سلطنة عُمان: هجوم إرهابي بـ«أحرف مشفرة» ودور «الوسيط» ثابت

حجم الخط
0

السلطنة تضع أمام أعينها رؤية 2024 الاقتصادية والتنموية الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الواردات النفطية وتخفيض الدين العام، وتحفيز السياحة، والقيام بشراكات اقتصادية استراتيجية.

مسقط ـ «القدس العربي»:  أُفُول سنة 2024 على سلطنة عُمان لا يمحي من صفحاتها ذلك اليوم في الخامس من تموز/يوليو الذي لا يشبه مجتمعها وأبنائها وسمة المسالمة التي تطبعهم: ثلاثة أخوة من أسرة لها مكانتها في عُمان يشغلون وظائف مرموقة في الدولة، أبناء شيخ قبيلة الحسني، من المذهب الإباضي الذي لا يُؤمن بالعنف وسيلة، قرروا أن يشنوا هجوماً على مسجد الإمام علي قرب العاصمة مسقط كان رواده من الشيعة يُحيُون مجلس عزاء في ذكرى عاشوراء.

المسجد يقع في الوادي الكبير في ولاية مطرح – وهي وجهة سياحية معروفة بسوقها القديم. يُطل المسجد على عمارة المهاجمين الذين رفعوا عليها علم تنظيم «القاعدة» ونادوا بالولاء لزعيمها، قبل أن تضطر قوات الأمن العماني إلى قتلهم. تلك التفاصيل، وبعد تبني تنظيم «الدولة الإسلامية» العملية، نزلت كالصاعقة على مَنْ يَعْرِف الشبان. لم يلحظوا هؤلاء عليهم أي تشدد ديني. لديهم أخ مطرب، ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي.
ما تكشف لمتابعي القضية، أن الشبان حاولوا قبل نحو 8 سنوات الذهاب إلى سوريا لكنهم أُعيدوا من الحدود العراقية. ثمة اعتقاد أنهم ذهبوا للالتحاق بـ«تنظيم الدولة»، وتردد أنهم تحولوا عن مذهبهم. وضعتهم الأجهزة الأمنية لسنوات تحت المراقبة لكنها لم تكتشف أن لديهم أي سلوك مشبوه. يروي عارفوهم أن أحد المهاجمين كان مرشحاً لمنصب دبلوماسي في إحدى السفارات الأوروبية. ويضيفون أن والدهم حين طلبت منه الشرطة تَسلم جثث أبنائه رفض، وقال: «هؤلاء ليسوا أبنائي». توفي شيخ القبيلة بعد أشهر من الهجوم الذي كُتب بـ«أحرف مشفرة» جاءت من خارج طبيعة العُمانيين المتسامحة. فهي ليست عملية انتقام من الحكومة أو القيادة، ولا المنفذين فئة مهمشة أو مغبونة. وحين ضرب الإرهاب دولاً في الشرق الأوسط، كان خطره في السلطنة منخفضاً جداً قياساً إلى جيرانه. المسجد يديره باكستاني ورواده في غالبيتهم من الباكستانيين الشيعة وحصل أن تبنى التنظيم استهداف مساجد للشيعة في مناسبات دينية في باكستان وأفغانستان. ربما كان ثمة رابط، لكنه في النهاية يبقى الهجوم الأول لـ«داعش» في السلطنة، والذي أسفر عن مقتل تسعة أشخاص (أربعة باكستانيين، وهندي، وشرطي، والمنفذين الثلاثة)، فضلاً عن جرح أكثر من 30 شخصاً.
أظهرت السلطنة قدرة عالية في التعامل مع الحدث باستجابة سريعة وفعالة على المستوى الأمني، وبخطوات عكست التزامها الثابت بالحفاظ على الأمن والاستقرار، واستمرار نهجها المعتدل في السياسة الخارجية والمحلية.
كانت سياسة مسقط الخارجية مند سلطانها الراحل قابوس بن سعيد أن تترك نافذة حين يُغلق الآخرون كل الأبواب. بقي تمثيلها في الدول حاضراً حيث خرج أشقاؤها العرب بسبب الأزمات، سواء في مصر أو في العراق، وسوريا، وصنعاء، وطهران. لعبت دور «القناة الخلفية» في المفاوضات الإيرانية مع الأمريكيين والأوروبيين، والذي أنتج «الاتفاق النووي»، وتولت دور الوساطة في الأزمة اليمنية بين جماعة «الحوثيين» المدعومة من إيران والشرعية المدعومة دولياً. تعزز دورها أكثر بعد قرار المملكة التي قادت تحالفاً عسكرياً لدعم الشرعية بالانخراط في رعاية الحل السلمي بين الأطراف اليمنيين.
يقول متابعون إن اتفاق الحل كان منجزاً بنسبة كبيرة مع بعض التحفظات للحوثي، وينتظر توقيت الإعلان لتوقيعه، فإذا بعملية 7 تشرين الأول/أكتوبر تنعكس جموداً على الملف عند النقطة التي وصل إليها، تعطي الحوثي مكتسبات لم يكن ليحصل عليها لولا المعادلة القائمة في حينه. اليوم قد تكون هناك فرصة لتنفيذ الاتفاق إذ التقط الحوثي التحولات الحاصلة، ولا سيما بعد اغتيال نصرالله – الذي كان مسؤولاً عن ملف اليمن – واغتيال إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وإضعاف «حماس» و«حزب الله»، وسقوط الأسد، وبالتالي تراجع نفوذ «محور إيران» في المنطقة. ولكن إذا لم يقرأ الحوثيون جيداً تلك التحولات، فقد يكون اليمن أمام مشهد آخر يُعيد خلط الأوراق، وسيحتاج من جديد إلى دبلوماسية «النوافذ المفتوحة».
والسلطنة التي انشغلت في السنوات الماضية بترتيب بيتها الداخلي في مرحلة انتقال الحكم من السلطان قابوس إلى السلطان هيثم بن طارق، تضع أمام أعينها رؤية 2024 الاقتصادية والتنموية الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الواردات النفطية وتخفيض الدين العام، وتحفيز السياحة، والقيام بشراكات اقتصادية استراتيجية تستفيد من موقع السلطنة الذي يربط من خلال موانئها وخطوط الملاحة بين أسواق آسيا في الشرق وأفريقيا في الجوار القريب، وبين أوروبا ودول البحر المتوسط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية