سلطة الفكر وفكر السلطة

حجم الخط
0

سلطة الفكر وفكر السلطة

النـخـبـة المـثقفة بالمـغرب بين:نور الدين بازينسلطة الفكر وفكر السلطةإن المتأمل في الواقع السياسي والفكري المترهل، الراهن في بلادنا يدعو إلي القول بان ما يسمي بالنخبـة المثقفة في المغرب، لا زالت تتوزع حول كيانين آزلين اثنين، كيان يحتمي بأسوار السلطة، يمارس من داخل رحمها -عمليته الفكرية- التي تنتعش بها السلطة الحامية، وكيان يمارس معارضته الفكرية للواقع ولتمظهرات السلطة والتسلط باستقلالية ولكن بمعاناة، إننا أمام صورتين اتنثين:مفكري السلطة الذين تم احتوائهم، وسلطة المفكرين الأحرار أو بالأحري المتحررين. فالفئة الأولي هي فئة منتجي الفكر، أو هي إن صح التعبير هي التي تمارس سلطة الفكر:( المهدي بن بركة – عبد الله العروي- محمد عزيز لحبابي- عابد الجابري- المهدي المنجرة وغيرهم..)هذه الفئة لم يحتويها المخزن رغم عرض عدة مناصب عليها في جهاز الدولة، وصلت إلي منصب الوزير الأول( المهدي بن بـركة والمهـدي المنجرة.. ودعوة عابد الجابري للالتحاق بأكاديمية المملكة، وإغراءات شتي للعديد من المفكرين كلها باءت بالفشل.) إظافة إلي أن هذه الفئة لم تتورط في الاعتقال السياسي إثر الحملة التي استهدفت مثقفي ومنظري اليسـار في الستينيات والسبعينيات… باستثناء المهدي بن بركة الـذي اغتيل في فرنسا في ظروف يعرفها الجميع، حيث عرفت هذه الأسماء الوازنة والمعروفة في الحقل التنظيري بالمغرب والوطن العربي كيف تراوغ الحكم وتتفادي الصدام معـه، لقد مارست سلطتها الفكرية بتحرر حيث امتاحت من مرجعيات إيديولوجية إبان فترتها..لكن ظلت صبغة الأكاديمية تظلل مسارها، واقع جعلها تصل إلي الشهرة بفضل تنظيراتها دون أن تغرق في التشدد الاديولوجي، الذي قد يمليه الانتساب إلي الحزب. شهرتها التنظيرية أكسبتها مناعة قوية جعلت المخزن يتحاشي الصدام معها، بل حاول أن يجرها كما أسلفنا إلي محيطه.أما الفئة الثانية أي فئة مفكري السلطة، أو الفئة المستهلكة للفكر المنتج من طرف الفئة الأولي و من أدبيات الفكــر السائد في المرحلة.. فقد تراوحت إيديولوجياتهم ( منذ الاستقلال إلي يومنا هذا..) بين أحزاب وتنظيمات يمينية ويسارية وإسلامية..فاليمين المحافظ المتمثل في حزب الاستقلال، كان هو القريب من محيط السلطة مكرسا بذلك سيرورة تاريخية للمخزن، منها يستمد شرعيته، فلا عجب أن نجد علماء الدين ( الذين ادمجوا الوطنية النضالية من اجل تحرير البلاد ضمن الوطنية الدينية، حيث نجد أن أكثر هؤلاء العلماء فتحوا مدارس ومعاهد حرة، ليمرروا خطاباتهم وخصوصا خطاب حزب الاستقلال) يزاوجون بين مهامهم في المجالس العلمية أو حتي الوزارات وبين نشاطاتهم السياسية ولكم أن تراجعوا لائحة أول برلمان ما بعد الاستقلال في تاريخ المغرب، وأيضا مختلف المهام المقربة جدا من القصر لتكتشفوا ذلك. و في هذا الإطار فإن تحميل المفكرين (علماء الدين) في تلك الفترة مسؤولية عدم بناء فكر ديمقراطي ديني يؤدي إلي بناء فكر ديموقراطي سياسي هو أمر موجود وواقعي، لأن بعد الاستقلال برزت هوة بين هؤلاء العلماء وبين السياسي، مما سهل الطريق أمام السلطة القائمة حينها بناء ديموقراطية علي مقاسها، مقابل امتيازات سياسية واقتصادية.. لقد دخل المغرب مرحلة تحول مفصلي إثر الأحداث، التي عرفتها الساحة الوطنية منذ مطلع السبعينات، تقلصت هيمنة حزب الاستقلال، ولجأ المخزن إلي احتياط فارغ أسسه من أحزاب وهمية، كرسها لإيجاد شرعية من داخل برلمان، لا يقل فراغا عن الأحزاب المتواجدة داخل قبته.. لقد اختط المخزن في هذه الفترة لنفسه مسارا يجري فيه لوحده ضدا علي الفاعلين في المرحلة، وهذا ما يذهب إليه عبد الله حمودي في كتابه الشيخ والمريد في الفصل السادس في باب أنظمة سلطوية حين قال: ” أننا شهدنا خلال هذه الحقبة ( 1960 و 1970) بنيات تسلطية متينة تنتشر وتتوطد في المجتمعات العربية. وكانت تتركز في نمطين أساسيين: جمهوريات يسيطر عليها زعماء مَهيبون تدعمهم المؤسسة العسكرية والأحزاب الوحيدة المسخرة، أو ملَكيات تسيطر علي التعدد الاجتماعي بفضل القوة المسلحة، ويرتكز نشاطها علي ائتلافات أحزاب سياسية مضعفة أو تحالفات بين تجمعات أو طوائف، وفي الحالتين معا، تدير بيروقراطيات جبارة بدون ارتباطات حزبية البرامج الاقتصادية. لقد شكلت قضية الصحراء منعطفا حاسما أفرز نخبة مضطهدة حاربها المخزن بشتي الأشكال، هاته الفئة بتنظيماتها السياسية اليسارية ومن أبرزهما تنظيمي 23 مارس و إلي الأمام، وهم من مستهلكي الفكر الماركسي اللينيني، ( والذي كان حاملوه جيلا كان متأثرا بالهزائم السياسية التي لحقت الأمة، وكذا الهزائم التي لحقته من لدن المخزن، نتيجة أخطاء قاتلة في التخطيطات و الاستراتيجيات التنظيمية، وكذا البطء في استقطاب شعبي كبير أو حتي التعاطف معهم في تلك الفترة) وهذه النخبة كانوا آخر من احتواهم القصر( إدريس بن زكـري وأصحابه…) فحين وجدت حالات اسثتنائية وصفت بالتيار الراديكـالي داخل هذين التنظيمين وداخـل أحزاب محسوبة علي اليسار، بحيث رفض هـذا التيار المساومة أو حتي النقاش حول المهادنة مع السلطـة القائمة، مبررين ذلك بغياب الضمانات الحقيقية والأسس الضامنة للانتقال الديمقراطي، واصفين بن زكري وأصحابه ( بالخونة)، وهذا ما وضحته الشعارات التي رفعت أثناء الجلسات العمومية التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، للاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، التي حملت شعار شهادات بدون قيـود من أجل الحقيقة، وهي بمثابة رد فعلي علي الجلسـات العمومية التي نظمتها هيئـة الإنصاف والمصالحة التي ترأسها إدريس بن زكـري. معطي واقعي، يقر أن (مفكري السلطة) الآن هم من أغلـب المعتقلين السياسيين السابقين ( بن زكري، صلاح الوديع، أحمد حرزني وغيرهم…)، وهنا الفارق الرئيسي والكبير في قبولهم للمهادنة والدخول في اللعبة السياسية، وشغل مناصب عليا في الجهاز المؤسساتي للدولة، وأخرها تعيين بن زكـري رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسـان (مناصب تعتبر عند رفاقهم الراديكاليين بالمناصب الملغومة).القبول بالهدنة والدخول في اللعبة السياسية، لما يُنعتون الآن (بمفكري السلطة)، جاءت علي اعتبار أن الظرف الحالي هو غير الظرف السابق.. فالمعسكر الشيوعي( الاتحاد السوفيتي سابقا) انهار عن أخره، وثديه التي كانت تصب لبنا معدنيا من دون حسيب أو رقيب قد استنفذت بعد سقوطه، وكان لابد لمستهلكـي الأفكار الماركسية اللينينية بالأمس، وهم من مفكري السلطة اليوم، أن يغيروا الأفكـار الثورية و الاستراتيجيـات التنظيمية، التي كان الهدف منها هو الوصول إلي السلطة، ولاسيما أنهم قد أدوا ضريبة الاعتقـال السياسي من اجل أفكارهم. كل هذا التغييرات المرحلية، جاءت عن طريق اجثثات الفكري الثوري، وهذا يعني أن هناك أزمة يعانيها المثقف العربي بصفة عامة، كما أدي ذلك إلي استبداله بالممارسة الفعلية من داخل دهاليز أجهزة السلطـة، وبشروطها القائمة علي قبول اللعبة بقواعدها و غير ذلك فهو مرفوض، كما أن الاستناد علـي مبررات ظروف الانتقال الديموقراطي، وكذلك اعتبار أنه لا يمكن قضاء سنـوات العمر الباقية في نهـج سياسة راديكالية عنيدة، اتجاه الواقع المعيشي لظروف المواطن المغربي، وللحالات المـزرية التي يعيش فيـها المعتقلون السياسيون بعد خروجهم من السجن، هذا الـواقع المفروض التي تتحكـم فيه لوبيات مخزنيـة ضخمة، يجب تغييره من موقـع السلطة وليس من خارجها، كما ينبغي إعـادة تشكيل النخـب المغربية عـن طريق استلام السلط والمناصب. هذا المبرر لا يستند علي قناعة تامة لدي رفاق الأمس، مادام أن الجسم المغربي مصاب بشلل اقتصادي واضح، وعليه فإن الأمر لا يعدو أن يكون أمرا استعجالي لإنقاذ البلد من انهيار تام يؤدي إلي صراع طبقي وحتمي، وهذا ما أعلنه الراحل الملك الحسن الثاني علي أن المغرب قريب من السكتة القلبية.. إعلانه جاء وليد سياسات متعاقبة فاشلة، أدخلت البلد في متاهات، أوصلته إلي الإفلاس، وهو أمر لم يدركه أحد أكثر منه، وهذا ما عجل بتشكيل حكومة التناوب الأولي برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، التي اصطدمت بجـدار من اللوبيات المخزنية، امتزجت بين لوبي يلبس لباس السياسة، ولوبي يلبس لباس الاقتصاد، ولـوبي يلبس لباس العسكـر، ولـوبي يلبس لبـاس الثقافـة، ولـوبي آخـر يختبئ في محيـط السلطـة القائمـة.. وهذا ما كشفتـه ملفات الفساد التي حركتها حكومة التناوب الأولي، حيث كانت صورة الفساد تتشابه وتتواصل من مؤسسـة إلي أخري، كما أن أسماء المفسدين تداخلت وتشابكت والتقت في مصب وحيـد وواحد: المركز النافد في السلطـة. وجـه الخلاف بين (مفكري السلطـة) وسلطـة المفكرين هو: محاكمة الفكر، أي بمعني آخر، مراجعة الإيـديـولوجيـات الممارسة سابقا.. ومن هنا يمكن أن نفهم الصراع السياسي الذي عرفه تاريخ المغرب، بادراك عمق التحولات البنيوية للأجهزة السياسية التي تعيشها البلاد، وكذا يمكننا أن نفهم هذا الصراع الفكري بوجود ظروف سياسية داخلية وخارجية، وظروف اقتصادية واجتماعية التي كانت وراء الصراع علي السلطة. فمن تخدم النخبة المثقفة المغربية بفكرها..؟ هل تخدم الشعب أم السلطة أم نفسها..؟و إذا كان الفئـة الأولي لا زالت تنتج الفكر والمعلومة، فهـل لا زال بالمقابل مفكري السلطة يقتاتون علي ما تنتجـه..؟ أما سلطة المفكرين، فقد ظلت نظيفة وبعيدة عن كل لبس أو احتواء، أنتجت أفكارا استهلكها مفكري السلطة الحاليين للوصول إلي الحكم، كما أن التاريخ الطويل و متغيراته السياسية، هو الذي ضمن ولـوج هذه النخبة المثقفة المستهلكة للفكر إلي القصر، والتي يمكن أن ننعتها ب – زمرة الحكم الشبابي – معتبرة نفسها فئة تحس أن حقها غُبن في فترة الاعتقالات التي عاشتها، بعد أن دافعت عن هذا الفكر، متأثــرة بمفكري الستينيات والسبعينيات، وهم الذين يمثلون الآن سلطة الفكر، وهي فئة يقدرها ويحترمها القصـر أكثر من هذه الزمرة الجديدة للحكم الشبابي، التي يعتبرها مجموعة ولجت اللعبة السياسية للاستفادة لاغير، ويجب اللعب بها في هذه المرحلة من السياسة الداخلية للمغرب، لتهدئة بعض الأطراف الخارجية والداخلية، وهذا ما أدي إلي الصيغة الحالية للحكم.. هـي وصفة ظلمت ملايين المغاربة بفعل هذا الانقلاب الفكري، حيـث يكون الجواب علي سؤالنا السالف، هو الخلاصة بإقرار اتفاقية الكواليس بين الممارسين للفكر وبين منتجي الفكر وبين السلطة القائمة التي تحسن العوم بين هؤلاء وبين أولئك، وكذلك وجوب وجود طبقة معينـة مثقفة تدافع عن مصالحه، استنادا علي ما قاله غرامش أن فئة المثقفين تمثل مصالح طبقية، وان لكل طبقـة مثقفيهـا.. إن مسألة سلطة الفكر في تقويض سياسة فكر السلطة، يحتم علي المفكر أن يعي أن الأمر لا يعدو أن يكون صراعا بين ثنائية السلطة والمثقف، بل هو انخراط في سيرورة جدلية الاحتواء والاستقلالية، وبين النزعة المحافظتية والنزعة التقدمية، كما يجب علي أصحاب سلطة الفكر أن يفرضوا عملية الدمقرطة في اختيار سياسة فكر السلطة، الذي يبدو إلي حد الآن المسيطر علي طريقة تسيير البلاد ومفكريها، وكذا هو القادر علي تفعيل وتجميد سلطة المفكرين كيفما شاء، وتحقيق سياسته الفكرية كما ينبغي وكما سطر لها هو. ومن ثم يتأكد أن فكر السلطة أقصي مفهوم سلطة الفكر بطريقة كليانية مرة، و بطريقة الاحتواء مرة أخري، كما لايمكن مناقشة مسألة التغيير والديموقراطية، بدون مناقشة فكر السلطة بعقلية سلطة الفكر المتحرر والمستقل، يتناول الأمور بنوع من سياسة فكرية نقدية، مادام أن السلطة لها حصة في البؤس الفكري للإنسان، وما دام أن البلاد لا تقوم علي بناء الفكر للفكر بالاستفهام، وإنما تنهض علي تقويم الفكر بنقد الاستفهام في إطار الوضوح وبدون دعارة فكرية، وكذلك في إطار سؤال ماذا نريد.. مادام أن العالم تحركه إرادة القوة أي السلطة وليست إرادة الفضيلة المجسدة في المثقفين والمفكرين كما قال نيتشه..؟ہ شاعر و كاتب صحفي من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية