سلطات البحرين واللعب بالنيران: تهافت لتنفيذ أجندات خارجية وتشديد الخناق على الداخل

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

تواجه مملكة البحرين تحديات مفصلية، تهدد كيان الدولة، وتضعها على حافة الانفجار، بسبب تناقضات سياسات سلطتها الحاكمة، بمنحها تنازلات مجانية لحلفائها الخارجيين، وتحديداً الإمارات والسعودية، مقابل تشديد قبضتها داخلياً، وغض الطرف عن مطالب شعبية متنامية.

وشكلت التحديات التي شهدتها المملكة منذ شباط/فبراير 2011 تزامناً مع انطلاق شرارة الربيع العربي التي اجتاحت عددا من الدول العربية، مثل تونس ومصر، وسوريا، أزمة لنظام المنامة.

وتظل السلطات حتى الآن عاجزة عن إدارة دفة الأزمة، وتفشل في التعامل مع جموع المحتجين، والمتظاهرين، والمعارضين الذين يخرجون للشوارع بشكل مستمر.

تتوسع منذ 2011 دائرة المطالب، وهي تتمحور أساساً، حول نقاط حيوية، تهدف لإرساء دعائم الديمقراطية، ووضع حد للتمييز ضد الغالبية الشيعية، من قبل النظام الحاكم.

لا تزال المنامة، بقمعها المستمر للاحتجاجات، تعيد استنساخ السيناريو نفسه، وتتعامل بقوة مفرطة مع أي مطالب شعبية، وصلت حد الاستعانة بقوات درع الجزيرة، ولا تزال تلجأ للمملكة طلباً للدعم.

ووصفُ الحكومة الدائم، للمتظاهرين والمحتجين بالنشطاء الإرهابيين، وإطلاق النار عليهم، مع أي مظاهرة واسعة، أدخل البلد في أتون أزمة مستعصية الحل، وعقد أكثر تفاصيل المشهد.

وصفة متكررة

وتتجدد المواجهات بين السلطات والمعارضة البحرينية، ولم تهدأ، وارتفع منسوب الغضب مع تنفيذ حكم الإعدام في حق اثنين من النشطاء الشيعة، باتهامات تتعلق بالإرهاب، تواجهها قوات الأمن بحدة، مستخدمة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

غضب الجماهير الذين نزلوا إلى الشوارع في عدة قرى وأحياء على مشارف المنامة، زادت حدته بسبب إصرار السلطات تنفيذ الحكم، ورفض مناشدات الإفراج عن علي العرب، وأحمد الملالي، ووجهت لهم تهماً خطيرة هي “ارتكاب جرائم إرهاب”.

النشطاء في البحرين يدركون سلفاً أن هذه التهم الجاهزة والتي تلصق باستمرار على المعارضين تحديداً، هي لعبة قذرة تلعبها السلطة على حد وصفهم، مع سعيها الدائم لإذكاء نيران الخلاف بين مكونات الشعب.

ويعمل النظام باستمرار على تأجيج الوضع الطائفي وخلق تلك الأزمة، إدراكاً منه أن هذا العامل هو أحد مقومات بقائه، ويسعى لخلق حالات توتر مزمن.

برنامج “ما خفي كان أعظم” الذي بثته قناة “الجزيرة” قدم مؤخراً، حقائق مدعمة بشهادات حية وموثقة، يعرفها جيداً المواطنون، ويدركون خلفياتها.

وقد فضح البرنامج بشكل موثق ألاعيب السلطة، وكشف خبايا كانت تتستر عليها، وهو ما دفع سلطات المنامة لتنتفض محاولة يائسة التشكيك في المعلومات الواردة في التحقيق.

الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجة المملكة الحاضر الدائم في موقع توتير، غرد سريعاً أن “برنامج (ما خفي أعظم) حمل أكاذيب واضحة ومغالطات فجة، من دون أي دليل يدحض ما ورد فيه من اتهامات”.

لم يجد ما يقوله المسؤول البحريني الذي تفاجأت بلاده بنشر تلك الحقائق الموثقة وشهادات العناصر التي استخدمت لإذكاء نار الفتنة، سوى الادعاء أن “البرنامج ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر من دولة مارقة ضد مملكة البحرين وضد أمن واستقرار المنطقة بأسرها” على حد وصفه.

السلطات البحرينية لم تجد حتى الآن رداً مقنعاً ينفي فضيحة إجبار أعضاء من تنظيم القاعدة استهداف شخصيات رئيسية في المجتمع الشيعي المسلم خلال الاضطرابات.

صراع أجنحة في بيت آل خليفة

الأزمة التي تشهدها المملكة، والتي لا تزال تدور حتى الآن في حلقة مفرغة، يعود أحد أسبابها في عجز سلطاتها إيجاد حلول ناجعة لمشاكلها الداخلية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، التي تأتي من جارتها (الإمارات) والشقيقة الكبرى السعودية، وهما الدولتان اللتان تنطلقان من حسابات مصلحية خاصة بهما أولاً.

تعاظم نفوذ الرياض وأبو ظبي، انتقلت شرارته لبيت آل خليفة الذي يشهد توترات بين أركانه بسبب توزع النفوذ بين عدد من المراكز التي تستقطب المحاور لمجالها.

شكلت الأزمة الخليجية منذ قرر تحديداً بن سلمان وبن زايد فرض حصار على جارتهم الدوحة، تحدياً على المنامة التي وجد ملكها نفسه منقاداً لمحور الرياض.

الأصوات التي عارضت الإجراء، أي التصعيد ضد شقيقتهم قطر، في كل من السعودية والبحرين، تعرضت للإقصاء، أو التضييق.

الأيام القليلة التي تلت انطلاق شرارة الأزمة الخليجية في حزيران/يونيو 2017 شهدت حدثا هاما في السعودية. فقد أعلنت الرياض تنحي ولي العهد محمد بن نايف عن منصبه، لتظهر بعد ذلك دلائل ومؤشرات، تدل على أن الأمير كان أحد أبرز المعارضين لفرض الحصار على قطر، في دوائر صنع القرار في السعودية، وهو ما ربما أدى إلى الإطاحة به في نهاية الأمر، أو لعله كان المدخل للإطاحة به.

لم يكن الأمير بن نايف وحده المعارض لفرض حصار على دولة قطر، فقد كشفت وسائل إعلام مختلفة أن في مملكة البحرين من يرفض الحصار أيضاً، كان أبرزهم رئيس الوزراء خليفة بن سلمان، والذي بدأ الحديث مباشرة حول سيناريوهات إلحاقه بركب بن نايف.

ولم يكن بن نايف الضحية الوحيدة، كشفت لاحقا بعض المؤشرات أن هناك في عاصمة أخرى من دفع ثمن رفضه الحصار على الدوحة. ويتعلق الأمر برئيس الوزراء البحريني الشيخ خليفة بن سلمان، الذي ترددت معلومات وتسريبات عن محاولات بن زايد وبن سلمان النيل منه، ودفع حليفهم الملك البحريني للانقلاب عليه.

المحدد الآخر لهذه المقاربة والمؤشر الذي يؤكد هذه المعلومات، الضجة التي أثيرت حول رسالة التهنئة التي بعث بها رئيس الوزراء البحريني لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد مؤخراً، بمناسبة حلول شهر رمضان.

وكان ذلك الاتصال، التواصل الرسمي الأول بين البحرين وقطر، منذ اندلاع الأزمة الخليجية.

ضغوط الرياض وأبو ظبي لنسف جهود التقارب، دفعت الملك للتحرك، وسريعا أصدرت “وكالة أنباء البحرين” بياناً نفت فيه أي سعي لحل للأزمة، مشيرة على لسان ديوان رئيس الوزراء إلى أنّ “الاتصال ارتكزت فحواه على البعد الاجتماعي بتبادل التهاني بشهر رمضان فقط”.

ونقلت الوكالة بعد ذلك عن وزير شؤون مجلس الوزراء في البحرين محمد بن إبراهيم المطوع قوله، إن “الاتصال بين رئيس الوزراء، وأمير قطر لا يمثل الموقف الرسمي للبحرين، ولا يؤثر على التزامها مع شقيقاتها السعودية والإمارات ومصر حول تنفيذ قطر بما التزمت به في 2013 و2014”.

هذا الموقف الغريب في دولة خليجية، والتصرف، أوضح بشكل جلي أن رئيس الوزراء البحريني على هامش حسابات قيادات الرياض وأبو ظبي، وحتماً سيدفع ثمن هذه المحاولة، ومساعيه لرأب الصدع في العلاقة مع الدوحة.

الصراع مع الشيخ خليفة بن سلمان، مع محيط الملك، وحليفيه، هو أحد الاختلالات التي تكرس من التوتر في البيت البحريني، وتقلل من فرص السلطات توحيد جهودها لإيجاد حلول عادلة للأزمة الشعبية.

ضغوط دولية

السلطات البحرينية ومن دون سعي جاد لتسوية الأزمات التي تشهدها داخلياً، تفتش عن الحلول خارج حدودها، وتحديداً لدى جارتها، أو تقدم تنازلات لأطراف خارجية مقابل السكوت عن تجاوزات أجهزتها.

محاولة الناشط البحريني، موسى عبد علي، باعتلائه سطح سفارة المنامة في لندن، فضحت محاولات عدد من الحكومات الغربية التستر عن التجاوزات المرتكبة في البحرين.

وسلطت المنظمات الحقوقية الدولية، ووسائل الإعلام العالمية الضوء على قضايا انتهاك حقوق الإنسان، وتجاوزات السلطات في حق فئات من المواطنين.

الناشط بمطالبته وفق بث مباشر عبر كاميرا هاتفه المحمول، نقلته وسائل إعلام دولية، بعدم تنفيذ حكم الإعدام بحق “الناشطين المعارضين” نقل معركة البحرينيين المدافعين عن حقوق الإنسان إلى الخارج.

وسريعاً أعلنت البحرين، استضافة اجتماع “عسكري دولي هام” لبحث أوضاع المنطقة وأمن الملاحة البحرية بمياه الخليج ومضيق هرمز، في محاولة للدخول في خط الأزمة بين إيران وغرمائها، وتخفيف حدة الضغوط عليها.

 ووصفت المنامة الاجتماع بالحيوي، وأشارت إلى أنه “سيبحث سبل التصدي للاعتداءات المتكررة والممارسات المرفوضة التي تقوم بها إيران والجماعات الإرهابية التابعة لها”.

وأضافت أن تلك الاعتداءات “تستهدف أمن الملاحة البحرية الدولية في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز، وتهدد استقرار المنطقة والعالم ككل”.

حدة خطاب المنامة في وصف تحركات طهران في مياه الخليج، كانت ردة فعل لتفاعل إيران مع التطورات الحاصلة في البحرين. والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أعلن صراحة دعمه الاحتجاجات التي أعقبت إعدام “ناشطين بحرينيين”.

وتحت وسم (هاشتاغ) تدعمه المعارضة البحرينية، بعنوان “#إعدام_وطن” غرد خامنئي، عبر “تويتر” قائلا: “لن يستمر الظلم والجور، وسوف تنتصر في النهاية إرادة الشعوب التي تنشد العدالة”.

وأرفق التغريدة، بصورة الشابين اللذين أعدمهما النظام البحريني رميا بالرصاص قبل أيام، وسط احتجاجات تقول المعارضة إنها مستمرة ضمن مناطق في البلاد.

التحديات التي تواجهها المنامة تستدعي من قيادتها حسب أصوات المعارضين اتخاذ إجراءات عملية وملموسة لتهدئة الوضع، وتجفيف منابع التوتر، وليس الاعتماد على الخارج، والاستقواء بالدول الحليفة.

وستظل البحرين حتى اتخاذ تلك الإجراءات التي تنادي بها المعارضة، رهينة هذه التجاذبات، خصوصاً مع استمرار قيادتها اللعب بالنيران، دون قدرة على إخمادها في حال انتشرت بسرعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية