جدعون ليفي
ان حملة سلب اسرائيل شرعيتها أخذت تزداد زخما في الاسابيع الاخيرة بصورة تُدير الرأس. وهي تحدث هنا في اسرائيل لا على أيدي منتقديها من الخارج. وهذه الحملة أخطر كثيرا من سلب الشرعية في العالم لأنها سلب الشرعية في نظر الاسرائيليين. وستنتهي لا الى توقف العالم (فقط) عن تصديق اسرائيل بل ان الاسرائيليين أنفسهم سيكفون عن تصديقها هي ومؤسساتها.
ان المنظمات الدولية مدعوة الى اعلان هدنة لأن قيادة الدولة تقوم بالعمل. ان خطا (أعوج) واحدا يصل بين حيل انشاء حكومة ‘الوحدة’ وبين تحايل الدولة في قضية بيت الأولبانه. وهذا الخط يوحي الى مواطنيها برسالة واحدة ولا سيما الشباب وهي ان الاعوجاج هو الطريق والكذب هو الرسالة.
ان من يفرقع بلسانه بسبب اعمال الفتيان السيئة يحسن به ان يتذكر ان هذه السمكة فاسدة الرأس. وفي المرة التالية التي سيخرج فيها مخالف للقانون شاب من المحكمة يستطيع ان يقول ما علمه إياه رئيس حكومته وهو أنه ‘سيزن’ و’يفكر’ فيما سيفعل مع قرار الحكم؛ وفي المرة القادمة التي يُضبط فيها انسان في احتيال يستطيع ان يعرض قدوته، أي شاؤول موفاز.
ان هؤلاء ينقضون الاطار الهش لنظام الحكم في اسرائيل أكثر من كل منتقديه. والضرر الذي يسببونه لا يضر بصورتها فقط بل يضعف جوهرها ايضا. وهذه المنظومة التعليمية تثبت ان الدولة لا يرأسها ناس ساخرون بل ناس من معادي التربية. وكم هو مؤسف انه لا يمكن اخراجها من البرامج الدراسية.
ان معلم المدنيات بنيامين نتنياهو يعطي درسا في سلطة القانون. وهو يُعلم طلابه ان المدين بعد قرار حكم نهائي للمحكمة يستحق ان يزن ما يفعله. اجل ليست المحكمة هي التي تقرر بل المدين هو الذي يقرر. ويقول زميله في غرفة التدريس، النائب الجديد شاؤول موفاز، انه ‘يؤمن بسلطة القانون’، وكأن سلطة القانون مسألة ايمان اذا شاء آمن واذا شاء لم يؤمن.
وتشارك شرطة اسرائيل ايضا في المدة الاخيرة في هذه الدروس المناقضة للمدنيات. فهي تُعلم ان المتظاهرين أعداء. وبعد ان سجنوا متظاهرين لم يخرجوا من أبواب مكاتبهم عشية يوم الاستقلال جاء عنف رجال الشرطة في مظاهرة أول امس التي عارضت توسيع الحكومة. فما الذي سيعتقده هؤلاء الشباب في دولتهم وما الذي سينشأون عليه؟
كانت هذه مقدمات فقط للعمل غير التربوي الأكبر وهو عرض ضم موفاز على أنه اجراء من اجل الدولة. طبخ الاجراءات نتان ايشل، المستشار المتحرش، وقد كان الناس من أشباهه ذات يوم لا يخرجون من بيوتهم لشدة الخجل؛ وهو الآن يجري مقابلات تلفازية يتحدث فيها عن عمله. ان محاميا خاصا يجري التفاوض (الظاهري) مع الفلسطينيين، ويؤلف هامس متحرش حكومات في اسرائيل، وهذا سلب آخر لشرعية مؤسسات الدولة.
كان رحاميم كلينتر واليكس غولدفرب ذات مرة رمزي عار. فقد حول كلينتر تأييده الى رئيس بلدية القدس مقابل تعيينه نائب رئيس البلدية لشؤون الدين والصحة، وحظي بحياة خالدة باصطلاح نُسب اليه؛ وأيد غولدفرب اتفاقات اوسلو الثانية مقابل سيارة ميتسوبيشي، فيجب ان نطلب الآن العفو منهما. فقد زاد موفاز في عمله عليهما فانضم الى الحكومة كي يضمن سنة ونصف سنة في الكنيست لنفسه ولرونيت تيروش ولم ينسبوا اليه حتى الآن أي لقب عيب.
لكن أكبر ضرر هو من الرسالة التي تأتي من هذه القضايا وتقول أنتم يا مواطني اسرائيل حمقى في نظر قادتكم. فهل هناك سلب لشرعية الدولة أخطر من هذه الاهانة التي يوجهها القادة الى مواطنيها؟ اذا كان القادة يفكرون هذا التفكير في مواطنيهم فماذا سيقولون في غات وفي (نيويورك) وبماذا سيبشرون في شوارع عسقلان (ولندن)؟ يقول نتنياهو باراك موفاز للاسرائيليين وللعالم: نحن قادة دولة أقزام، كل رعاياها جهلة وكل مواطنيها حمقى، نستطيع ان نبيعهم كل أكذوبة. سنقول لهم ان النهار ليل، وان البصاق مطر، وسيصدقون. ونحن ايضا نقود دولة تعتبر فيها قرارات المحكمة توصيات. ولم نعد الآن نستخف بالقانون الدولي فحسب بل بقانون اسرائيل ايضا، واذا لم يكن هذا سلبا للشرعية فماذا يكون سلب الشرعية؟
هآرتس 10/5/2012