سلطة الأعراف الاجتماعية في رواية «أصابع مريم» للعُمانية عزيزة الطائي

تنتصر رواية «أصابع مريم» للمرأة، وتنحاز لها، ولا غرابة، فهي رواية نسوية بامتياز؛ تترجم أحاسيس ومشاعر المرأة العُمانية، وتنقل وجهة نظرها ومشكلاتها وآمالها وأحلامها ومعاناتها، كما أنها اقتصرت على الأصوات النسائية، بالإضافة إلى صوت حمد الذي كان محدودا، وكان في مجمله منحازا للمرأة، فقد كان نصيرا لبناته ضد محاولات مريم التحكم والسيطرة والخضوع لأعراف المجتمع وثقافته السائدة، أما الأصوات الذكورية الأخرى، فقد جاءت خافتة، ووصلت للقارئ عن طريق أصوات نسائية.

العنوان

سيدرك القارئ بعد قراءة الرواية، أن المقصود بـ«أصابع مريم» هن بناتها الأربع «إيمان، وفاء، نوال، ابتسام» ووصفهن بالأصابع دلالة على الصلة القوية بين مريم وبناتها، وأنها لن تتخلى عنهن والعكس أيضا، وبما أن الأصابع خمسة، فيمكن إضافة زوجها حمد أيضا، الذي لم يكمل الطريق، فقد توفي، وترك عبء البنات على كاهل مريم، فتحملت المسؤولية ومشاقها وتبعاتها، في مجتمع لا يرحم، فكل العيون مسلطة على امرأة وبناتها دون رجل، وربما كان الرهان أن تفشل مريم، وتتحلل الأسرة وينفرط عقدها سريعا، ولكن مريم وبناتها أخرسن الألسنة، صحيح أن الأسرة واجهت عقبات وتمردا واختلافات عاصفة، لكنها تماسكت في النهاية، وتآلفت القلوب، واستمرت المسيرة.
وفي العنوان «أصابع مريم» علاقة وتأثير تبادلي، فاليد لا غنى لها عن الأصابع، والأصابع لا قيمة لها دون يد، ولذا كانت العلاقة بين مريم وبناتها قوية أحيانا، ومتوترة أحيانا أخرى، حدثت مشكلات، وخلافات، لكن لم تتخل اليد عن أصابعها، ولم تنفصل الأصابع عن كفها؛ أصرت مريم، وفرضت رأيها، ولكنها تراجعت في أحيان أخرى واستسلمت للأمر الواقع، غضبت وخاصمت وقاطعت، لكن فطرتها وعاطفتها غلبتها، فاحتضنت بناتها، وكانت لهن السند والملجأ والملاذ.

الأعراف الاجتماعية

تتفوق سلطة الأعراف الاجتماعية لأي مجتمع على أي سلطة في الدولة، وهذا ملاحظ في الدول العربية، ومنها عُمان؛ إذ يظهر المجتمع من الخارج أنه متماسك ومتعاون، لكنه من الداخل منقسم، منفصل، وثمة حدود وأسوار عالية بين مكونات المجتمع المذهبية والقبلية وغيرها. وقد سلطت الرواية الضوء بقوة على هذه التشظيات، حيث يوجد في عُمان المذهب السني والشيعي والأباضي، والقبائل مختلفة المستويات والمكانة في المجتمع، وفي مرتبة أدنى المكونات الاجتماعية حديثة العهد، مثل البلوش والوافدين وغيرهم. لا يجد المجتمع مشكلة في التعامل التجاري والوظيفي بين هذه الطبقات الاجتماعية والمذهبية، وحتى نشوء صداقات بينها ومشاركة في المناسبات، ولكن لا يقبل أي علاقات نسب ومصاهرة في ما بينها، فلكل طبقة أو مذهب قوانينه وأعرافه التي ترفض أي اندماج مع الآخر، وأي خروج أو تمرد عن هذا العرف يجلب اللعنة والعار على صاحبه، وعلى جماعته، وتصبح جريمته على كل لسان، ولذا فإن هذه المكونات تقف حارسة وبقوة وحزم، وربما بعنف لمنع أي تجاوز لهذه الأعراف، التي قد تقابل بالموت كما حدث مع هند خالة مريم.
تناولت الرواية في معظم أحداثها هذه المشكلة التي تؤرق المجتمعات، وتعمل على تفتيتها وإضعافها، وكشفت الرواية من خلال علاقات الحب بين شخصيات الرواية النسائية السنية وشخصياتها الذكورية من مختلف المذاهب والأعراق والمكونات هذا الخلل الاجتماعي الكبير، الذي يضع العراقيل لأي علاقة زواج، ويحاول منعها بأي سبيل، وإذا نجح أحد بالقفز عن هذه الحواجز قُوطِعَ وهُجِرَ وحلت عليه اللعنة الاجتماعية، والغريب أنه عند تحليل هذه العوائق ومحاولة التعرف عليها مباشرة، تذوب وتختفي تقريبا، ويفقد الرفض معناه ومسوغه، ولكن يبقى العرف سيفا مسلطا في وجه من لا يحترم الأعراف ويخضع لسلطتها.
وكانت المفارقة في الرواية أن مريم السنية التي تزوجت حمد الأباضي على الرغم من الرفض الاجتماعي، وقفت هي نفسها في وجه بناتها عندما حاولن الزواج وتجاوز هذه العوائق الاجتماعية، خوفا من الأعراف وتبعات الخروج عليها، ولاكت حججا واهية لا تستقيم وتاريخها وثقافتها وتعليمها. وفي المقابل، مارست بناتها قبل زواجهن سلطة بمنع أمهن من الزواج بعد وفاة والدهن، بحجة الخيانة للأب وطمس ذكراه، وجلب أب جديد لهن، في خضوع لعرف اجتماعي متطرف لا معنى له.

ضريبة الحرية

برز في الرواية تيار واضح تجاه ممارسة الحرية بعيدا عن القيود الاجتماعية، ورفضا لأي نصائح أو توجيهات أو تحذيرات، فكانت النتائج فاشلة ومخيبة للآمال، فلم ينجح أي زواج خرج على العرف الاجتماعي، وعاني من مشكلات جمة وانفصال عاطفي وانتهى بعضها بالطلاق، وعلى الجهة الأخرى، فإن الزواج الوحيد في الرواية الذي خضع للأعراف وهو زواج إيمان، انتهى أيضا بالفشل والطلاق، لأنه لم يكن برغبة إيمان ولا اختيارها، وإنما إرضاءً لأمها، التي أبعدتها عمن تحب ورفضت ارتباط ابنتها به.
الرجل العربي، وحتى المتعلم في الغرب، العائد بأرقى الشهادات، تبقى ثقافته شرقية خاضعة للأعراف الاجتماعية مهما حاول التظاهر بغير ذلك، فهو ينتقل بجسده للغرب لا بعقله؛ يحب السيطرة والاستحواذ وإلقاء الأوامر والتفرد بالرأي، وهذا لا يعني الانصياع للغرب وثقافته بالمطلق، بل الاستفادة مما يوفره من مرونة وحريات واحترام الآخر وإلغاء الفروقات الاجتماعية والمذهبية، والإعلاء من شأن القيم الإنسانية.
الحرية قيمة إنسانية عليا، وهي حق لأي إنسان لا جدال فيه، ولكن ممارستها دون حكمة ومسؤولية قد تودي بصاحبها، والحرية مسؤولية كبيرة، ومن لا يقدرها ستنقلب وبالا عليه، والمجتمعات العربية لا تتقبل الإنسان الحر المستقل بفكره، وتحاول جهدها تكبيله وتسخيفه، وإظهاره بمظهر الأخرق والماجن والمنحرف، لأن المجتمع ـ أي مجتمع ـ لا يقبل أي خروج على قيمه وأعرافه، والضوء الساطع يكشف ظلمة الليل، ويفضح المستور.
تقول عزة القصابية: «تظهر في رواية «أصابع مريم» ملامح التمرد على التقليدية في الكتابة، ومحاولة البحث عن شكل جديد برؤى عصرية تقع في مرحلة وسط بين التقليدية والحداثة. والتمست الكاتبة عزيزة الطائي في هذه الرواية مفرداتها من المراحل الزمنية التي عاشتها شخصياتها.
وتمكنت من التوغل في نسيج المجتمع العُماني، مع الحرص على إبراز الجدل بين المسلمات الاجتماعية المتوارثة، بحكم التنوع القبلي والمذهبي للناس. وفي ظل الرغبة في الزواج، فإن الحواجز تتضح وتتشكل أسوارا عالية، يصعب اختراقها، والكاتبة من خلال أحداثها تشن الحرب على الكثير من المعتقدات المتوارثة منذ القدم».
وبعد؛ فإن «أصابع مريم ـ الكويت ـ دار الفراشة 2020 ـ 333 صفحة» رواية تميزت باللغة والتعابير والصور الجميلة، في سرد سلس، موظفة الرسائل النصية والكتابات الذاتية والاسترجاع والبوح والمونولوج والحكاية، منتصرة للأفكار التي تدافع عنها، محاولة بث الوعي المجتمعي حولها، وخطورة هذا الانقسام المجتمعي الكامن المعترف به والمنكر له في الوقت نفسه، وتركت الملفات والنهايات مفتوحة مشرعة؛ لتضع كلاً أمام مسؤولياته ودوره.

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية