مسقط -سلطنة عمان-“القدس العربي”: حزن وحسرة وألم يعم أرجاء السلطنة، التي يصحو شعبها فجراً، على فاجعة رحيل باني نهضتها، والذي لم يعرف أزيد من ثلثي العمانيين منذ 1970 غيره حاكماً. السلطان قابوس بن سعيد، الذي لا تسمع حيثما جلت في أرجاء هذه الدولة الخليجية، غير الثناء والترحم عليه، لإسهاماته الجلية، وتفانيه من أجل ازدهار ورقي البلد.
تزامن وصولي مسقط مع تواتر أنباء عن وفاة السلطان، (قبل إعلان الفاجعة التي استقبلها العمانيون هذا الأسبوع بفترة قصيرة) ونقلتها صحف عالمية، وتحديداً البريطانية، استقت معلوماتها من مصادر إماراتية بالتحديد، مثلما أشار عارفون بالبلد وشؤونه.
العمانيون، في نقاشاتهم التي اطلعت عليها في وسائط التواصل الاجتماعي على متن رحلة الخطوط القطرية المتجهة إلى مسقط، كانوا غالبيتهم رافضين تصديق الإشاعات التي تدّعي وجود صراع على السلطة بين أفراد العائلة الحاكمة.
وهو ما تأكدت منه طيلة فترة إقامتي في البلد، ولمستها في كل مكان، وعند المجالس.
تراءت مسقط من السماء، مدينة مترامية الأطراف، تحدها الجبال والبحار من الجانبين، ما يمنحها رهبة وشعوراً بالاطمئنان في الوقت ذاته.
الشوارع والطرق السريعة تبدو خطوطاً متناسقة، تفصل بين أحياء يظهر جلياً أن التخطيط لتوسع المدينة كان مدروساً بعناية.
لم نر على امتداد البصر أي ناطحة سحاب أو مبنى يرتفع وسط البيداء، حيث أن السلطان الراحل كان رافضاً التصريح لتشييد الأبراج، مؤكدا على ضرورة التوسع أفقياً واستغلال المساحات لتنمية المناطق من دون تركيز على أحياء محددة.
يمنح مطار مسقط الدولي الجديد والذي دشن قبل فترة قريبة، لمحة واضحة عن البلد، وأهله، ويعد واجهة تشعر بالراحة والاطمئنان.
ومن خلال التمعن في هندسة المبنى الجديد والهدوء الذي يميزه، ونشاط المواطنين من دائرة الجوازات، واستقبالهم لضيوف البلد ببشاشة، تترسخ تلك الصورة عن طيب العمانيين، وتكون لازمة سترافق الزائر حتى مغادرته البلد.
السلطان قابوس بالرغم من رحيله وتشييع جثمانه في عمان، إلا أن حضوره تجده لافتاً في كل مكان، وهو محل ثناء شامل من شعبه والمقيمين في البلد.
العمانيون الذين يبلغ تعدادهم أقل من خمسة ملايين نسمة
(مع احتساب الوافدين) 64 في المئة منهم أقل من 30 سنة، وحتماً سيكون أزيد من ثلثي الشعب، لم يعرفوا غيره منذ استلم مقاليد الحكم سنة 1970 وهم ممتنون لما تحقق من بنية تحتية ومشاريع عمرانية ضخمة يسرت حياة السكان.
عند التجول في منطقة مطرح السياحية، وخصوصاً حول قصر العلم الذي يعتبر مقر الإقامة الرسمي للسلطان الراحل الذي أمضى طفولته في محافظة ظفار وتحديداً صلالة السياحية، تتضح تفاصيل المشهد في البلد ومستوى الأمان الذي تحقق.
يتاح لزوار البلد الاقتراب من مدخل القصر، والتقاط صور تذكارية أمام بوابة يقف خلفها جندي هادئ، يراقب ويتابع، وحتى يرد التحية.
ميزة الأمان التي كانت من أبرز دعائم نهضة عمان، وكان قابوس بن سعيد الذي يعد السلطان الثامن المنحدر رأسا من المؤسس الأول للدولة البوسعيدية، يشدد عليها، ويعتبرها ركيزةً عمل على تكريسها.
يأتي القرار انطلاقاً من غوصه في تاريخ المنطقة سنوات اعتكافه في قصره في صلالة، قبل تقلده مقاليد الحكم، وتأكده من أن الخلافات والفتن لا يرتجى منها خيراً. علمته التجربة أن يقلد ثوار ظفار اليساريين الذين قادوا تمرداً على الحكومة المركزية، مناصب، وأشركهم الحكم في بادرة ساهمت في إطفاء جذوة الخلافات. قرارات الحاكم السابق الذي تعلم ودرس في بريطانيا، ووقف على آلية الحكم في المملكة المتحدة التي تربطها ببلاده علاقات استراتيجية، عززت من استمرارية حكم أسرة آل سعيد التي تعد من أقدم الأسر العربية الحاكمة بصورة متواصلة في عالمنا العربي، وانقضت أكثر من 278 عاما على توليها زمام الحكم في البلاد.
ويترجم العلاقات الوثيقة التي تربط مسقط ولندن، حضور الملكة البريطانية، سنة 2010 احتفالات السلطنة بعيدها الوطني الأربعين.
هدوء داخلي وخارجي
السلطنة في عهد قابوس يتأكد الزائر لها، أنها فعلاً مثلما توصف، تشبه في هدوئها الداخلي والخارجي، جنيف، حتى باتت تعرف بسويسرا الشرق.
ويرجع كثيرون ذلك، إلى نظرة وسياسات الحاكم السابق، القائمة على نبذ الخلافات، وتجاوز المشاحنات، حيث سنت قوانين تحظر أي تعصب ديني، أو مذهبي، أو طائفي مهما كان، ومعاقبة من يتجاوز ذلك.
يلاحظ التسامح الذي يميز السلطنة التي يعتنق جل سكانها المذهب الإباضي، في المساجد تحديداً حيث يصلي الجميع مع بعض، من دون أي اعتبار، طالما أنهم يتوجهون لقبلة واحدة تجمعهم سوياً.
كما يعزو الهدوء الذي تراه حيثما تنقلت في أرجاء السلطنة الممتدة بين بحر الخليج وبحر العرب، إلى عشق سلطانها الراحل للكواكب والنجوم الذي تعد من هواياته البارزة وكان يمضي أوقاتاً مطولة في مرصده الخاص الواقع في قصر نزوى، إلى جانب الموسيقى الكلاسيكية التي أسس لها أوركسترا وأوبرا في العاصمة مسقط.
تسليم المشعل للحاكم الجديد
جهود السلطان قابوس بن سعيد في وضع عمان على سكة التقدم والازدهار، وتأمين استمرارية نهج حكمه، تجلى بوضوح في الأجواء التي سادت اجتماع الدفاع المكلف بتعيين خليفة له.
وفندت أجواء تسمية العائلة الحاكمة للسلطان الجديد كل الأنباء والتقارير والتسريبات التي تحدثت عن وجود خلافات في أسرة آل سعيد.
ويشير قرار فتح وصية السلطان، لحظات بعد التئام مجلس العائلة لاختيار خليفة له، التوافق الذي كان بين الحاضرين، حيث أن تلك الخطوة كان يفترض بها أن تكون حلاً يلجأ له إذا وصلوا نفقاً مسدوداً بعد ثلاثة أيام من الاجتماع.
التوافق الحاصل والسلاسة في الانتقال تعد نتيجة لسياسات السلطان الراحل الذي عمل منذ استلامه مقاليد الحكم على رفض احتكار المناصب القيادية حصراً لدى أفراد أسرة آل سعيد، وكانت توجيهاته، أن يعاملوا سواسية مع العمانيين في الحقوق والواجبات. وتروى حادثة عن أحد أبناء عمومته، تمت مقاضاته لعدم التزامه بسداد قرض مستحق لأحد المصارف.
استمرارية نهج قابوس
السلطان الجديد لعمان أمام تحد صعب يتمثل في استمرارية نهج ابن عمه الراحل، وضمان تحقيق توجيهاته، الداخلية والخارجية.
وحسب أحد المسؤولين الذين تواصلنا معهم، فإن قلة كانت تدرك أن قابوس بن سعيد كان يعد السلطان الجديد للدور الذي يلعبه، وكان قريباً منه، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، واعتبر الأمر بمثابة تدريب عملي كان يتلقاه لتحقيق الاستمرارية المنشودة.
ويستدل على ذلك أن هيثم بن طارق كان يتولى قطاعات ليست ذات ثقل كبير حتى لا تحترق صورته، وفي نفس الوقت ليتسنى له الرصد والمتابعة من بعيد من أجل الاستعداد للمهمة الجديدة. ويرسخ هذا الاعتقاد السرعة التي تمت بها تسميته حاكماً جديدا للسلطنة.
وكان السلطان هيثم قد تولى منصب وزير التراث والثقافة بعمان، منذ أوائل الألفية الثانية، وعمل كمبعوث خاص للسلطان قابوس بن سعيد. كما كان الرئيس الفخري لجمعية رعاية الأطفال المعاقين، وشغل منصب رئيس جمعية الصداقة العمانية اليابانية.
عمل سلطان عمان الجديد سابقا بعدة مناصب في وزارة الخارجية العمانية، وترأس اللجنة العليا لدورة الألعاب الشاطئية مسقط 2010.
وعلى مدار السنوات المقبلة سيكون شغله الأساسي الاحتفاظ بحب الشعب لسابقه، واستكمال مسار التنمية، خصوصاً برامج الابتعاث التي كان لها الدور الأساسي في إنجاح خطط التعمين، وإحلال المواطنين في المناصب كافة. كما سيعمل جاهداً على ضمان أن يظل بلده محايداً مثلما كان، ووسيطاً محايدا وموثوقاً يلتجأ إليه في الأزمات الإقليمية والدولية.