سلطة المطارات، وفرخ البط القبيح بن غوريون الدولي علي المحك
رجاء بكريةسلطة المطارات، وفرخ البط القبيح بن غوريون الدولي علي المحكيروج الاعلام المكتوب والمسموع وربما المرئي في الأسابيع الأخيرة لفكرة الاصلاح الأخلاقي الذي تنتهجه سلطة المطارات في التعامل مع فلسطينيي الداخل، مواطني دولة اسرائيل. هذا الترويج غير المبرر يحاول أن يعيد ثقة غير مفترضة أصلا بين الجمهور الفلسطيني وسلطة المطارات، وربما يغسل التجربة من وسخ الممارسة، ولؤمها.وما يقلقني شخصيا التوقيت الذي راعته وسائل الاعلام في عرض هذه القضية. لماذا الآن رغم أن الفلسطيني، مواطن الدولة، لم يتوقف عن المعاناة طوال الما يزيد عن خمسين عاما من التنزيه غير المسبوق لهويته وانتمائه في سوء المعاملة؟ أهي صفقة حزبية تخطط لها بعض الأحزاب مع منتخِبين وهميين تعدهم لجولة الانتخابات القادمة، أم أنها نية صادقة وتوبة نصوح تعلنها سلطة المطارات مع مواطنين أدركت مؤخرا عمق كثافتهم السكانية وبالتالي فاعلية وجودهم بين قاعاتها الواسعة؟ولعل الحقيقة التي يفضي اليها هذا الاعلان المتأخر استدعاء للذاكرة المنتقاة في تاريخ شعوب نحن بعضها، وتحديدا حكاية فرخ البط القبيح الذي عاني الأمرين منذ خروجه من بيضة رمادية لا تشبه سائر البيضات مرورا بكراهية أخواته، البطات الصفر، له وملاحقة العالم لوجوده حتي لحظة اكتشافه العفوي لمبني جسده، واندهاشه اللامحدود بحقيقة أنه بجعة وليس بطة.ولعل الغريب حقا في حكاية هذا الفرخ أن لحظة التقائه بأصله لم تعتمد علي ذكائه الفطري في التمييز والمعرفة، ولكن علي حظه من الصدفة التي ألقته في ماء بحيرة سبحت فيها بجعات ثلاث لاحظت وفود ذكر يشبهها فتسابقت في اغداق غزل ناعم علي ذكورته. والسؤال الذي يحضرني، وأنا أسترجع حكاية هذا الفرخ الغبي، لماذا لم يتمار، ولو مرة واحدة وهو يسافر من جدول الي نهر الي بحيرة في صفحة الماء كي يفهم أنه لا يشبه اخوته الآخرين؟ ولماذا لم يقارن بين حجم رأسه المنفوحة، وأحجام الرؤوس التي يعرفها لاخوته؟ وهل كان مطالبا حقا بالتعرف الي عرقه أم بتجاهله؟ أكان يجب أن يكتفي بفكرة اضطهاده من قبل اخوته لاختلاف لونه، أم أنه كان ضروريا أن يجتهد في التعرف الي هوية جسده؟هذه بعض هواجس ألحت علي، وأنا أستحضر توصيات احدي المفتشات اليهوديات لمربيات الأطفال بعدم رواية هذه القصة علي الأطفال حفاظا علي عنفوان مخيلتهم وجاهزية أفكارهم لقبول كل ما يتعلق بمستقبل التعايش المفترض بين اليهود والعرب. ودون أدني شك بنواياها أرادت أن تتفادي تداعيات الحكاية علي أرواح الأطفال كي لا تسود مساحاتها البيضاء قبل الأوان. ضحكتُ يومها، وأنا أستمع الي تعليق احدي مربيات الأطفال النبيهات علي انفتاح أفق المفتشة وبعد خيالها. واذاك لم أتمالك نفسي، وسألتها بشيء من الاستنكار كيف تتواطأ معها علي استبدال الصفعة برفسة؟ حين صمتت المربية وقفت أمام أطفال بستانها، وقلت لهم بصوت حكائي جذاب، أيها الصغار الأحبة في جعبتي حكاية طريفة عن فرخ بط غبي لم يعرف أنه بجعة. هل ترغبون في سماعها؟ حين تهافتوا علي قررت أن تكون حكاية الفرخ بطاقة تعارفي الأولي معهم.ولعلني اذ أستحضر هذه الحكاية بشيء من التحفظ أستحضر معها حكاية أخري لا يليق بها التحفظ هي حكاية مطار بن غوريون. فحكاية هذا المطار الكبير لا تختلف كثيرا في تواصلها مع المواطنين العرب عن حكاية هذا الفرخ القبيح مع فارق جوهري واحد، كون جميع الفراخ القبيحة، نحن، نكبر كي نظل فراخ بط وليس بجعات بأعناق طويلة تستطيع نقر الكبسات الالكترونية، والحاق كوارث تكنولوجية كاملة بجهاز المطارات والاستخبارات المبذورة فيها. والشيء الآخر الذي لا بد من الاعتراف به أن جميع البطات القبيحة الوافدة الي هذا المزار الاضطراري لم تتعرف الي حدود قبحها قبل أن تنشيء سلطة المطارات ما يسمي بالغرف الخاصة. هذه الغرف البيضاء افتتحت مؤخرا بل وخصص لها حيز مكاني بافتتاح التيرمنال الجديد من أجل استضافة أسراب البط القبيح من مواطني دولة اليهود العرب. ولا بد أن نسجل هنا أن لرجل الأمن سلطة واحدة فقط، أن يذكرك بفحش قبحك.وما يزعج في لعبة البط والبجع هذه أن البط لا يصير بجعا، ولذلك فان البجع الذي يصادفه لا يرعفه بغزله، بل بعنفه وقسوته. ومن الجائز أنني لم أكن بطة قبيحة تماما، ولكن بين البطة والبجعة حين أعرض الي اشكالية العلاقة بين فراخ البط والبجعات التي تتمختر في ردهات مطار بن غوريون الدولي. وربما من المناسب لأعضاء الكنيست ولسلطة المطار الموقرة أن يعيدوا النظر باعلانهم المتسرع عن يقظة الضمير والأخلاق التي استعجلت الصحافة في التهليل لها. فالعربي الذي يدخل الي تلك الردهات المكيفة لا يزال مهددا بنزع كرامته ومسح كبريائه قبل أن يصعد الي الطائرة الذاهبة من والي. ولا يزال يقوده رجال الأمن بتهمة عرقه الي تلك الكابينات الرخيصة كي ينزع كلساته وبنطاله وحذاءه وحمالة نهده ان أمكن.ولأنني لست البطة التي يتوخاها رجال الأمن في المطار فغالبا يتم استقبالي بزفة علنية مخجلة، ولا يجوز لي أن أخرج الي طائرة قبل أن أنزف حقدا وصراخا. ولا أعرف تماما اذا كان من حظي أنهم هناك استعدوا لتجهيز غرفة علي مقاسي، وربما تحمل اسمي، وتاريخ ولادتي. غير أن الاستحداث النوعي لأساليب التحقيق تمادت في جرأتها، والبجعة البيضاء التي خرجت من السرب الملوكي كي تحتفي بتشطيبي توفرت علي عنق طويلة استهدفت هذه المرة سروالي. قالت لي ان قوانين الدولة واضحة، ولا بد من المثول لها.فهل يعرف أعضاء الكنيست المحصنون جدا والمخصصون جدا أن قوانين سلطة المطارات تفرض علي جميع الفراخ القبيحة والمهجنة خلع سراويلها امتثالا لما ورد في دستور الكنيست الموقرة؟ وهل يعرفون أن تلك الغرف الخصوصية ليست غرف تحقيق بل غرف تحقير لدورهم في صنع القرار؟ وهل يعرفون مثلا أنني أضطر الي مزاملة شرطي أمن في كل خطوة أخطوها وكل مكان أذهب اليه؟ لماذا لا أعلن أنني لم أزاول مهنة الوقاحة قبل أن أتعرف الي سحنات المخبرين ألأشاوس؟ وأنني لم أعد أخجل منذ أخجلوني من احتراف التواقح والملاسنة؟ لقد اعتاد أعضاء الكنيست الموقرون علي الاستنكار لمظاهر التمييز العنصري، والتفصيل العرقي في أصقاع العالم المختلفة، فلماذا اذن لا ينظرون لما يحدث علي بعد أشبار من كراسيهم كي يفهموا أن مواطنتهم في خطر؟ لم يعد يستهوينا تصريف المبتدأ والمصدر والحال، للقومية والحرية والمقاومة الشعبية. نحتاج اليوم الي تصريف أوراقنا الثبوتية. نحتاج قليلا من الكبرياء. قاوموا محونا فأحذيتنا وحمالات نهودنا يتهددها السلب والدوس. وما يجري بين ردهات المطارات الاسرائيلية وصمة عار في جبين جميع الفراخ القبيحة والمهجنة والتي لم تأت بعد. ولا بد أن تكونوا علي بينة أنها لن تتحول، مهما استجديتم المعجزة، الي بجعات بأعناق لامعة، فمخازن هذه الدولة تمتلك ما يكفي من احتياطي البجع وبكل الألوان! كاتبة من فلسطين0