سلسلة فضائح فساد مالي وإداري تطيح بعشرات المسؤولين العراقيين

مصطفى العبيدي
حجم الخط
5

بغداد ـ «القدس العربي»:  تتوالى حالات كشف المزيد من المسؤولين والنواب العراقيين الحاليين والسابقين، ممن تورطوا في قضايا الفساد المالي والإداري المستشري في كافة مفاصل الحكومة.

وتعكس الموجة الجديدة هذه الأيام، لإقصاء وملاحقة العديد من المسؤولين في الحكومة والبرلمان، حجم التدهور الشامل للأوضاع في العراق، نتيجة هيمنة أخطبوط الفساد التابع لبعض الأحزاب والفصائل، على الدولة واستغلال مواردها في غير مصلحة الشعب.
فقد أعلنت هيئة النزاهة (حكومية) صدور قرار برفع الحصانة عن النائب أحمد الجبوري (أبو مازن) بتهمة الإضرار العمد بالمال العام، عندما كان مديرا لدائرة صحة صلاح الدين ومحافظا سابقا للمحافظة. ويتهم خصوم النائب المذكور، بان عليه نحو 26 قضية فساد مالي وإداري، خلال فترة تكليفه كمحافظ لصلاح الدين، إلا انه تمكن حتى الآن من الإفلات من الملاحقة القانونية مستندا إلى علاقاته بقوى سياسية متنفذة.
كما أعلنت هيئة النزاهة عن صدور أمر استقدام بحق وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق، بتهمة الإضرار عمدا بأموال ومصالح الجهة التي كان يعمل فيها، ودائرة التحقيقات في الهيئة أشارت، إلى أن محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة، قررت استقدام وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق ومدير مكتبه، في القضية المتعلقة بعقد مشاركة وتوسعة مشروع دواجن بين دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وإحدى الشركات المتخصصة بالإنتاج الزراعي والحيواني.
وفي قضية أخرى ، تابعتها «القدس العربي» أصدر وزير المالية وكالة إحسان عبدالجبار، أمرا بإعفاء مدير عام الهيئة العامة للضرائب إسامة حسام جودة من منصبه، إضافة إلى التحقيق مع عدد من مدراء الهيئة، وذلك «على خلفية تحقيقات فساد بمبالغ مالية كبيرة».
وذكرت مصادر مطلعة عن تفاصيل قرارات التغييرات الإدارية الأخيرة في هيئة الضرائب، أن «وزير المالية أصدر قراراً باعفاء مدير عام هيئة الضريبة ومعاونه على خلفية ضياع ايرادات للضريبة العامة تجاوزت 800 مليون دولار، كما شمل الإعفاء أيضا ثلاثة مدراء أقسام لنفس السبب». كما قامت وزارة المالية بتشكيل لجان تدقيق لحصر المبالغ والأشخاص الذين استحوذوا عليها. حيث تشير التسريبات إلى أن التحقيق يشمل مصارف خاصة وشركات وهمية تقوم بتهريب الأموال خارج البلاد.
وفي السياق ذاته، تم إعفاء مدير الخطوط الجوية العراقية وتعيين بديل له، مع فتح التحقيق على خلفية فضيحة كبيرة طالت الناقل الجوي الرئيسي في العراق، تتمثل في تعطيل عدد كبير من الطائرات واستغلال بعضها وسرقة أجزاء من أخرى من قبل شركات خاصة مرتبطة بأحزاب متنفذة، ما تسبب بكارثة مالية للشركة إضافة إلى الإساءة إلى سمعتها ودورها في النقل الجوي الوطني.
وقد وجه وزير النقل الكابتن ناصر حسين بندر الشبلي، بإعفاء مدير الخطوط الجوية العراقية عباس عمران الزبيدي وتعيين المهندس كريم كاظم حسين، مديرا عاما للشركة، فيما قام الوزير بعدة زيارات واجتماعات في الشركة ومطار بغداد، ضمن حملة تصحيح مسار عمل الناقل الوطني والنهوض بواقع الشركة. وقد تم خلال الحملة، إصلاح وإعادة تشغيل 6 من الطائرات العاطلة والمتوقفة عن العمل، كما تم تشغيل طائرة حديثة من طراز A220 وإدخالها إلى الخدمة في نقل المسافرين، بعد ان بقيت ماكثة في المطار بدون تشغيل منذ نحو تسعة أشهر من دون مبرر.
وامتدت إقالات المسؤولين إلى السلك الدبلوماسي، حيث أعلنت وزارة الخارجية العراقية عن انتهاء مهام عمل السفير العراقي لدى الأردن حيدر العذاري، وإعادته إلى مقر الوزارة في بغداد، على خلفية فضيحة نشر صور غير لائقة لزوجة السفير مع الفنان راغب علامة، ما جعل وزارة الخارجية تؤكد أنها «ستتخذ الإجراءات المناسبة بهذا الشأن وبأسرع وقت، وبما يعزز قيم الدبلوماسية العراقية» وذلك تحت ضغوط ومطالبات نيابية بإقالة السفير، وموجة انتقادات شعبية ضد تصرفات السفير وزوجته المسيئة للعراق.

فساد الاستثمار

ولأن الفساد استشرى في كل مرافق الحكومة العراقية، فقد أقرت رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار سها النجار، بوجود معوقات تقف أمام عمل الشركات الاستثمارية، نتيجة وجود ثغرات قانونية مستغلة من قبل من وصفتهم بـ «جماعات الفساد».
وكشفت النجار، في تصريحات، أن «القوانين الحالية، أتاحت استغلال الثغرات التي تحتويها من قبل (جماعات الفساد) وأدت إلى عرقلة النشاط الاستثماري في العراق، الأمر الذي دعا الهيئة إلى تشكيل فريق عمل متمكن لإعداد مسودة قانون جديد يتم وفقه تجاوز جميع المواد والبنود التي أثبتت عدم فاعليتها بالتجربة العملية خلال 13 سنة الماضية، لاسيما المتعلقة بآليات منح الإعفاءات الجمركية والأراضي الصالحة للاستثمار، التي مثلت المشكلة الأكبر أمام استقطاب الاسـتثمارات» حسب قولها.
وسبق لمحكمة جنايات الفساد بالعراق، أن أصدرت حكما أوليا بسجن رئيس هيئة استثمار بغداد السابق شاكر الزاملي لمدة 4 سنوات، بتهم تتعلق بالفساد خلال توليه المنصب، بين عامي 2010-2020.

محصلة نشاط هيئة النزاهة

وكانت هيئة النزاهة وهي أعلى هيئة حكومية معنية بمتابعة قضايا الفساد، قد أشارت في أحدث تقرير شهري لها، عن ملاحقة مئات المسؤولين الذين صدرت بحقهم مذكرات قبض أو استدعاء بسبب قضايا فساد مالي أو أداري، خلال شهر آب/اغسطس الماضي.
وأوضحت دائرة التحقيقات في الهيئة، ان الجهات القضائية أصدرت 75 أمر قبض واستقدام بحق 66 من كبار المسؤولين من ذوي الدرجات العليا للمدة من 1-31/ 8/ 2022 مبينةً أن تلك الأوامر صدرت على خلفية قضايا حققت فيها مديريات ومكاتب تحقيق الهيئة في بغداد والمحافظات وأحالتها إلى القضاء.
وأضافت الدائرة أن تلك الأوامر التي صدرت، شملت 4 أعضاء مجلس نواب سابقين، ووزيرين سابقين وآخر أسبق، و3 وكلاء وزير سابقين، فضلاً عن 10 محافظين سابقين.
وأوضحت أن أوامر القبض والاستقدام صدرت بحق 42 من المديرين العامين، من بينهم 21 مديراً عاماً حالياً، و20 سابقين، وواحد أسبق، إضافة إلى 2 من أعضاء مجالس المحافظات السابقين. وذكرت الهيئة ان أحكام الإدانة القضائية بلغت 106 حكم والمدانون فيها بلغوا 143 مسؤولا.
ومن المشمولين بإجراءات الهيئة، المحافظين السابقين في محافظات نينوى والديوانية وبابل، ورئيس ديوان الوقف السني الأسبق. كما شملت عميدي كليتي العلوم والصيدلة في جامعتي البصرة وصلاح الدين في قضيتي اختلاس وتضليل الجهات الرقابية، وعدم تقديم المعلومات الصحيحة عن النقص الحاصل في حسابات الكلية، فضلاً عن ضعف متابعة موظفي الحسابات فيها.
ومن قضايا الفساد الأخرى خلال شهر اب/اغسطس الماضي أيضا، كشفت الهيئة قضية الإضرار بمصالح الدولة بأكثر من مليار دينار، منوهةً بضبط 160 إضبارة عقار في ملاحظية التسجيل العقاري في أبي صيدا/ ديالى، إضافةً إلى ضبط معاملة قرض مزورة في المصرف الزراعي التعاوني في ديالى بمبلغ مئة مليون دينار.
الدائرة أضافت إن مكتب تحقيق المثنى قام بضبط معاملات قروض وتسويات صرف في المصرف العقاري في المثنى خاصة بمنح قروض للوحدات السكنية التابعة لمجمع بوابة المثنى بمبلغ يزيد عن ملياري دينار بدون ضمانة عقارية، فضلا عن رصد هدر في المال العام بأكثر من مليار دينار؛ نتيجة تخمين قيمة عقار في دائرة ضريبة المثنى وملاحظية التسجيل العقاري في الرميثة بأقل من قيمته الحقيقية.
وأوضحت الهيئة أن ملاكات مكتب تحقيق كربلاء ضبطت مخالفات مالية في العقد المبرم بين قسم الشؤون المالية في المحافظة وإحدى شركات التجارة العامة لتجهيز كراسي لطب الأسنان أدت إلى حدوث هدر بالمال العام بمبلغ 455 مليون دينار، لافتةً إلى قيام مكتب تحقيق الهيئة في الديوانية برصد مخالفات ومغالاة في أسعار شراء مواد في دائرة صحة الديوانية دون وجود حاجة حقيقية لها، مبينة ضبط 28 معاملة صرف، بمبلغ يصل إلى 800 مليون دينار.
والحقيقة ان تفشي الفساد والاستيلاء على موارد الدولة، أصبح معلوما للجميع ، حيث أقر الرئيس العراقي برهم صالح في كلمة متلفزة «ان 150 مليار دولار هُربت من صفقات الفساد إلى الخارج منذ عام 2003» في حين أكد نواب وسياسيون أن الرقم أكبر من ذلك بكثير.
ورغم ان الحكومة السابقة شكلت المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لمتابعة قضايا الفساد وهدر المال العام، إلا أنه لم ينجز شيئا ملموسا، إذ ما زال العراق يصنف ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، واحتل المرتبة 157 عالميا، ضمن مؤشرات مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية عام 2021 وسط غضب شعبي من تفشي الفساد وضياع ثروات البلد وإفلات الفاسدين الكبار من الملاحقة القانونية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية