئاسة منذ عشر سنوات وتؤيده الكثرة المطلقة من الدول العربية ودول العالم، وليس له وريث يجذب طرف ثوبه.
وينبع ضعفه الرئيس من أنه خسر في 2007 السيطرة على قطاع غزة، لكن استطلاعات الرأي التي تمت فيه تبرهن على أن سكانه يفضلون أن يكون زعيمهم.
وليس لنتنياهو أي تهديد سياسي، لكن كل اتفاق سياسي يتم في المستقبل سيعتمد على المعارضة في الكنيست.
سنستنتج من ذلك أن كلام اوباما لم يكن له داعٍ على الاطلاق. فليس ضعف الزعماء وقوتهم هما العنصر الرئيس في استعدادهم لصنع سلام. فالشيء الأساس هو ادراكهم الحاجة الى حل وشعورهم بأن الحديث عن فرصة لفعل ذلك. واذا كانت الولايات المتحدة قد استقر رأيها على التخلي عن انتهاز الفرصة فعليهم أن يفعلوا ذلك هم أنفسهم.
اسرائيل اليوم 12/8/2014
يوسي بيلين