سلطة فلسطينية برأسين ـ عبد الباري عطوان
سلطة فلسطينية برأسين ـ عبد الباري عطوانيبدو واضحا، ومن خلال المراسيم التي يصدرها رئيس السلطة السيد محمود عباس، بتعيينات لرجالات العهد القديم في مواقع عليا في الاجهزة الامنية، ان احتمالات الصدام مع حركة حماس تتزايد يوما بعد يوم، وقد تشهد الاراضي المحتلة حربا فصائلية دموية في الاشهر وربما الاسابيع المقبلة.بالامس اصدر الرئيس عباس مرسومين علي درجة كبيرة من الاهمية، ودون التنسيق مع رئيس الوزراء اسماعيل هنية، الاول يقضي بتعيين اللواء رشيد ابو شباك قائدا للامن العام الفلسطيني، والثاني بتعيين العميد نظمي مهنا مديرا عاما للادارة العامة للمعابر والحدود ويتبع مباشرة لرئيس السلطة.هذه التعيينات التي يبدو انها بداية الغيث هي تأكيد جديد علي كل ما كان يتردد همسا من ان الرئيس عباس يريد سحب معظم الصلاحيات من حكومة حماس والحاقها بهيئة الرئاسة، واقامة حكومة موازية تتولي تسيير الامور في الاراضي المحتلة، وتتعامل مع المجتمع الدولي، والدول المانحة علي وجه الخصوص.ومن المفارقة ان السيد عباس يسحب كل الصلاحيات التي انتزعها لنفسه من الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما جري نحت منصب رئيس الوزراء، وتفصيله علي مقاسه، اثناء الازمة التي انفجرت بين الرجلين، اثر اجتياح القوات الاسرائيلية للمقاطعة، واتخاذ واشنطن وتل ابيب قرارا بوقف التعامل مع الرئيس عرفات، والغاء جميع الاتصالات معه، وشطبه كشريك في العملية السلمية.التاريخ يعيد نفسه، ولكن باسرع مما يمكن ان يتصوره اكثر المتفائلين تفاؤلا. فها هي واشنطن وتل ابيب ترفضان التعامل مع حكومة حماس لانها رفضت الاعتراف رسميا، وعلنا، بالدولة العبرية، ونبذ الارهاب، وها هما تلجآن مجددا الي الرئيس عباس، وتطالبانه ان يفرّغ حكومة حماس من اي سلطات، بحيث تصبح منزوعة الصلاحيات تماما، مثلما كان عليه حال الرئيس عرفات في آخر ايامه.رئاسة السلطة تتحكم بالاجهزة الامنية، وتحكم سيطرتها علي المعابر، وتلحق جميع الوسائل الاعلامية من تلفزة واذاعات وصحف بها، وتمنع رئيس الحكومة من الاقتراب منها، فماذا تبقي اذن لرئيس الوزراء والفريق العامل معه، غير تسيير شؤون المجاري والمياه والكهرباء، وجمع الضرائب، وادارة شؤون المساجد، واصدار مراسيم بالسماح لرجال الامن باطلاق اللحي وتشذيب الشوارب واداء الصلوات في اوقاتها.حكومة الدكتور هنية تتحول الي وزارة اوقاف معظمة لا تتمتع باي صلاحيات تنفيذية حقيقية، ويمكن القول ان الفرصة الوحيدة امامها هي التحول الي مجلس بلدي كبير فقط، والصراخ في المجلس التشريعي احتجاجا كيفما شاءت، تماماً مثل كل المعارضين في البلدان والبرلمانات العربية الشكلية.فاذا كان رئيس الوزراء لا يسيطر علي الاعلام ويرث خزانة فارغة واجهزة امنية خارج نطاق صلاحياته، وقضاء تابعا للرئاسة، ومعابر يسيطر عليها فريق لا يأتمر بأمره، ويمكن ان يمنعه من السفر في اي لحظة، فكيف سيؤدي مهام مركزه ويستحق اللقب الذي يحمله؟السيطرة علي المعابر تعني عمليا ان تعود اموال الضرائب المستحقة للسلطة من البضائع الواردة الي اراضيها، وتقتطعها سلطات الجمارك الاسرائيلية، الي رئاسة هذه السلطة وليس الي وزير المالية في حكومة هنية. وهذه الاموال تقدر بحوالي خمسين مليون دولار شهريا، يمكن ان تسدد ثلاثة ارباع رواتب الموظفين. وقد جمدتها الحكومة الاسرائيلية ورفضت تحويلها الي وزارة المالية، انتظارا لتشكيل وزارة المالية الموازية.بمعني آخر ستتولي وزارة المالية الموازية في مكتب الرئاسة تسلم هذه الاموال ودفع الرواتب للموظفين، حتي يظل هؤلاء تابعين لها، وخاصة في الاجهزة الامنية الثلاثة، الامن العام والمخابرات والامن الوقائي.ولاء الاجهزة الامنية والموظفين هو غالبا لمن يدفع رواتبهم آخر الشهر، ولم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن تأخر دفع هذه الرواتب مع فوز حماس في الانتخابات التشريعية. فالرسالة واضحة وتقول بالبنط العريض: اذا اردتم السلطة فرواتبكم ستدفع في وقتها، اما اذا اردتم حماس فتدبروا امركم، وضعوا حجارة، وشدوا الاحزمة علي بطونكم، وتشبهوا بالصحابة اذا شئتم.هناك قرار بافشال حكومة حماس حتي لو ادي ذلك الي صدام، وحرب اهلية، بين بقايا السلطة، والفائزين الجدد بثقة الشعب الفلسطيني في الداخل، فلا قيمة للانتخابات وصناديق الاقتراع طالما انها تأتي بحركة لا تعترف باسرائيل وترفض نبذ الارهاب، وادانة الهجوم علي المستوطنات والمستوطنين الاسرائيليين.انها لعبة خطرة بكل المقاييس، تتطلب ان يقف شرفاء حركة فتح وحكماء الشعب الفلسطيني في وجهها ووأدها في مهدها حفاظا علي تراث الحركة الوطنية من الشهداء وقيادة الكفاح الفلسطيني علي مدي ثلاثين عاما علي الاقل.نضال بعض رموز السلطة لم يعد موجها ضد الاحتلال الاسرائيلي للأسف، وانما ضد حكومة حماس وكيفية وضع اكبر قدر ممكن من العصي في دواليبها، وتكريه ابناء الارض المحتلة بها، والندم علي انتخاب مرشحيها في الانتخابات الاخيرة. في مقابل هذه المؤامرات يجب ان لا تنزلق حركة حماس الي الازدواجية في مواقفها، وان تستمر علي البرنامج نفسه الذي حازت علي اساسه ثقة الشعب الفلسطيني. ونحن هنا نشير الي البلبلة التي احدثها خطاب الدكتور محمود الزهار وزير الخارجية الي الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان.فالتبريرات التي سيقت حول وجود فقرة في الخطاب تقبل بالحل علي اساس دولتين متجاورتين، والتعايش السلمي مع جميع دول الجوار، تبدو غير مقبولة، وتكشف عن ارتباك وعدم خبرة. فالقول ان الفقرة ادخلت سهوا علي الخطاب، او لم تحذف من النسخة المعدلة، يبدو غير مقنع بالنسبة الي الكثيرين ونحن منهم.ان اخطر ما يمكن ان يواجهه الشعب الفلسطيني في الداخل ان تكون سلطته برأسين متنافرين، ينعدم الانسجام والتنسيق بينهما. لان حالة كهذه لا يمكن ان تستمر وستؤدي الي التوتر ومن ثم الصدام.وربما لن نكون مغرقين في التشاؤم اذا قلنا ان الصدام لو حدث سيخلق فراغا سياسيا، وفوضي عسكرية، وانهيارا حتميا للسلطة برأسيها، وسيكون التطرف هو عنوان المرحلة، وما اكثر المتطرفين في اوساط الشعب الفلسطيني، فمعظم رجالات تنظيم القاعدة ومنظريها كانوا من فلسطين ابتداء من الشيخ عبد الله عزام، ومرورا بأبو زبيدة وانتهاء بـ ابو قتادة ، والبقية لفهمكم.